27 - لا يخفُّ الحمل إلا بعد سداد الدَّين! قلق لين فن! (١)

الفصل السابع والعشرون: لا يخفُّ الحمل إلا بعد سداد الدَّين! قلق «لين فن»! (١)

بعد حينٍ قصير، وصلت القافلة إلى الفيلا.

غير أنّ الشاحنات الكبيرة لم يكن بوسعها إلا التوقّف في موقف السيّارات الخاص بالفيلا، إذ لا سبيل لقيادتها إلى الداخل.

أوقف «تشين لين» درّاجته ذات العجلات الثلاث، فقفز «وانغ كاي» من العربة وتبعه ملتصقًا به.

سأل «تشاو ليييوان» وهو يتقدّم نحوه: «السيّد تشين، هل سنفرغ الحمولة هنا في موقف السيّارات؟»

أجاب «تشين لين» وهو يومئ برأسه: «نعم، سنفرغها هنا.» فهذا المكان وحده يصلح لإنزال الشجيرات.

بدأ «تشاو ليييوان» ينظّم الرجال لتفريغ البضاعة، وكانت أجرة التفريغ محسوبةً على حدة، وقد وُقّع العقد الإلكتروني قبل مجيئهم.

دلف «تشين لين» إلى داخل الفيلا.

نبَح «وانغ كاي» مرّتين وأسرع يتبعه. كان ينظر حوله طوال الطريق ويطلق نباحًا بين الحين والآخر، وقد استبدّت به الحماسة إزاء هذا المكان الجديد.

لمّا رأى «تشين لين» ذلك، ابتسم وقال:

«يا وانغ كاي، هذا سيكون نطاقك من الآن فصاعدًا، أَمسرورٌ أنت؟»

بدا أنّ «وانغ كاي» قد فهم كلام سيّده، فنبح مرّتين، ثم انطلق عدوًا. كان في طريقه يمدّ أنفه إلى بعض النباتات فيشمّها، ثم يرفع ساقه راضيًا ويبول هنا وهناك.

نظر «تشين لين» إلى تصرّفاته مذهولًا.

أهكذا يعلن الكلبُ ملكيّة الأرض؟!

داخل الفيلا، كان ثَمّة أشخاصٌ غير «قاو ياوياو»؛ إنّهم الموظّفون القدامى الذين وصلوا باكرًا ما إن تلقّوا إشعار «قاو ياوياو» في اليوم السابق.

فالحصول على وظيفة في هذا العصر ليس بالأمر الهيّن، والراتب الذي تمنحه الفيلا ليس سيئًا في «مقاطعة يوتشنغ»، إذ يتقاضى الواحد منهم بين ثلاثة آلافٍ وأربعة آلاف يوان، ولا أحد يرغب في أن يفقد عمله.

قالت «قاو ياوياو» ما إن رأت «تشين لين» يدخل:

«إنّه المالك الجديد!»

وتولّت تعريفه لبقيّة الموظّفين.

رفع الآخرون أنظارهم نحو هذا «السيّد الجديد» وتفحّصوه بفضول.

شابّ، وما زال في ريعان العمر، وقد جاء ومعه كلب!

كانت تلك هي الانطباع الأوّل الذي كوّنه الموظّفون عن «تشين لين».

ركضت «قاو ياوياو» إليه وحيّته قائلة:

«سيدي!»

سألها «تشين لين»:

«قاو ياوياو، أيّهم هو المعلّم لين؟»

نادَت «قاو ياوياو» على رجلٍ أسمر في الخمسين من عمره قائلة:

«معلّم لين، السيّد يناديك.»

تقدّم «المعلّم لين» إلى الأمام، وما إن وقف قبالة «تشين لين» حتى قال قبل أن يفتح هذا فمه:

«سيدي، يمكنني أن أعمل لديك، لكن عليك أن تتركني أُنقِذ شجرتَي الجنكو، ولا تسمح بقطعِهما.»

أثار هذا الطلب دهشة «تشين لين».

إذ اعتاد أن يسمع الموظّفين يطلبون زيادةً في الراتب من رؤسائهم، أمّا طلب من هذا النوع، فهذه أوّل مرّة!

بادرت «قاو ياوياو» تشرح الأمر قائلة:

«سيدي، في تلك “الفترة الخاصّة” من الزمن، كانت عائلة المعلّم لين هدفًا للملاحقة، وحينها كان هذا المكان نائيًا جدًّا، فجاء جدّه مع الأسرة إلى هنا هربًا من الاضطرابات. عاشت العائلة مدّةً طويلة تحت شجرتَي الجنكو، بل إنّ الجدَّ تُوفّي هناك تحت ظلّهما.»

