الفصل ٣٦: قبلة تحيط بها السناجب! وأول زائر!
قال تشين دابَي عندما رأى تشين لين يدخل القاعة ومعه لين فن وتشاو مو تشينغ:
«يا رئيس، حضرتك جيت؟»
ثم تقدّم تلقائيًا في انتظار التعليمات، كما اعتاد دائمًا.
حين سمعت لين فن أحدهم ينادي ابنها بـ«يا رئيس»، اتّسعت ابتسامتها أكثر، وشعرت بأن قلبها يمتلئ فخرًا. في عينيها، كان هذا يعني أنّ ابنها أصبح رجلًا ناجحًا، وهذا وحده كافٍ ليجعلها في قمّة السعادة.
قالت بحزم حنون:
«شياو لين، خُذ مو تشينغ بسرعة وروحوا تشوفوا بحر الجهنمية. أنا هتمشّى هنا لوحدي.»
كانت تعرف أنّ الشباب يحبون الأجواء الرومانسية، لذلك دفعت الاثنين دفعًا لطيفًا ليتركاها وتخرج وحدها تستكشف المكان، وكل ما تريده الآن هو أن يكون ابنها وتشاو مو تشينغ بخير معًا.
لم يجد تشين لين مفرًّا، فاصطحب تشاو مو تشينغ إلى بحر الجهنمية المثلثة.
في بهو بيع التذاكر عند المدخل، كانت قاو ياوياو ترتّب المكان مع إحدى المضيفات.
فاليوم هو يوم الافتتاح، وقد يأتي الزوّار في أيّ لحظة.
«يا رئيس!» حيّت قاو ياوياو وهي تلمح تشين لين.
اكتفى تشين لين بإيماءة نحوها ونحو بقيّة العاملات، ثمّ أمسك بيد تشاو مو تشينغ واتّجه بها إلى بحر الزهور.
سرعان ما أسَرَ جمال المشهد عيني تشاو مو تشينغ.
حين رأته بعينيها على أرض الواقع، وجدته أجمل بكثير من ذلك الذي ظهر في الفيديو الترويجي.
واصلت السير حتى وصلت إلى المركز. وهناك، حول شجيرات الجهنمية المثلثة جودة ٣، كان مشهد الفراشات الراقصة ساحرًا إلى حدّ أنّها أخرجت هاتفها وبدأت تلتقط الصور من كل زاوية.
سألها تشين لين وهو يعانقها من الخلف:
«ما رأيك؟ أليس بحر الجهنمية هذا جميلًا؟ تلك الليلة في الفندق، عندما تحدّثتِ عن الجهنمية المثلثة، حفظت كلماتك في قلبي، وصنعتُ هذا البحر خصّيصًا من أجلك.»
كان هذا كفيلًا بأن يكون أجمل اعتراف حبّ يمكن أن تسمعه تشاو مو تشينغ، لكنّها لم تنسَ ما يشغل بالها، فسألت على الفور:
«تشين لين، ما الحكاية بالضبط؟ حتى لو بعت سمكة الزينة بأكثر من ستمائة ألف يوان، فهذا لا يكفي لشراء هذه الفيلا وبحر الجهنمية ده كله. من أين أتيت بباقي المال؟»
كان تشين لين يعلم أنّ تشاو مو تشينغ ليست كأمّه، لا يمكن خداعها بسهولة، فواصل نسج الرواية قائلًا:
«ألم أقل لك إنّي بعت السمكة لرجل أعمال كبير؟ هذا الرجل لا ينقصه المال. تعارفنا، فحدّثته عن خطّة الفيلا، فوافق أن يُقرِضني المال.»
تساءلت تشاو مو تشينغ بريبة:
«معقول في حدّ يقرضك مبلغًا ضخمًا كده من غير شروط؟»
تابع تشين لين كذبته قائلًا:
«لا، فيه شروط طبعًا. هو يعشق صيد السمك لدرجة الجنون، وطلب منّي أنّه كلّما سنحت الفرصة أساعده في صيد السمك. فوق هذا كلّه، عليّ أن أسدّد الدَّيْن مع الفوائد. يعني أنا حاليًا مديون بملايين.»
