غيرت اسم الكلب الي وانغ كاي
————
الفصل التاسع عشر: أوّل مرّة يدفع فيها الضرائب في حياته! لن يصدّق ولو ضُرِب حتى الموت! ١
في الليل.
بعد العشاء، لعب تشين لين قليلًا مع وانغ كاي. بعد أن تبنّاه، أصبح الكلب متعلِّقًا به على نحوٍ واضح، ويجيد استمالة الناس؛ يحدّق فيهم بتلك العينين المبلّلتين، ويدلّك ساقيهم برأسه بلطف، حتّى يعجز أيّ أحد عن مقاومة مدّ يده ليمسح على رأسه.
لمّا عاد إلى الغرفة، كانت شتلات الفراولة الحمراء والبامية في «حكاية المزرعة» قد بدأت تجفّ قليلًا وتحتاج إلى سقي.
سيطر تشين لين على شخصيّة اللعبة ليسقي شتلات الفراولة والبامية بالدلو ومرشّ الماء، ثمّ بدأ يدردش مع تشاو مو تشينغ على «وي تشات».
ومضت يومان على هذا النحو.
في الصباح الباكر، أرسل تشين لين الفراولة والبامية الناضجتين إلى الهايبر، ثمّ عاد إلى «المتجر الصغير للفواكه والخضروات» في السوق، وراح ينهمك أمام الحاسوب.
فقد حان موعد تقديم الإقرار الضريبي للمتجر.
الإقرار بالضرائب شيء، ودفع الضرائب شيء آخر. سواء كانت شركة أو تاجرًا فرديًّا، فقد لا يُلزَم بدفع الضريبة، لكن لا بدّ أن يقدّم إقراره.
الإقرار الضريبي يعني أن تبلّغ «مصلحة الضرائب في مقاطعة يوتشنغ» بحالة التشغيل، والدخل والمصروفات، وما إلى ذلك؛ فإن لم يكن هناك دخل، أو لم تتحقّق شروط استحقاق الضريبة، فلا ضرورة لدفع شيء.
مع أنّه كان قد ورث متجر الفواكه منذ أكثر من عام، فإنّ مسألة دفع الضرائب كانت ما تزال غريبة على تشين لين.
ذلك لأن لمحلّ الفواكه بعض السياسات الخاصّة: إن لم تتجاوز المبيعات الشهريّة ١٠٠ ألف يوان، فلا حاجة لدفع ضريبة القيمة المضافة؛ ومع دعم الحكومة المحليّة، إن لم تتجاوز المبيعات ٥٠ ألف يوان، فلا حاجة لدفع أيّ ضريبة أصلًا.
و«المتجر الصغير للفواكه والخضروات» في عائلته لا يربح أكثر من ١٠ آلاف يوان في الشهر بعد خصم الإيجار وفواتير الماء والكهرباء وغير ذلك؛ أمّا الربح الصافي فيدور حول ٢٥٪، وهو لا يكفي أصلًا لبلوغ حدّ استحقاق الضريبة.
بمعنًى آخر، لم يدفع طوال حياته، حتّى الآن، ولو ضريبةً واحدة على دخله للدولة، ومع ذلك كان يتمتّع بالتأمين الصحّي الوطنيّ وسائر المنافع. وبمعيار معيّن، كان من «الفئة التي تُثقل كاهل الدولة».
وهذا ما كان يورثه شيئًا من الخجل.
مع ذلك، لم يكن يتخلّف عن تقديم الإقرار شهريًّا، فهذا واجب عليه.
ولئلّا تفوت المواعيد، حدّدت المصلحة المحلّيّة يومين تالِيَيْن لتقديم الإقرارات.
في السابق، ما دام لا يبلغ حدّ الضريبة، كان بالإمكان تمرير الأمر بقدرٍ من التساهل، فلا أحد يدقّق كثيرًا، وهذا ما اعتاده الجميع.
لكن هذه المرّة ربّما لن يكون الأمر كذلك؛ فالأغلب أنّه سيتعيّن عليه دفع ضريبة فعلًا.
وإلّا، فإنّ قفزة رصيده من أكثر بقليل من أربعة آلاف يوان إلى هذا المستوى في وقتٍ قصير، ثمّ ازدياده لاحقًا، كفيلة بأن تثير انتباه البنك، فتدخل عليه الرقابة، وعندها تقع المتاعب.
وبما أنّه سيضطرّ إلى دفع الضريبة، وجب عليه حسابها أوّلًا، وتجميع كلّ الفواتير في هذه المدّة.
وحساباته فعلًا مزعجة بعض الشيء؛ فالتاجر الفرد لا يدفع «ضريبة دخل الشركات»، لكن ما إن يتجاوز حدّ الإعفاء وضريبة القيمة المضافة، حتّى يُطالَب بـ«ضريبة الدخل للتاجر الفرد» بالإضافة إلى ضريبة القيمة المضافة.
تقريبًا على النحو الآتي:
الربح الصافي أقلّ من ٣٠ ألف يوان ⇒ ضريبة ٥٪.
من ٣٠ ألفًا إلى ٩٠ ألفًا ⇒ ١٠٪ + ٣٪ قيمة مضافة.
