الفصل الثامن والعشرون: الانفراج! حين يصير المرء «ابنَ الناس»!
تنهدت «لين فِن» ثم لم تنسَ أن تُذكِّر «تشين لين» قائلةً:
«تذكَّر أن تأخذني معك يوم الافتتاح. سأساعدك في استقبال الزبائن.»
فقال «تشين لين» على الفور:
«أمّي، كيف أسمح لكِ أنتِ أن تخدمي الزبائن؟»
زفرت «لين فِن» بضيقٍ خفيف وقالت:
«صحّتي ليست على ما يرام، لكنّ قلبي يفرح حين أرى ابني يفتح مشروعًا له.»
ابتسم «تشين لين» عند سماع كلامها وقال:
«أمّي، سأغسل الصحون بعد قليل!»
كان وجود أمّه في حياته يشعره بالدفء حقًّا.
بعد العشاء، جمع «تشين لين» الصحون وحملها إلى المطبخ وبدأ يغسلها.
وقفت «لين فِن» تتأمّل ابنها المنشغل، وزفرة أخرى تنسلُّ من صدرها؛ فقد كان ابنها عاقلًا منذ صغره، قليل الهمِّ مقارنةً بأقرانه، وهذا في نظرها يعود إلى تقصير الوالدين.
وبعد أن فرغ من غسل الصحون، تذكّر «تشين لين» أمر الدائنين، فلم يَغفَل عن تذكيرها:
«أمّي، لقد دعوتُ العم أرغن والبقيّة إلى البيت… يُفترض أن يصلوا قريبًا…»
تجمّدت «لين فِن» في مكانها، وكادت تقول شيئًا، لكن جرس الباب دوّى في تلك اللحظة، فأسرعت إلى فتحه. لمّا رأت القادم، ارتسمت على وجهها مرارة وقالت:
«أرغن… جئتَ إذن؟»
كان الرجل أحد دائني الأسرة؛ إذ كانت العائلة مدينةً له بثلاثين ألف يوان.
وأكثر ما كانت تخشاه الآن هو مواجهة هؤلاء الدائنين؛ فبيتها حقًّا لا يملك ما يسدّد به تلك الديون.
قال الرجل وهو يحيّيها:
«يا أخت لين فِن.»
سأل فورًا:
«هل عاد لين زي* إلى البيت؟»
*«لين زي» لقب حميم لابنها.
نادته «لين فِن» بصوتٍ فيه شيء من التكلّف:
«شياو لين، عمُّك أرغن هنا.»
ومهما يكن ما تشعر به في داخلها من مرارة، فلا حيلة لها إلا أن تُدخله.
فهي يوم استدانت هذه الأموال لعلاج زوجها، وإن لم تستطع إنقاذه في النهاية، فإن الهروب من الدائنين لا يليق بإنسانٍ صاحب ضمير.
حالما أدخلت «لين فِن» العم أرغن، سمعت صوتًا دهشًا يقول:
«أرغن، أنت هنا أيضًا؟»
حيّا «تشين أرغن» القادم مبتسمًا:
«دالين، أنت أيضًا هنا؟ هل افتتحتَ مطعم الوجبات الخفيفة؟»
أجاب «تشين دالين» مبتسمًا:
«ما زال في مرحلة التجهيز.»
وبينما كان الاثنان يتبادلان أطراف الحديث، وصل شخص ثالث من الخلف.
«أرغن، دالين، أنتما أيضًا هنا.»
«وأنتم كذلك!»
تنهدت «لين فِن» في سرّها؛ فكلّ هؤلاء هم الذين أقرضوا أسرتها المال يومًا ما. لقد دعاهم ابنها جميعًا بالفعل.
الناس يخشون من مجيء الدائنين إلى عتبتهم، لكن ما داموا مَدينين، فعليهم استقبالهم بوجهٍ طلق.
رسمت «لين فِن» ابتسامةً متكلَّفة وهي تقودهم إلى الداخل، ثم أخرجت الأكواب وسكبت الماء للعم أرغن والباقين.