«هاه؟!»
شهقت تشاو مو تشينغ من القلق، ومدّت يدها لتقرص خصر تشين لين غاضبة:
«تشين لين، أنت عديم الضمير! كُلّ هذا ولم تناقشني؟ ألا تخاف ألّا تستطيع سداد هذا الدَّيْن؟»
أمّا هو فكان، بطبيعة الحال، لا يخاف شيئًا؛ فكلّ ما قاله محض اختلاق. ولمّا رأى أنّ حجّته قد نجحت، استغلّ الفرصة وقال:
«كنتُ أريد أن أغامر لأغيّر مصيري بسرعة، وأستطيع أن آخُذك إلى جانبي علنًا، دون خوف أو اختباء.»
عندما سمعت تشاو مو تشينغ هذا، توقّفت عن الاستجواب. اكتفت بأن شمخت بأنفها وقالت:
«إذًا تذكّر هذا جيدًا: من اليوم، لا يُسمَح لك بالتدخين، ولا الشرب، ولا فعل أيّ شيء خطِر. ابقَ صحيحًا بلا مرض ولا وجع، لأنّنا سجّلنا زواجنا رسميًّا. لو حدث لك شيء، كيف سأتمكّن من سداد ملايين الديون عنك؟»
قال لها تشين لين وهو يقترب من شفتيها:
«أنتِ تعرفين أنّي لا أدخّن، ولا أشرب، ولا أُقحِم نفسي في المخاطر أصلًا.»
ثمّ مال عليها وقبّلها على شفتيها.
فبادرت تشاو مو تشينغ، بحُكم العادة، إلى إحاطة خصره بذراعيها.
وسرعان ما غاب الاثنان عن الدنيا، ولم يستفيقا إلا عندما انقطع نَفَسهما. غير أنّ صوت «صرير» خفيفًا لفت انتباههما، فرفعا رأسيهما ليرَيا عدّة سناجب جالسة في صفٍّ واحد على الأغصان، تمدّ أعناقها وتنظر إليهما في فضول.
تمتمت تشاو مو تشينغ وقد داهمها الخجل:
«إنهم…»
وفجأة شعرت أنّها وتشن لين كأنّهما يُشاهَدان في بثّ مباشر من قِبَل هذه السناجب الصغيرة.
…
كانت فيلا تشين لين قائمة خارج مقاطعة يوتشنغ، وبوّابتها متّصلة بالطريق المتقاطع بين مدينة الرمال وطريق المدينة.
فجأة توقّفت سيارة مايباخ ٦٢ إس فاخرة عند التقاطع.
خرج السائق ليتفقّد الإطار، ثمّ عاد ليقول باحترام لراكب المقعد الخلفي:
«سيادة الرئيس، ضغط الهواء في الإطار الأيمن شبه منعدم. يبدو أنّ مسمارًا حديديًّا ثقَبَه عندما مررنا على طريق الإنشاءات. على الأغلب، سنحتاج إلى التوجّه إلى أقرب مقاطعة لتصليح الإطار، وقد نضطرّ للتوقّف حتى الظهر.»
نظر الرئيس إلى لوحة إعلان فيلا تشين لين بدهشة. كانت عليها صورة دعائية لبحر الجهنمية المثلثة، وقد شدّته بشكل غريب:
«تبدو هذه الفيلا جيّدة. خُذني إليها أوّلًا لنُلقي نظرة، ثمّ اذهب وأصلح الإطار.»
كانت الصورة الدعائية تلك مدهشة الجمال، كأنّها عمل فنّي يحمل لمسة مصوّر محترف.
