الفصل ٣٥: ذهول تشاو مو تشينغ! ١
كان مدخل الفيلا متّصلًا بالطريق المتقاطع بين مدينة الرمال والمدينة، وقد نُصبت عند البوابة لافتةٌ كبيرة تحمل صورةً إعلانيّة لبحر الجهنمية المثلثة. أيُّ سيارةٍ تمرّ من هناك يمكنها رؤيتها بنظرة واحدة.
وبفضل خاصيّة «دخول المشهد +٣»؛ بدت الصور الدعائيّة التي أخرجها استوديو تشين رِن أقرب إلى لوحاتٍ فنّية، تحمل هالةً جماليّة غامضة تشدّ النظر.
عندما افتُتحت فيلا تشين لين، لم يلجأ إلى أيّ حِيَلٍ استعراضيّة، إذ شعر أنّ لا حاجة إلى ذلك أصلًا.
بعد أن دخل الفيلا، قاد سيارته إلى بهو الاستقبال. وبما أنّ اليوم هو يوم الافتتاح، كانت قاو ياوياو وبقيّة الموظّفين في حالة استعداد وتجهيز.
كان المعلّم لين قد ارتدى بالفعل زيّ الطاهي؛ فهو في الأصل chef المكان، أمّا العناية ببحر الجهنمية المثلثة فقد أُوكلت إلى ثلاثةٍ من عمّال تنسيق الحدائق.
قال تشين لين مكلّفًا تشين دابَي:
«تشين دابَي، دَعْ أحدهم ينقل الأشياء من السيارة إلى البهو. لقد كتبتُ الأسعار عليها، دَعْ قاو ياوياو تضع ملصقات الأسعار.»
فأجابه تشين دابَي، قائد فريق الأمن، وقد اعتاد أن يتقدّم لمساعدة رئيسه فور وصوله:
«حاضر يا رئيس!»
بعد إنزال البامية والفراولة والبطيخ، جاءت قاو ياوياو مع الفتيات والنادلات إلى المكان.
كان في البهو عددٌ من الرفوف قد تمّ تجهيزها سلفًا؛ فقد علِمن أنّ الرئيس سيجلب بضائع ليعرضها للبيع للسائحين.
لكن ما إن وقع بصر قاو ياوياو على الأسعار حتى تجمّدت في مكانها:
«رئيس، أليست هذه الأسعار خاطئة؟ البطيخ مكتوب عليه ١٠٠ يوان للرطل!»
وباقي النادلات فتحنَ أفواههنّ دهشةً بدورهنّ.
فلم يكن هناك بطيخٌ فقط، بل صندوقٌ صغير من الفراولة، وكمية من البامية، قد كُتب على الأولى ٢٠٠ يوان، وعلى الثانية ٤٠٠ يوان.
لا بدّ من وجود خطأ ما. كيف يمكن أن تكون بهذه الأسعار الفلكيّة؟
تدخّل تشين لين موضّحًا:
«لا خطأ في السعر. بيعوه كما هو مكتوب.» ثمّ نظر إلى تعابير وجوههم المستغربة وقال: «يا معلّم لين، اقطع بطيخة ودَعِ الجميع يتذوّقونها.»
أثارت كلمات تشين لين في أنفسهم مزيدًا من عدم التصديق. فالحقيقة أنّهم، كأناسٍ عاديين، لم يروا في حياتهم أحدًا يجرؤ على بيع البطيخ بهذا السعر.
لكن المعلّم لين، ما إن سمع التعليمات، حتى حمل بطيخةً ودخل المطبخ ليقطعها، ثمّ خرج حاملاً قطعها، ووزّعها على الحاضرين.
تناولت قاو ياوياو وبقيّة الفتيات قطع البطيخ وهنّ يشعرن بمزيج من الترقّب والارتباك.
فهذا البطيخ يُباع بمائة يوان للرطل الواحد؛ لم يكنّ يدرين ما الذي ينتظرهنّ من طعم.
غير أنّه ما إن غاصت أسنان قاو ياوياو في اللبّ الأحمر حتى شعرت كأنّها كادت تعضّ لسانها من شدّة اللذّة. لقد كان طعم البطيخ مذهلًا بحقّ.
صرخت إحدى النادلات مندهشة:
«كيف يمكن أن يكون هذا البطيخ لذيذًا إلى هذا الحد؟!»