امتلأ الصالون الصغير بـ«أرغن» والآخرين، فتفاجأ «وانغ كاي» حين رأى هذا العدد من الناس؛ نهض من مكانه مسرعًا وركض إلى المطبخ يبحث عن «تشين لين».
خرج «تشين لين» إلى الصالة، ولمّا رأى العم أرغن والباقين، تقدّم بسرعةٍ لاستقبالهم قائلًا:
«عمّ أرغن، عمّ دالين…»
لقد كان ممتنًّا لهؤلاء الدائنين في قرارة نفسه؛ فحين شُخِّص والده بالسرطان، ومع علم الجميع أنّ عائلتهم قد تنتهي إلى أرملةٍ ويتيم، فإنّهم مع ذلك لم يتردّدوا في إقراضهم المال. وكان هذا معروفًا كبيرًا في عنقه وعنق أمّه.
والأهمّ من ذلك أنّه قد تخرّج منذ أكثر من سنة، والجميع يعلم كم هي صعبة حياة أرملةٍ وولدها الوحيد، ومع ذلك لم يأتِ أحدٌ منهم ليُلحّ في المطالبة بالدَّين.
وكثيرًا ما كان يشعر ببعض الغبطة لأجل والده؛ فليس كلّ أحدٍ يترك خلفه هذا القدر من المحبّة.
أو لعلّ الأحرى القول: إنّ مشاعر الجيل القديم لم تعد موجودةً بهذه الصورة في الجيل الجديد.
فشباب اليوم قد نالت منهم أثقال الحياة وقيمها المبالَغ فيها، فلم يعد لديهم فائض من الطاقة لتغذية مثل هذه الروابط.
نظر «تشين أرغن» إلى «تشين لين» وقال ممتدحًا من أعماق قلبه:
«شياو لين، لقد أثبتّ نفسك حقًّا. أنت أكثر براعةً من كثيرٍ من أبناء القرية.»
هزّ «تشين دالين» رأسه موافقًا وأضاف:
«شياو لين عاقل منذ صغره، ودرجاته الدراسيّة ممتازة. لو كان ابننا الفاشل نصف ما هو عليه، لنِمنا مطمئنّي البال.»
واتفق الآخرون جميعًا مع هذا الكلام.
فـ«تشين لين» هو الوحيد في القرية الذي دخل جامعةً مرموقة، بينما انشغل باقي الفتية باللهو واللعب. لكنّ سوء حظّه جعله في أسرةٍ مضطربة الحال.
كانت «لين فِن» سعيدة وهي تسمع مديح الناس لابنها، ثم سرعان ما أطلق صدرها زفرةً حبيسة؛ فابنها متأذٍّ بسبب عائلته.
بعد هذا الثناء، أخرج «تشين أرغن» «سند دين» وقدّمه إلى «لين فِن» قائلًا:
«يا أخت لين فِن، انظري… هذا سند الدَّين الذي لي عليكم.»
وأخرج «تشين دالين» بدوره سندًا آخر وقال:
«وهذا سندي أنا.»
ثم أخرج الآخرون ما جلبوه معهم من سنداتٍ ووضعوها على الطاولة.
فما دام «تشين لين» قال إنّه سيُعيد لهم المال، كان لا بدّ أن يحضروا «سندات الدَّين»؛ إذ إنّ قضاء الدَّين – وفق المنطق القديم – يستلزم أن يُتلف سندُه أمام صاحبه.
خشي «تشين لين» أن تقلق أمّه، فسارع يقول:
«أمّي، أنا من دعا العم أرغن والباقين إلى هنا. لقد ربحت بعض المال، وأستطيع الآن أن أسدّد لهم ما استدانه أبي.»
فالمَدين لا يكون في مزاجٍ جيّد حين يأتيه الدائن إلى بابه؛ لذلك جلس فورًا إلى جوار أمّه، وقبض على يدها مطمئنًا، ثم تناول «سندات الدَّين» بجرأة وقال:
«عمّ أرغن، عمّ دالين، معكما هواتفكما، أليس كذلك؟ سأحوّل لكم المبلغ مباشرةً على حساباتكم البنكيّة.»
جعلت هذه الكلمات «لين فِن» تشهق من الدَّهشة وتنظر إلى ابنها غير مصدِّقة.