لقد زار هذا الرجل العديد من الفلل، وحتى تلك ذات المستوى الأعلى لم تكن لتتكلّف صورة على هذا القدر من الاحتراف كإعلان على جانب الطريق.
قال السائق:
«حاضر، سيادة الرئيس.»
كان هو الآخر قد رأى لوحة فيلا تشين لين، وقد أسَرَته بدوره، واعتقد أنّ من التقط تلك الصورة الدعائية لا بدّ أن يكون مصوّرًا من الطراز الأوّل.
أعاد السائق تشغيل السيارة، ودخل بها إلى فيلا تشين لين.
…
عاد تشين لين مع تشاو مو تشينغ إلى القاعة، فرأى رجلًا يرتدي بدلة أنيقة يدخل في تلك اللحظة.
على ما يبدو، كان هذا أوّل زائر فعليّ لهذا اليوم.
دخل تشن شنغفي القاعة وهو يُخفي خيبة أمل خفيفة.
لقد كانت صور بحر الجهنمية المثلثة على الطريق تبدو بالغة الجمال والاتقان، وعالية الذوق الفني. أما القاعة التي دخلها الآن فلم تكن على مستوى التوقّعات نفسها، بل يمكن القول إنّ الفارق بين ما تصوّره وبين الواقع كان شاسعًا.
فالقاعة ليست كبيرة، وبها عدد من الطاولات، وفي الوسط رفّ لعرض الفواكه، والمكان متّسع وفارغ قليلًا.
لمّا رأت قاو ياوياو ضيفًا يدخل، استقبلته بابتسامة مهنية:
«سيّدي، أهلًا وسهلًا بك. عندنا بحر الجهنمية المثلثة للمشاهدة، وفيه أيضًا مغامرة الغابة والتزحلق على العشب الملّون…»
وبدأت تقدّم له شرحًا كاملاً عن الأنشطة المتاحة بابتسامة محترفة.
غير أنّ تشن شنغفي جذبته الرفوف المعروضة في القاعة، فتوقّف ينظر إليها، وقد أذهلته الأسعار المكتوبة.
كانت الفراولة الحمراء تُباع بسعر ٢٥ و٥٠ يوانًا للجِنّ الواحد (وحدة وزن صينيّة تقارب نصف الكيلو)، والبطيخ بسعر ٢ يوان و١٠ يوانات للجِنّ، وهذا مقبول، لكن وجود فراولة بسعر ٢٠٠ يوان للجِنّ، وبطيخ بسعر ١٠٠ يوان للجِنّ، وبامية بسعر ٤٠٠ يوان للجِنّ أثار في نفسه استغرابًا شديدًا.
لم يكن هذا الرجل ممّن لم يجرّبوا الفواكه الفاخرة ذات الأسعار العالية في البلاد، بل لطالما ذاق أفخر المستوردات والمحاصيل الخاصة، غير أنّه لم يتوقّع ظهور مثل هذه «السلع الفاخرة» بهذا السعر في فيلا تبدو متواضعة كهذه.
فمستوى هذه الفيلا، في نظره، لم يكن من النوع الذي يليق به عرض منتجات من هذا المستوى السعري.
هنا، توقّف فجأة وهو ينظر إلى حوض السمك جانبًا، وقال في دهشة:
«هاه؟! هل هذه كلّها أسماك بريّة؟»
كان في الحوض ستّ سمكات ضخمة تسبح برشاقة. عرف أنواعها في لمح البصر: قاروص بريّ، وشبوط أسود بريّ، وشبوط عشبيّ بريّ. وبما أنّه من هواة الصيد، فقد كان ملمًّا بأسماك البرك والأنهار البريّة، ويعلم تمامًا مدى ندرة رؤية أسماك بهذا الحجم.
قالت له قاو ياوياو سريعًا:
«عينك قويّة يا سيّد، هذه القاروصات وسمك الشبوط الأسود والشبوط العشبي كلّها أسماك بريّة حقيقيّة.»