وهزّت قاو ياوياو رأسها بحماس قائلة:
«نعم، إنه لذيذ جدًّا، كدتُ أقطع لساني من شدّة طعمه!»
خصائص «اللذّة +٢، الحلاوة +٢، المذاق +٢، أثر ما بعد المذاق +٢» لم تكن مزحةً أبدًا.
بعد تذوّق هذا البطيخ، لم يعد في أذهان قاو ياوياو والبقيّة سوى فكرة واحدة: يبدو أنّ بيع هذا البطيخ بمائة يوان للرطل أمرٌ معقول تمامًا.
كان المعلّم لين رجلًا متقدّمًا في السنّ، لكنه أكل بشهيةٍ لا تقلّ عن الفتيات، ولم يملك إلا أن يقول مدهوشًا:
«رئيس، لم آكل في حياتي بطيخًا بهذه اللذّة من قبل. لا يمكن أن يكون هذا البطيخ عاديًّا، أليس كذلك؟»
أومأ تشين لين قائلًا:
«هذا صنفٌ خاص من البطيخ طوّرناه حديثًا. غير موجود في السوق بعد، وأنا الوحيد الذي يبيعه الآن.»
كان هذا البطيخ من «جودة ٢» لا نظير له، فكيف لا يكون صنفًا خاصًّا؟
بعد أن أنهت قاو ياوياو قطعة البطيخ، تذكّرت أمرًا فسألت:
«رئيس، ألن نبيع بطيخًا عاديًّا أيضًا؟ صحيح أنّ هذا البطيخ لذيذ إلى حدٍّ جنوني، لكنّ الناس لا يعلمون ذلك مسبقًا. لو كان هناك فضوليٌّ ما، صوّر الأسعار وكتب عنوانًا يتّهمنا بالجنون لبيع البطيخ بهذه الأسعار، ونشره على الإنترنت؛ فقد نتعرّض لمشاكل.»
ذكّرته كلماتها بنقطة مهمّة.
فهذا صحيح فعلًا؛ فحتى لو وُضعت الأسعار بوضوح وكان الشراء اختياريًّا، فإنّ هواة إثارة الجدل يمكنهم تضخيم الأمور كما يشاؤون.
لكنّه رأى أنّ الأمر قابلٌ للحلّ. بإمكانه أن يزرع بطيخ «جودة ١» في صندوقين، ليجعل هناك مقارنة بين بطيخ جودة ١ وبطيخ جودة ٢، مع إضافة بطيخ عادي من السوق، ورفع سعر بطيخ جودة ١ إلى ١٠ يوانات للرطل.
وكذلك الأمر بالنسبة للبامية؛ فهناك بامية عاديّة يمكن بيعها مثلًا بـ١٥ يوانًا للرطل.
فالجميع يعرف أنّ أسعار الفواكه تتفاوت حسب النوع والجودة. ولو شكّك أحدهم، يمكنهم قطع البطيخ أمامه وتركه يجرّب الطعم. عندها سيتّضح الفرق جليًّا. وحتى لو ظهر بعض هواة الإثارة، سيُسكتهم الواقع، وإلا فإنّ المشكلة ستكون فيهم لا في الفيلا.
والأمر نفسه ينطبق على الفراولة؛ فسيُباع جزءٌ من الفراولة العاديّة بسعر ٢٥ يوانًا، وفراولة جودة ١ بسعر ٤٠ يوانًا، وفراولة جودة ٢ بسعر ٢٠٠ يوان للرطل، على غرار الفراولة المستوردة الفاخرة.
وبعد أن خطر له هذا الترتيب، قام تشين لين في عالم اللعبة بإعادة حرث صندوقَي البامية وزراعة بذور البطيخ فيهما. ثم خرج في الواقع وقاد درّاجته الثلاثيّة إلى المقاطعة، وتوجّه مباشرةً إلى سوق الجملة ليشتري دفعةً من البطيخ والفراولة العاديَّين.
وسيكتفي بذلك مؤقّتًا، على أن يُجري التعديلات بعد الافتتاح بحسب ردّة فعل الزبائن.