وفي تلك اللحظة أخرج «تشين أرغن» والآخرون هواتفهم بالفعل.
«شياو لين، نعم… نعم معنا.»
«ومن هذا الزمان لا يملك هاتفًا؟»
«لكن… هل حقًّا تستطيع إعادة المبلغ كاملًا دفعةً واحدة؟»
لم يتردّد «تشين لين» لحظة؛ التقط «سندات الدَّين» وبدأ يراجعها واحدًا واحدًا، ثم حوّل المبالغ المدوّنة فيها عبر تطبيق البنك في هاتفه. وفي طرفة عين انتقل أكثر من ثلاثمئة ألف يوان، وعاد رصيد بطاقته إلى حافة الخطر!
لكنّه ما إن سَدّد الديون حتى شعر بانفراجٍ كبير في صدره. نوى أن يعزم العم أرغن والباقين على وجبةٍ بعد بضعة أيّام، ثم يردّ لهم جميلهم شيئًا فشيئًا في المستقبل.
لمّا تلقّى «تشين أرغن» والآخرون رسائل التحويل البنكي، ارتسمت البسمة على وجوههم جميعًا.
صحيح أنّهم لم يكونوا يفكّرون في إلحاحٍ على «تشين لين» وأمّه لاستعادة الأموال، لكنّ حصولهم على المال دفعةً واحدة كان أمرًا مفرحًا بلا شكّ.
فكلّ بيتٍ له همومه، ومع مبلغٍ كهذا، لا شكّ أنّ وجود المال خيرٌ من فقدانه.
نظر «تشين أرغن» والباقون إلى «لين فِن» بعينٍ يغلّفها الحسد؛ فمع أنّ حال أسرتها مضطربة، فإنّ لها ابنًا رائعًا كهذا، وهذا أمرٌ يدعو للغبطة.
لقد كان «تشين لين» بارعًا بحقّ؛ فبدلًا من أن يعتمد على والديه، عَكَس الصورة تمامًا وسدّد ديونًا بمئات آلاف اليوانات عن أمّه في زمنٍ قصير نسبيًّا.
وأيّ والدَيْن لا يتمنّيان أن يحوز ابنهما مثل هذه القدرة؟
شعرت «لين فِن» بنظراتهم، فاستولى عليها شعورٌ معقّد يجمع بين الراحة والاعتزاز والمرارة القديمة.
لم يطل مكوث «تشين أرغن» والبقيّة؛ فبعد أن أثنوا على «تشين لين» وأشادوا به، استأذنوا بالانصراف.
رافقهم «تشين لين» إلى الأسفل، ثم كشف الغطاء عن الدلو على درّاجته الثلاثيّة العجلات، وأخرج لكلٍّ منهم سمكةً من الأسماك البريّة التي جلبها إلى البيت، على سبيل الهدية المتواضعة.
قال أحدهم بدهشة:
«شياو لين، أهذه أسماك برّيّة حقًّا؟»
كانوا جميعًا متفاجئين بعض الشيء.
ابتسم «تشين لين» وقال:
«هذه هدية بسيطة. هذه الأسماك البرّيّة مغذّية، عودوا بها إلى البيت واصنعوا معها شيئًا من الشراب تستمتعون به.»
قالوا واحدًا بعد الآخر:
«شياو لين، لِمَ تُتعب نفسك؟!»
«يا لك من ولدٍ مؤدّب…»
ومع ذلك، كانت البهجة واضحة على وجوههم؛ فهذه الأسماك البرّيّة ليست صغيرة الحجم، ونادرًا ما تُرى في العادة.
بعد أن ودّع «تشين لين» العم أرغن والآخرين، عاد إلى البيت وتناول «سندات الدَّين» بيده. كانت أمّه قد وقّعت عليها بنفسها، وهو كان حاضرًا حينذاك. والآن، وهو يمسك بها بعد سدادها، داهمته مشاعر شتّى.
توجّه إلى موضع صورة والده، ثم أشعل النار في تلك السندات جميعها، وجعلها رمادًا في لحظة. لقد كانت هذه الديون في يومٍ من الأيّام جبلاً يطبق على صدره، حتى يكاد يقطع أنفاسه.