«بعد ذلك، عاد والد المعلّم لين بالعائلة إلى القرية، وظلّ المعلّم لين طوال حياته يعمل في الأعمال الشاقّة بسبب تلك الأيّام.»

قال «تشين لين»:

«معلّم لين، أوافق على طلبك. سنوقّع عقد العمل لاحقًا، تعالَ الآن معي إلى موقف السيّارات، هناك أمرٌ أودّ أن تتولّى مسؤوليّته.»

لم يكن «تشين لين» ينوي قطع الشجرتين الذابلتين أصلًا، ثمّ إنّه أدرك أخيرًا لماذا كان «المعلّم لين» يقوم بكلّ شيء في الفيلا من قبل؛ كان كلّ همّه أن يحمي الشجرتين.

تلك مشاعر لا تُنسى لدى الجيل الأكبر سنًّا.

وغالبًا ما يكون أمثال هؤلاء أوفياء للعِشرة، يعتمد عليهم.

خرج «تشين لين» ومعه «المعلّم لين» إلى موقف السيّارات.

وتبعتهما «قاو ياوياو» وبقيّة الموظّفين بدافع الفضول.

لمّا وصلوا إلى الموقف، كان «تشاو ليييوان» قد أشرف على تنزيل جزءٍ من شجيرات الجهنمية من الشاحنات.

هتفت «قاو ياوياو» بدهشة:

«سيدي، أهذه هي شجيرات الجهنمية التي اشتريتها؟ إنّها جميلة للغاية!»

كانت قد انشدّت إليها تمامًا.

والأمر نفسه مع سائر الموظّفين، إذ لم يستطيعوا إلا أن يقتربوا ويتأمّلوا تلك الشجيرات؛ كانت غاية في الجمال.

حتّى «المعلّم لين» استوقفته تلك الجهنمية، فحبُّ الجمال لا يفرّق بين كبيرٍ وصغير. سأل قائلًا:

«سيدي، هل تنوي صنع بحرٍ من الجهنمية في الفيلا؟»

أومأ «تشين لين» وقال:

«نعم، أخطّط لإنشاء بحرٍ من الجهنمية المثلّثة، على مساحة تبلغ ثلاثين فدّانًا تقريبًا. سيُنقَل إلى هنا أكثر من خمسة عشر ألف شجيرة تباعًا. وقد قالت لي قاو ياوياو إنّ لديك خبرة في زراعة الأزهار، وأودّ أن أُوكل إليك الإشراف على هذا المشروع.»

اندهش «المعلّم لين» وقال من فوره:

«سيدي، أتظنّني حيوانًا خارقًا؟ ثلاثون فدّانًا، وأكثر من خمسة عشر ألف شجيرة، هذا فوق طاقتي! أريد عمّالًا أكثر!»

كان «تشين لين» يدرك تمامًا أنّ أكثر من خمسة عشر ألف شجيرة على مساحة ثلاثين فدّانًا عبءٌ لا يمكن لرجلٍ واحدٍ حمله. لابدّ من استقدام فريق تنسيق حدائق، أو مزارعين ذوي خبرة في النقل والتشميس ومتابعة نموّ النباتات.

يبدو أنّ «المعلّم لين» قد أساء الفهم، وما زال يحمل في نفسه أثر استغلال المسؤول السابق عن الفيلا له.

لم يكن «تشين لين» أصلًا ينوي أن يترك نقل الجهنمية كلّها على عاتقه وحده، وإنّما أراد أن يستفيد من خبرته في هذا المجال، على أن يتولّى هو مهمّة الإشراف العام.

قال «تشين لين» موضّحًا:

«معلّم لين، سأستقدم المزيد من العمّال ليتولّوا عمليّات النقل وغرس الشجيرات، وما أريده منك هو أن تراقب العمل وتشرف على سيره. وبعد أن نكمل إنشاء بحر الأزهار، سأستأجر بستانيَّينِ للعمل بدوامٍ طويل في أعمال العناية اليوميّة.»

فما إن سمع «المعلّم لين» هذا الشرح، حتّى أومأ برأسه موافقًا، ووعد أن يعتني بالنباتات عنايةً تامّة.

تمّ تفريغ الشجيرات المئة والثماني والسبعين من الشاحنات في وقتٍ قصير.

دفع «تشين لين» المبلغ المتبقّي بكلّ سرور، ولم ينسَ أن يقول:

«سيدي المشرف تشاو، سأحتاج إليكم مجدّدًا غدًا، وربّما أزعجتكم كلّ يومٍ في الشهر القادم.»