بعد أن أنهى هذه الترتيبات، عاد إلى البيت، استحمّ، ثم ذهب إلى مكتب تأجير السيارات واستأجر سيارة؛ فقد كان اليوم يوم اصطحاب والدته وتشاو مو تشينغ إلى الفيلا، والسيّارة الكهربائيّة الصغيرة لا تسعهم جميعًا.
وحين عاد بالسيارة إلى الحيّ، كانت لين فن في انتظاره مع وانغ كاي.
كانت قد اعتنت بشكلها اليوم بعنايةٍ غير معتادة، وحتى وانغ كاي كان يرتدي قميصًا صغيرًا للحيوانات الأليفة.
فخلال الأيّام الماضية، وبينما كان تشين لين مشغولًا، كانت لين فن تخرج في نزهات مع وانغ كاي، وفي إحدى المرّات اشترت له ذلك القميص.
كان هذا الكلب ذكيًّا جدًّا، يعرف كيف يتقرّب من الناس ويدلّل نفسه، مما جعل لين فن تشعر نحوه بحنانٍ كبير.
وبعد أن أُسدلت ستارة الديون عن بيتها، بات صدرها منشرحًا. واليوم، مع افتتاح مشروع ابنها، لم يكن في قلبها سوى الفرح والفخر.
«عووْ!» ما إن رآه وانغ كاي حتى نبح بفرح، وما إن فُتح باب السيارة حتى قفز إلى الداخل بحماس.
بعد أن اصطحب أمّه، قاد تشين لين السيارة إلى حيّ تشاو مو تشينغ.
كانت تشاو مو تشينغ بانتظاره عند بوّابة الحيّ، وما إن توقّفت السيارة حتى تقدّمت بخطواتٍ سريعة.
كان تشين لين قد أخبرها مسبقًا برقم لوحة السيارة.
ما إن صعدت إلى السيارة حتى حيّت أمّه قائلة:
«خالتي!»
ولمّا رأت لين فن ابتسامة تشاو مو تشينغ، ازداد سرورها، وشعرت بارتياحٍ عميق تجاه هذه الفتاة التي أحبّت ابنها.
الآن وقد سُدّدت الديون، لم يبقَ في قلبها إلّا أمنية واحدة: أن يسرع ابنها ويتزوّج تشاو مو تشينغ.
«عووْ!» حيّا الكلب تشاو مو تشينغ بدوره، وأخذ يحتكّ برأسه في يدها تدليلًا.
فنادته تشاو مو تشينغ وهي تربّت على رأسه:
«وانغ كاي!»
انطلقت السيارة وغادرت المدينة في طريقها إلى فيلا تشين لين.
طوال الطريق، كانت لين فن هادئة، يملؤها الترقّب لمعرفة شكل فيلا ابنها على أرض الواقع.
أمّا تشاو مو تشينغ، فكلّما تقدّمت السيارة أكثر، ازدادت الدهشة في عينيها.
فهي تعرف هذا الطريق جيّدًا؛ أليس هذا هو الطريق المؤدّي إلى فيلا فوحاي؟
وحين باتوا على مسافة قريبة، بدأ القلق يتسرّب إلى صوتها:
«تشين لين، هل استأجرتَ المزرعة هنا؟ ألا تعلم أنّ فيلا فوحاي موجودةٌ أصلًا في هذا المكان؟»
كان القلق واضحًا في نبرتها. فليس من السهل على حبيبها أن يجمع بعض المال ليبدأ مشروعًا خاصًّا به، وحتى لو أعطته كلّ ما تملك من مال، فسيكون من المؤسف أن يفتح مزرعة صغيرة ملاصقة لفيلا فوحاي.
فصاحب فيلا فوحاي الجديد قد صنع بالفعل بحرًا من الزهور بهذا الجمال.
غير أنّ السيارة، ما إن توقّفت في موقف فيلا تشين لين، حتى أصيبت تشاو مو تشينغ بالذهول.
فيلا تشين لين؟
لماذا هي هنا بالذات؟
راودها خاطرٌ يكاد لا يُصدَّق: تشين لين… تشاو مو تشينغ… «تشين لين»… «تشاو مو تشينغ»…
أيعقل أن يكون صاحب المزاد الذي اشترى فيلا فوحاي هو تشين لين نفسه؟
جعلها هذا الاحتمال تشعر بأنّ ما يجري غير واقعيّ تمامًا؛ فهي تعرف ظروف عائلة زوجها جيّدًا.