من ٩٠ ألفًا إلى ٣٠٠ ألف ⇒ ٢٠٪ + ٣٪ قيمة مضافة.
لم يكن تشين لين يعرف بالضبط كم ضريبة سيلزم متجر الفواكه بدفعها الآن.
صحيح أنّه ربح أكثر من ٤٠٠ ألف يوان من هذه الصفقة، لكن من الناحية الضريبيّة لا بدّ من خصم تكاليف السوق الطبيعيّة، وما كان ليكون «غبيًّا» إلى حدّ أن يقرّ بأن ليس له تكاليف أصلًا.
فلو أقرّ حقًّا بدون تكاليف، ربّما يعدّه موظّفو المراجعة مجرّد شاب ساذج يجهل أبسط الأمور، ويشرعون في تعليمه بصبر كيف يحسب التكاليف والأرباح قبل الإقرار. بل حتّى إن أراد أن يدفع ضريبة أكبر بإقرارٍ دون تكاليف، لما تجرّؤوا هم على تمريره له.
لكن لا أحد بهذا الغباء ليرفع إقراره الضريبي بلا تكاليف.
ولذلك كان عليه أن يضبط حساباته جيّدًا قبل أن يقدّمها.
بعد يومٍ كاملٍ من الانهماك، وهو يعاني تيبّس العنق والكتفين، استخدم تشين لين برنامج الحساب على الحاسوب لحصر الأرقام.
خلال هذه المدّة، مع إضافة دخل اليوم، كان قد باع ما مجموعه ١٨٦٬٩٧٧ حبّة من البطيخ بلا بذور، بصافي ربح دفتريّ قدره ٣٥٬٢٦٥ يوانًا. وباع ١٤٧٬٧٥٣ جِرارًا من الفراولة الحمراء، بصافي ربح دفتريّ ٣٦٬٩٣٨ يوانًا. وباع ١٣٥٬١٦٥ رطلًا من البامية، بصافي ربح دفتريّ ٣٣٬٧٩١ يوانًا.
بمعنًى آخر، مع أنّه في الواقع ربح أكثر من ٤٠٠ ألف يوان بلا تكاليف حقيقيّة، فإنّ أرباحه، بعد خصم التكلفة «الطبيعيّة» للبطيخ والفراولة والبامية، تُحتسَب دفتريًّا بـ١٠٥٬٩٩٤ يوانًا.
أي إنّ الضريبة التي ينبغي عليه دفعها ستكون على الشريحة الأعلى: جزء منها يخضع لضريبة دخل فرديّ ٢٠٪ عن المبلغ الزائد عن ٩٠ ألفًا، مضافًا إليه ٣٪ ضريبة قيمة مضافة، وفق الصيغة المقابلة، ليصل مجموع الضريبة إلى أكثر من ٢٠ ألف يوان.
هذا هو تجسيد القول: «كلّما زاد كسبك، زادت ضريبتك». ولا عجب أن كثيرين يشتهون التهرّب من الضرائب.
قبل هذا، لم يكن يتخيّل أصلًا أن يدفع دفعةً واحدة هذا القدر من الضريبة.
في مكان مثل مقاطعة يوتشنغ، قلّة هم من يستطيعون تحقيق دخلٍ شهريّ قدره ٢٠ ألف يوان، فكيف بمن يدفع أكثر من ٢٠ ألفًا ضريبة في مرّة واحدة؟
لكن حين فكّر في أكثر من ٣٠٠ ألف يوان من الأرباح الصافية في حسابه، لم يعُد يبالي كثيرًا بعشرين ألفًا من الضريبة.
بعد أن وضحت له الحسابات، ولج إلى نظام الضرائب كما في السابق، وبدأ يقدّم إقراره الضريبيّ على الإنترنت.
وبعد سلسلة من الخطوات، راح ينتظر نتيجة قبول المراجعة.
في اليوم التالي.
استيقظ تشين لين، وقطف الفراولة والبامية الناضجتين كعادته، ثمّ زرع بذورًا جديدة.
لمّا فتح الباب، دوّى نباح وانغ كاي كعادته قبل أن يُطلّ برأسه نحوه.
ابتسم تشين لين ومدّ يده يمسح على رأس وانغ كاي.
فالكلب بات ينتظره كلّ صباح أمام الباب، وكأنّه يترقّب استيقاظه.
بعد الإفطار، حمل وانغ كاي السلسلة بأسنانه وقدّمها له قبل أن يخرج.
ترك تشين لين الكلب في المتجر، ثمّ توجّه إلى المخزن، وأرسل الفراولة والبامية الناضجتين في الصباح إلى الهايبر. بعد أن أنهى عمله عاد إلى المتجر، وشعر بالاطمئنان حين رأى على الإنترنت خبر قبول الإقرار الضريبي بنجاح، فاستقلّ الدرّاجة الكهربائية الصغيرة متّجهًا إلى «مصلحة الضرائب في مقاطعة يوتشنغ».
بعد قبول الإقرار، يمكنه الذهاب إلى المصلحة لاستلام أوامر السداد ودفع الضريبة. صحيح أنّ بوسعه الدفع إلكترونيًّا، لكن الأمر يتطلّب تقديم بعض المستندات.