قال تشن شنغفي فورًا:
«حضّري لي سمكة منها للأكل.»
لم يسأل حتّى عن السعر، فالثمن لا أهميّة له في نظره… ما يَصعُب إيجاده حقًّا هو هذا النوع من السمك.
فاغتنمت قاو ياوياو الفرصة لتقول بلطفٍ في وقته المناسب:
«سيّدي، عندنا في بركة السمك الخارجيّة كثير من الأسماك البريّة، ومنها أسماك بهذا الحجم أيضًا. لو تحبّ تجربة الصيد، يمكنك استئجار صنّارة من عندنا، ويمكن أن يحالفك الحظّ وتصطاد واحدة بنفسك.»
قال في نفسه ساخرًا:
«كثير من الأسماك البريّة؟ وبحجم هذه الكبيرة؟»
ثمّ سألها بصوت مسموع:
«أسماك بريّة كثيرة؟ وفيها كمان بهذا الحجم؟»
بدأ يشكّ في الأمر. هل تعتقد هذه الفتاة أنّه ساذج لهذه الدرجة؟
هو يعلم أنّ وجود الكثير من الأسماك في البركة أمر ممكن، لكن أن تحتوي البركة أيضًا على عدد لا بأس به من هذه الأحجام الضخمة… فهذا ما بدا مبالغة في نظره.
حتى أكبر مزارع الصيد في المدينة لا يجرؤ أصحابها على إطلاق وعود كهذه.
لكنّ تعبير الفتاة لم يكن يدلّ على المزاح، وفوق هذا، هناك بالفعل ستّ سمكات ضخمة أمام عينيه، وهذا أشعل فضوله كصيّاد.
فأيّ عاشق للصيد لا يحلم بأن يظفر دائمًا بـ«السمكة الكبيرة»؟
قال تشن شنغفي بسرعة:
«حسنًا يا آنسة، خذيني لأستأجر صنّارتين إذن!»
ثمّ أشار إليها نحو فراولة جودة ٢ المكتوب عليها ٢٠٠ يوان للجِنّ، وقال:
«وزني لي من تلك الفراولة أيضًا. سأأكلها وأنا أصطاد. أريد أن أرى إن كان طعمها يضاهي تلك التي في المتاجر الفاخرة.»
«حاضر يا سيّد.» قالت قاو ياوياو بابتسامة ظافرة بعد أن نجحت في إقناعه، ثمّ طلبت من مضيفة أخرى أن تزن الفراولة، بينما رافقته هي إلى مكان تأجير صنّارات الصيد.
لم يكن ثمن الإيجار مرتفعًا: صنّارة واحدة بـ٢٠ يوانًا، واثنتان بـ٤٠ يوانًا، ومع الطُّعم يصبح المجموع ٤٥ يوانًا فقط.
لكنّ تشن شنغفي خاب أمله قليلًا عندما رأى الأدوات.
فالصنّارات والطُّعم كانا في مستوى متواضع جدًّا.
وفكّر في نفسه:
«لو أنّ السائق لم يذهب لإصلاح الإطار، لطلبت منه أن يحضر صنّاراتي الخاصّة من السيارة.»
وفوق ذلك، كانت تجهيزات المكان بدائيّة؛ مقعد صغير، وطاولة بسيطة تقابل بركة موحلة الطين.
لقد كان هذا بعيدًا جدًّا عمّا رآه في أماكن الصيد الراقية التي اعتاد ارتيادها.
ومع ذلك، شرع تشن شنغفي يهيّئ صنّارة الصيد بخبْرة واضحة، ثمّ ألقى بها في الماء وجلس ينتظر.
وحين وصلت الفراولة، ذهب يغسل يديه على عجل، ثمّ أخذ حبّة ووضعها في فمه، بينما عيناه على خيط الصنّارة…
وما إن لامس طعم الفراولة لسانه، حتى اتّسعت عيناه دهشة:
«طعم هذه الفراولة…!»