يمكن للواقع أن يكون فتاةً جميلةً رقيقةً تتيح لك أن تختبر كلَّ ما هو جميل، ويمكنه أيضًا أن يكون امرأةً بدينةً شرسةً تسحقك حتّى تعجز عن التنفّس. كلّ ذلك كان يعتمد على مقدار ما تملكه من مدّخرات.
…
شمسُ أغسطس اللاهبة كانت تجعل الناس ضيّقي الصدر متململين.
في مقاطعة يوتشنغ.
كان مكانًا بائسًا؛ متوسّط الرواتب فيه من ثلاثة إلى أربعة آلاف يوان، أمّا متوسّط أسعار المنازل فيه فبلغ نحو اثني عشر ألف يوان.
في متجرٍ صغير لبيع الفواكه والخضروات، ناول تشين لين الخضار التي في يده لامرأةٍ في منتصف العمر وهو يبتسم، قائلًا:
«عمّة، هذه خضرواتك، تفضّلي، ونرجو أن تزورينا مجدّدًا.»
بعد أن ودّع الزبونة، رمق بضعةَ ذباباتٍ مزعجةٍ بنظرةٍ ضجرة، واضطرّ إلى التقاط مضرب الذباب ليطاردها بعيدًا.
وبعد تلك المعركة الفوضويّة، تهاوت على الأرض بضعُ جثثٍ للبعوض.
جلس تشين لين على طاولة الفرز في المتجر، والتقط هاتفه، وفتح لعبةً قديمة تُثير الحنين اسمها «حكاية المزرعة».
كانت لعبةً تقوم على الفلاحة وإدارة المزرعة؛ منفتحةً جدًّا، لا تحتاج إلى مهارةٍ كبيرة في اللعب، وتصلح تمامًا لقتل الوقت لمن يلازمون المتجر للحراسة.
مرّت سنةٌ منذ تخرّجه، ومع ذلك لم يحقّق شيئًا يُذكَر؛ بل انتهى به الأمر إلى بيع الفواكه والخضروات، على الرغم من تخصّصه في إدارة السياحة. كان الواقع دائمًا ما يزجّ به في طريقٍ لا خيار له فيه.
كانت عائلته فقيرةً منذ ثلاثة أجيال. قبل بضع سنوات أُصيب جدّه بالمرض، وقبل وفاته ظلّ والده يعتمد على هذا المتجر الصغير للفواكه والخضروات؛ يستيقظ مبكّرًا ويعود متأخّرًا، فقط ليغطّي نفقات علاج الجدّ ومصاريف الأسرة.
لكنّ القدر بدا وكأنّه يسخر من هذه الأسرة؛ فبعد رحيل الجدّ، شُخِّص والده هو الآخر بالسرطان قبل عام، نتيجةَ سنواتٍ طويلةٍ من الإرهاق المتواصل.
أصبح من شبه المستحيل على أمّه أن تصمد اعتمادًا على هذا المتجر الصغير وحده. حتّى بعد أن باعوا المنزل واقترضوا مئات الآلاف من اليوان من كلّ مكان، لم يتمكّنوا من إنقاذ والده.
ثمّ إنّ أمّه نفسها أصيبت بمشكلاتٍ صحيّة بسبب العمل الشاقّ؛ كانت نتائج فحوصها المختلفة غير مطمئنة، وهي بحاجةٍ إلى من يعتني بها.
لذلك، حتّى لو كانت أمامه فرصةٌ للبقاء في شركةٍ كبيرة بعد التخرّج، كان عليه أن يعود إلى البيت ليرعى أمَّه، ويتسلّم هذا المتجر الصغير للفواكه والخضروات، ومعه ديون الأسرة كلّها للآخرين.
إذا كان خطّ البداية عند معظم الناس هو الصفر، فإنّ خطّ بدايته هو سالب مئات الآلاف.
لم تكن هناك عدالةٌ في الحياة أصلًا.
وليس لأنّه لم يفكّر في البحث عن فرصةٍ وهو يراقب المتجر، لكنّه، بوصفه خرّيجًا جديدًا، لم يكن يملك خبرةً اجتماعيّة، ولا رأسمالَ يبدأ به.
فبدخل هذا المتجر، وبعد أن يغطّي المصاريف اليوميّة وتكاليف تغذية أمّه، ثمّ يسدّد جزءًا يسيرًا من الديون كلّ شهر، لم يكن يتبقّى في بطاقته البنكيّة سوى أقلّ من أربعة آلافٍ وخمسمئة يوان.
لم يكن يملك حتّى ترفَ الذهاب إلى المستشفى بسبب نزلة برد.
فهو، في النهاية، لا يستطيع أن يجني من مئة ألف إلى مليون يوان في الشهر على منصّةٍ صوتيّةٍ معيّنة، اعتمادًا على متجر فواكه لا تتجاوز مساحته ثلاثين مترًا مربّعًا؛ تلك المنصّة السحريّة التي يبدو أنّ متوسّط دخل كلّ فردٍ فيها مئةُ مليون يوان.
وقبل أن تتحسّن صحّة أمّه فلا تعود بحاجةٍ إلى من يلازمها ويعتني بها، لم يكن أمامه إلّا أن يبقى في هذا المتجر الصغير ليحافظ على بقائه فحسب.