ناداه أحد حرّاس الأمن عند الموقف باحترامٍ واضح:
«رئيس!»
كان ذلك حين نزل تشين لين من السيارة.
هذا النداء وحده كان كافيًا لتأكيد ظنّ تشاو مو تشينغ، فلم تستطع إلا أن تفتح فمها مبهوتة وهي تقول:
«تشين لين، ما الذي يحدث هنا بالضبط؟»
في تلك اللحظة، كانت لين فن قد نزلت هي الأخرى من السيارة، ونظرت إلى الفيلا أمامها بعينين مملوءتين سرورًا.
لقد فاق ما رأته كلّ ما تخيّلته عن مشروع ابنها؛ لم تكن تتوقّع أن تكون فيلّته بهذا الاتّساع والجمال.
ولمّا سمعت سؤال تشاو مو تشينغ، سارعت لتشرح نيابةً عن ابنها قائلة:
«مو تشينغ، لقد حالف الحظّ شياو لين. اصطاد سمكة زينة برّية وباعها بأكثر من ستمائة ألف يوان، ثم اشتغل بعدها أيّامًا في تجارة الجملة، وبالمال الذي كسبه فتح هذه الفيلا.»
انعقد حاجبا تشاو مو تشينغ؛ فهناك شيء لا يستقيم. فهي تعرف أنّ مزاد الفيلا وحده كلّف مليونًا ومئتي ألف يوان، ناهيك عن تكاليف إنشاء بحر الزهور.
ومع ذلك، رأت في وجه لين فن سعادةً صافية؛ فلم تشأ أن تثير شكوكها أو تقلقها، فآثرت الصمت.
وقالت مبتسمة:
«خالتي، لنَدخُل ونُلْقِ نظرة.»
ثم أمسكت بذراع لين فن برفقٍ ودخلت معها إلى الفيلا.
وضعت لين فن يدها على ذراع تشاو مو تشينغ بسعادة؛ كانت علاقتُهما أقرب إلى علاقة أمّ بابنتها، بينما وجد تشين لين نفسه فجأة في موقع «الزائد عن الحاجة» يمشي خلفهما بهدوء.
بعد لحظات، شدّ انتباه المرأتين المشهدُ البهيّ لبحر الجهنمية المثلثة الممتدّ غير بعيد.
قالت لين فن مندهشة:
«أهذه كلّها جهنمية مثلثة؟ زرعتَ هذا العدد كلّه؟!»
أما تشاو مو تشينغ فكانت تنظر إلى بحر الزهور بعينين تحملان مشاعر متداخلة.
فهي وسلفتها لي جياون كانتا قد رأتا الفيديو الدعائي قبل أيّام، وبهرتا بجمال هذا البحر من الزهور.
يومها مزحت لي جياون قائلةً إنّ صاحب فيلا تشين لين لا بدّ أن يكون تشين لين نفسه، وأنّه سمّاه تيمّنًا باسميهما معًا.
بالتأكيد، لم تكن سلفتها تتخيّل أن المزحة ستتحقّق حرفيًّا؛ ربّما لو رأت المشهد الآن لسقط فكّها من شدّة الذهول.
ثمّ خطر ببال تشاو مو تشينغ شيء آخر؛ تذكّرت أنّها في إحدى المرّات، وهي في غرفة الفندق مع تشين لين، قالت عرضًا إنّه لو أُقيم بحرٌ من الجهنمية المثلثة في فيلا فوحاي فسيصبح المكان مشهورًا جدًّا.
لم تتوقّع قطّ أنّ تشين لين سيحتفظ بتلك الكلمات في قلبه، ثم يذهب فعلًا ليحوّلها إلى بحرٍ حقيقيّ من الجهنمية المثلثة.
التفتت إليه، وعيناها تلمعان بالدموع، وقد غمرها شعورٌ عميق بالامتنان والتأثّر.
لاحظ تشين لين نظرتها؛ كانت عيناها المبلّلتان فاتنتين إلى حدٍّ خطير. في تلك اللحظة، فكّر في أكل بعضٍ من بامية «جودة ٢» تلك الليلة، ثمّ حجز غرفة في فندقٍ قريب.
فافتتاح الفيلا يستحقّ احتفالًا خاصًّا جدًّا.