أجابه «تشاو ليييوان» بحماسة:

«السيّد تشين، لا تتردّد في الاتّصال بي متى احتجت شيئًا.»

فأمر النقل هذه الأيّام ليس سهلًا، وعمله كمشرفٍ على القافلة ليس مفروشًا بالورود، فكيف يرفض عملًا يأتيه إلى عتبة الباب؟

صحيح أنّه استغرب في نفسه لمَ لم يقُم السيّد تشين بنقل هذه الشجيرات مباشرةً إلى المخزن، لكنّ الأمر لا يعنيه في شيء ما دام سيتقاضى أجره.

فالأثرياء، كلٌّ منهم وله هواياته الغريبة.

فمثلًا، ربّ عمله هو نفسه ذو طباعٍ عجيبة؛ لديه بيت يسكن فيه، ومع ذلك اشترى بيتًا آخر سرًّا، وله زوجة في المنزل، لكنّه لا ينام معها، بل يتحجّج بالسفر في رحلات عمل ليبيت وحده في البيت الآخر.

أليس هذا نوعًا من التمتّع بالمال والحرّيّة؟

بعد مغادرة «تشاو ليييوان» والقافلة، أجرى «تشين لين» مقابلاتٍ سريعة مع عددٍ من الموظّفين القدامى في الفيلا. تركوا عنده جميعًا انطباعًا أوّليًّا لا بأس به؛ لم يشعر بالنفور من أحدهم منذ النظرة الأولى، أمّا ما يأتي لاحقًا فسيكشفه الزمن.

أمّا عقد العمل، فكان عقدةً صغيرة؛ إذ ليست لديه خبرة في هذا الباب. فلم يجد حَلًّا سوى الرجوع إلى نسخ العقود القديمة التي استُخدمت في الفيلا، وقرّر عند عودته إلى المدينة أن يطبعها ويُجري بعض التعديلات، ثم يوقّع العقود الجديدة مع «قاو ياوياو» والبقيّة في الغد.

بعد ذلك، طاف مع «المعلّم لين» أرجاء الفيلا التي تمتدّ على خمسمئة فدّان، فهو بحاجةٍ إلى اختيار بقعةٍ مناسبة لبناء بحر الجهنمية المثلّثة الذي سيشغل ثلاثين فدّانًا.

وبعد أكثر من ساعة، استقرّ رأيهما على تخصيص الأرض الواقعة شمال بهو الفيلا لهذا المشروع.

فالحديث عن «بحرٍ من الأزهار» يعني أرضًا مستويّة فسيحة الأرجاء؛ لا ينبغي أن يكون الفارق في الارتفاع كبيرًا، وإلا ظهرت فجواتٌ تُفسد مظهر الكثافة، وتُضعف أثر البحر الواسع في العين.

بعد أن حُدّد الموقع، عاد «تشين لين» إلى مركز المقاطعة واتّصل بإحدى شركات البناء ذات السمعة الطيّبة.

والشركات من هذا النوع في «مقاطعة يوتشنغ» تزاول أعمالًا متنوِّعة؛ فهي تضمّ كذلك عمّال تنسيق حدائق، ومزارعين مخضرمين في نقل النباتات وزراعتها، لكن أجرة الواحد منهم تصل إلى أربعمئة يوان في اليوم.

ما إن وقّع العقد مع الشركة وسدّد العربون، حتّى أرسلوا فريقًا إلى الفيلا لإجراء الفحص الأوّلي للموقع، واستمرّ العمل إلى حلول المساء.

لكن مع هبوط الظلام، برزت مشكلة جديدة: ماذا يفعلون بشجيرات الجهنمية المتروكة في موقف السيّارات؟

هذه الشجيرات ليست رخيصة، فما كان من «تشين لين» إلا أن استدعى حارس الأمن القديم «تشن دابَي» ليتولّى حراستها ليلًا، وكانت تلك فرصةً جيّدة لمراقبة طبعه وسلوكه.

بعد أن رتّب كلّ الأمور، اعتزم «تشين لين» العودة إلى المدينة. فقد بدأ العمل في إنشاء بحر الجهنمية، وحان الوقت للتفرّغ لسداد ديون العائلة.

ففي النهاية، لا مفرّ من أن يعرف قريبًا أو بعيدًا أنّه أنشأ فيلا، لا سيّما مَن له في عنقه دَين. وإذا لم يُسدَّد الدَّين قبل ذلك، فربّما قال قائل: «لديه مالٌ لبناء فيلا، ولا يملك مالًا لردّ ما استدانه!»