تنفّس الصعداء، ثمّ حرّك شخصيّة اللعبة ليخرج من المنزل؛ فكانت أمامه قطعُ الأرض الستّ المزروعة بالبطيخ. لم يكن قد فتح هذه القطع الستّ سوى منذ وقتٍ قصير بعد أن بدأ اللعبة.
إزالةُ الأعشابِ وسقيُ المزروعات!
وبعد فترةٍ قصيرة، أشارت أيقوناتُ البطيخ في القطع الستّ إلى أنّها قد نضجت. كان تدفّق الزمن في اللعبة مختلفًا دائمًا؛ فالبطيخ الذي يحتاج في الواقع إلى بضعة أشهرٍ حتّى ينضج، يمكن أن يكتمل نموّه في اللعبة خلال أكثر من عشر ساعاتٍ بقليل.
وكانت كلّ قطعة أرضٍ تنتج من خمسة عشر إلى عشرين حبّة بطيخ.
كان تشين لين على وشك أن يحرّك شخصيّة اللعبة لقطف البطيخ، حين انطلقت من هاتفه فجأةً صعقةٌ كهربائيّة، فأصابت جسده كلَّه بالخَدَر في لحظة.
«تسرُّبٌ كهربائي؟»
راودته رغبةٌ لا شعوريّة في أن يسبّ ويلعن.
فهذا ليس هاتفًا من الدرجة الثالثة حتّى يكون تسرّب الكهرباء فيه قويًّا إلى هذا الحدّ.
«دينغ! تمّ تفعيل القناة الخاصّة باللعبة. يجري الآن قفل الاتصال على لعبة «حكاية المزرعة». يُرجى الانتظار قليلًا…»
«؟؟؟»
ربّت تشين لين على رأسه.
كيف أمكنه أن يبدأ بالهلوسة لمجرّد لمسه للكهرباء؟
«دينغ! تمّ اتصالُ القناة الخاصّة باللعبة بنجاح. لقد تمّ ربطك باللعبة «حكاية المزرعة». هل هذه هي المرّة الأولى التي يدخل فيها المضيفُ إلى اللعبة؟»
وفي اللحظة نفسها، تجلّت في ذهن تشين لين صورةٌ سرياليّة غريبة: مرعى واسعٌ تتناثر على أرضه حبّاتُ بطيخٍ ناضجة.
«أهذا مشهدٌ من مشاهد لعبة «حكاية المزرعة»؟»
كانت شخصيّة اللعبة لا تزال واقفةً أمام حقل البطيخ، هي نفسها الشخصيّة التي كان يتحكّم بها قبل لحظاتٍ لقطف الثمار.
والأدهى من ذلك أنّه، بمجرّد أن خطرت له فكرةٌ ما، تقدّمت شخصيّة اللعبة إلى الأمام وقطفت حبّة بطيخ.
«هل يمكنه أن يلعب اللعبة بعقله فقط؟»
ثمّ اكتشف تشين لين في أعلى الشاشة إشعارًا خاصًّا يتضمّن خيارًا: «هل تريد الدخول؟!»
«نعم!»
استحضر تشين لين ذلك الإشعار الذي ظهر قبل قليل، ووجده ضربًا من المستحيل، لكنّه جرّب أن يختار.
فما إن فعل، حتّى شعر بقوّةِ جذبٍ غريبةٍ تشدّه، وفي ومضةٍ واحدة تبدّل المشهد أمام عينيه.
صار أمامه حقلُ بطيخٍ أخضرُ ممتدّ.
كانت في الهواء رائحةُ بطيخٍ مميّزة، وفوق ذلك كان يمسك في يده حبّة بطيخ، كأنّه حلَّ محلَّ شخصيّة اللعبة نفسها.
«أهذا ليس وَهمًا؟» تمتم تشين لين في ذهول؛ فالإحساس بالبطيخة في يده كان حقيقيًّا على نحوٍ مدهش، بل إنّ رسالةً ما كانت تطفو أمام عينيه:
[بطيخٌ بلا بذور: جودة ١]
[ملاحظة: على الرغم من أنّه ليس نوعًا خاصًّا من البطيخ، إلّا أنّه من إنتاج اللعبة، وهو الأفضل بين أنواع البطيخ العاديّة.
لذّة +١، حلاوة +١، مذاق +١.]
كانت لعبة «حكاية المزرعة» هذه تضع تصنيفًا لجودة الثمار المزروعة؛ فكلّما ارتفعت الجودة ازدادت لذّة الطعم وارتفع السعر.
لكنّ هذه الملاحظة كانت تختلف عمّا في اللعبة نفسها؛ إذ ظهرت فيها إضافةُ خصائصَ فعليّة.
وضع تشين لين حبّة البطيخ من يده، ثمّ التقط بضع حبّاتٍ أخرى؛ فظهرت رسائل جديدة، كانت جميعها متشابهة، تحمل الخصائص نفسها: لذّة +١، حلاوة +١.
ألقى نظرةً أخرى من حوله؛ مبانٍ تعلوها مراوحُ هوائيّة، وغرفُ تخزين، وأسوارٌ تحيط بالمكان…
كلُّ شيءٍ كان مطابقًا تمامًا لما في اللعبة.
الاختلافُ الوحيد هو أنّ الأرض أمامه كانت الآن شاسعةً بحقّ، تغطّيها حبّاتُ البطيخ، لا تلك الوحدات الصغيرة في اللعبة. ففي اللعبة كانت الثمار المزروعة نفسها لا تتجاوز كونها أرقامًا مُمثَّلةً على الشاشة .