وبفضل «اللعبة» في ذهنه، استطاع أخيرًا أن يفلت من مستنقع «زرع المرارة».
كانت «لين فِن» قلقةً في داخلها، فسألت ابنها فورًا:
«شياو لين، قل لي بصراحة، من أين جئت بكلّ هذا المال؟ هل قمتَ بأمرٍ غير قانوني؟»
فهذا أكثر ما كانت تخشاه؛ إذ لم يكن يهمّها أن يكون ابنها غنيًّا أو فقيرًا، بقدر ما يهمّها ألّا يضع قدميه في الطريق الخطأ.
كان «تشين لين» قد توقّع قلق أمّه، فأعدّ من قبلُ تفسيرًا مناسبًا، فقال:
«أمّي، كيف لي أن أفعل شيئًا غير قانوني؟ الحقيقة أنّي اصطدتُ سمكة زينة برّيّة نادرة وبعتها بأكثر من ستمئة ألف يوان.»
«ثم استخدمت هذا المال في تجارة الجملة؛ فإمّا أن أشتري بطيخًا بلا بذور وأبيعه، وإمّا أن أساعد في توزيع شحنات البطيخ. وهكذا ربحتُ مبلغًا آخر. وبعد أن استثمرت جزءًا منه في الفيلا، استخدمت الباقي في تسديد الديون.»
كان هذا التبرير ينطوي في الواقع على ثغرة؛ لأنّه خلط بين ترتيب مسألة السمكة وتجارة الجملة. لكن…
سألت «لين فِن» متعجّبة:
«وأيّ سمكةٍ هذه التي تساوي كلّ هذا؟»
شرح «تشين لين»:
«إنّها سمكة زينة برّيّة تُسمّى “النمر الألبينو البريّ”. لستُ أدري ما الذي يعجب الأغنياء فيها، لكنّهم يحبّون هذا النوع من الأسماك، ومستعدّون لدفع مبالغ طائلة من أجلها.»
وأثناء كلامه، أخرج هاتفه وأرى أمّه «سجلّ الضرائب» الذي يثبت بيعه لتلك السمكة النادرة.
لم تجد «لين فِن» بعد هذا بدًّا من التصديق، وارتسمت على وجهها ملامح ذهولٍ حقيقي:
«أهناك سمكةٌ بهذا الغلاء؟ لا شكّ أنّ أباك هو من باركك لتظفر بهذه السمكة.»
لوّح طيف ابتسامةٍ مفقودة منذ زمنٍ بعيد على وجه «لين فِن»، وكأنّ حملًا ثقيلًا قد أُزيح عن كتفيها.
لم تستطع عينا «تشين لين» إلا أن تلمعا سرورًا وهو يلحظ هذا التغيّر في ملامح أمّه.
قالت «لين فِن» بعد أن استوعبت الأمر:
«شياو لين، إذن الفيلا التي تنشغل بها هذه الأيام ليست “بيتًا زراعيًّا” صغيرًا بثلاثين أو أربعين ألف يوان؟»
أجاب «تشين لين» وهو يومئ برأسه:
«نعم، الفيلا ليست صغيرة أبدًا.»
اشتدّ قلق «لين فِن» وقالت:
«إذن أسرع وفسِّر الأمر لمو تشينغ. حين جاءت لزيارتي سابقًا، رأتك لم تخبرها بشيء عن “البيت الزراعي”، فظننتُ أنّ مشروعك بسيط بثلاثين أو أربعين ألف يوان وأنك غير واثقٍ منه، فقلت لها أن تنتظر قليلاً.»
«مو تشينغ فتاة طيّبة جدًّا، ويجب أن تمنحها شيئًا تنتظرُه. لا تدع أحدًا يسبقك إليها، فأنا لا أعترف بكنّةٍ سواها.»
«هاه؟!» تجمّد «تشين لين» في مكانه.
فهو لم يُخفِ الأمر عن «تشاو مو تشينغ» إلا لأنّه أراد أن يفاجئها حين يكتمل «بحر الجهنمية المثلّثة» في الفيلا…