وكان الدائنون كلّهم تقريبًا من أقارب والده وأصدقائه. ومن يقدر على إقراض عائلته المال في ساعة العُسر لا شكّ أنّ بينه وبينهم صِلةً عميقة. وحتى إن لم تخطر هذه الفكرة ببالهم، فإنّ ألسنة الناس من حولهم لا تهدأ عن النفخ في النار.

وفي أغلب الأحوال، لو أرجع لهم المال في وقتٍ لاحق، تكون بعض العلاقات قد تشقّقت بالفعل.

فالإنسان كائنٌ معقّد في نهاية المطاف.

لهذا وجب أن تُسدَّد الديون. وإذا عرف الناس لاحقًا أنّه بنى هذه الفيلا بعد أن صفّى حساباته القديمة، فلن تكون نظرتهم إليه كما لو لم يفعل.

وبينما يدور هذا في رأسه، التقط «تشين لين» هاتفه وفتح قائمة الأسماء. كان قد سجّل فيها جميع مَن استدانت منهم أسرته. وبعد خصم الخمسين ألف يوان التي أعادها لوالد «تشين رِن»، ثمّ الأقساط التي سدّدها خلال العام المنصرم، تبقّى عليه ما يزيد على ثلاثمئةٍ وثلاثين ألف يوان من الديون.

اتّصل بأوّل رقمٍ في القائمة. وما إن رُفع السماعة من الطرف الآخر حتّى قال:

«العم أرغن، هل تناولتَ عشاءك؟ … تناولته بالفعل… هلّا شَرّفتنا الليلة في البيت؟ … نعم، لقد ربحت بعض المال، وأودّ أن أسدّد لك أوّلًا ما استدانه أبي منك…»

بعد أن أنهى تلك المكالمة، بادر إلى الاتّصال بالاسم التالي، ثم الذي يليه، حتّى اتّصل بجميع الدائنين. وكانوا جميعًا من كبار السنّ في القرية.

في الحقيقة، كان بوسعه أن يذهب إليهم بنفسه ليعيد المال فيُحسن المبادرة.

لكنّه أراد أن يبدّد قلق أمّه؛ فهي لا تزال تحتفظ بصورة والده، وتردّد كلّ يوم أنّه إن لم تُسدَّد ديون البيت، ولم ترَ ابنها يتزوّج ويُنجب، فلن يهدأ قلب والده في العالم الآخر.

بعد أن أنهى الاتصالات، مضى إلى المخزن وأخرج بعض الأسماك البريّة العاديّة من «حكاية المزرعة»، ووضعها في حوضٍ على درّاجته ذات العجلات الثلاث، ثمّ غطّاه بقماش، وقاد الدرّاجة عائدًا إلى الحيّ السكني الذي يعيش فيه.

كان «العم أرغن» والبقيّة قد فرغوا من تناول طعامهم في تلك الساعة، وكان عليه أن يُعدّ بعض الهدايا قبل دعوتهم إلى البيت بحسب ما تقتضيه أصول الضيافة.

وهذه الأسماك البريّة العاديّة ثقيلة الوزن، وجودتها عالية، وتصلح هديّة ممتازة.

لمّا عاد إلى البيت، كانت «لين فن» قد فرغت من إعداد العشاء وتنتظر.

نادَت قائلة:

«هلمّوا لتناول الطعام.»

جلس «تشين لين»، وما إن استقرّ في مكانه حتى سألت:

«يا شياو لين، لِمَ تأخّرتَ اليوم؟ كيف تسير أحوال المزرعة السياحيّة؟»

أجاب «تشين لين»:

«الأمور ماضية على ما يرام، وقد بدأ كلّ شيء يأخذ طريقه الصحيح. سأكون منشغلًا قليلًا في الأيّام القادمة.»

قالت «لين فن» بلهجةٍ تحمل رجاءً وقلقًا في آن واحد:

«يا شياو لين، لا تهمل مو تشينغ، فهي فتاة طيّبة جدًّا…»

لكنّها لم تُكمل كلامها.

فهي تخشى في سرّها أن تصبح تلك الفتاة الصالحة كَنّةً في بيتٍ آخر، فإذا حدث ذلك لن يستطيع ابنها أن يجد فتاةً مثلها أبدًا.

غير أنّها في الوقت ذاته تشعر بالعجز؛ فهي ترى نفسها عديمة الحيلة، وبيتها غارق في الفوضى والديون، وابنها لا بيت يملكه ولا سيارة، فكيف يرضى والدَا «تشاو مو تشينغ» أن يزوّجاها له؟

2025/11/30 · 36 مشاهدة · 1777 كلمة
نادي الروايات - 2026