ولأنّها المرّة الأولى في حياته التي يدفع فيها الضريبة، فقد أراد أن يذهب بنفسه إلى المصلحة.
ما لم يتوقّعه تشين لين هو أنّه، ما إن أوقف الدرّاجة الكهربائيّة الصغيرة أمام باب المصلحة، حتّى رأى سيارة «أودي» مألوفة تتوقّف هي الأخرى.
نزل تشن هاو من السيارة مع اثنين من زملائه، وتجمّد في مكانه حين رأى تشين لين.
لم يكن يتخيّل أنّه سيلتقي بزوج تشاو مو تشينغ عندما يعود إلى المصلحة بعد إنجاز مهمّةٍ مع زملائه.
وبعد أن أحرجه هذا الرجل مرّتين من قبل، صار يبغضه أشدّ البغض.
غير أنّ تشن هاو، وهو ينظر إلى زميليه بجانبه، ابتسم وتقدّم ملوّحًا لتشين لين قائلًا: «يبدو أنّنا نلتقي كثيرًا هذه الأيّام؟»
تأمّل الزميلان تشين لين، وسأل أحدهما: «تشن هاو، هل تعرفه؟»
ابتسم تشن هاو وقال: «يمكن القول ذلك. إنّه زوج تشاو مو تشينغ».
وحين نطق بهذه الكلمات، ارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة، وهذا ما كان يرنو إليه أصلًا.
منذ أن عرف زملاؤه في المصلحة أنّ في قلبه ميلًا نحو تشاو مو تشينغ، لم يكفّوا عن سؤاله: إلى أين وصلت علاقتكما؟ ولم يكن يعرف كيف يجيب.
فأراد أن ينتهز هذه الفرصة ليُعلِم زملاءه بأنّ لتشاو مو تشينغ زوجًا أصلًا، وأنّ هذا الزوج لا يملك سوى درّاجة كهربائيّة صغيرة.
في مجتمع اليوم، من يملك وضعًا عائليًّا معقولًا يشتري سيارةً بعد التخرّج، ولا يبقى يتجوّل بدرّاجة كهربائيّة.
وفوق ذلك، مع زوجةٍ مثل تشاو مو تشينغ، ألا تخجل من الخروج بزوجٍ يركب درّاجة كهربائيّة صغيرة؟
بهذا الشكل، لن ينصبّ اهتمام زملائه على سؤال: «هل ظفرتَ بتشاو مو تشينغ؟» بل على أنّ تشاو مو تشينغ «زهرة نضرة غُرِست في كومة من الروث»، وأنّ ذوقها مشكوك فيه.
وسينتشر هذا الحديث على ألسنة الزملاء سريعًا.
بعد سماع كلام تشن هاو، رمق الزميلان تشين لين بنظرات مختلفة؛ فـتشاو مو تشينغ زهرة المصلحة ووجهها المشرق، ولم يتوقّعا أن تكون متزوّجة، ثمّ يبدو زوجها أقلّ بكثير من مستواها.
أمّا تشين لين فقد تعرّف إلى تشن هاو فورًا، ولم يكن يتوقّع أن يبادره بالتحيّة؛ فاكتفى بهزّ رأسه بأدب قائلًا: «مرحبًا».
فقال تشن هاو كأنّه يذكّره: «هل جئت لتُقلَّ مو تشينغ؟ لكنّها لن تنهي عملها بهذه السرعة».
ثمّ أكمل، وفي نبرته ظلّ خفيّ من التعالي: «اليوم هو موعد الإقرارات».
فأجابه تشين لين، وقد سمع تلك النبرة بوضوح ولم يردّ عليها: «لقد قدّمت إقراري، وجئتُ اليوم لأدفع الضريبة فحسب»، ثمّ توجّه إلى الداخل بعد أن ألقى كلماته بأدب مختصر.
تجمّد تشن هاو وزميلاه في أماكنهم.
قال أحدهما: «اليوم موعد إقرار أصحاب محالّ الفواكه والخضروات الفرديّة، أليس كذلك؟ يبدو أنّ زوج تشاو مو تشينغ منهم أيضًا؟ ولأنّه بلغ حدّ الضريبة، فهذا يعني أنّ دخله ليس بسيّئ».
وقال الآخر: «على الأقل ١٠ آلاف يوان في الشهر. بل قد يصل إلى ٢٠ ألفًا إن سارت الأمور على ما يرام. وهذا، في مقاطعة يوتشنغ، دخلٌ مرتفع فعلًا؛ أفضل بكثير من رواتب الموظّفين الحكوميّين في مدينة مقاطعة صغيرة مثل مدينتنا…»
تشن هاو لم يستسغ هذا الكلام، فعبس وقال في نفسه: «مستحيل! من يكسب ٢٠ ألفًا في الشهر ما زال يركب درّاجة كهربائيّة صغيرة؟» ثمّ رمق الدرّاجة القديمة أمامه بنظرة شكّ.
إنّها أشياء لا يستطيع أن يصدّقها… ولو ضُرِب حتى الموت.