39 - حين يصبح الهاتف دليلًا على الحق! وعيون الناس لا تخطئ!

الفصل ٣٩: حين يصبح الهاتف دليلًا على «الحق»! وعيون الناس لا تخطئ!

شعر تشن شنغفي بذلك الإحساس المريح يتدفّق في جسده، فلم يتمالك نفسه عن الاستمرار في التقاط قطع البامية ليتناولها الواحدة تلو الأخرى.

كان «الغذاء العلاجي» في نظره أسلوب علاج بالغذاء توارثته الأجيال منذ القدم. وبالطبع، لم يكن يقصد بتاتًا تلك الخلطات التي يتداولها العامّة بلا أساس، بل يقصد الوصفات الحقيقية التي تتوارثها عائلات عريقة من أطباء الطبّ الصيني التقليدي.

في هذا العصر، أصبح الحصول على رخصة طبّ صيني يمرّ عبر امتحان فيه لغة إنجليزيّة، ودراسة للطبّ الغربي أيضًا، مع لوائح تُلزِم الأطباء بوصفات معيّنة من الأدوية الغربيّة. وكثيرًا ما كان الأطباء الذين يجتازون هذه الامتحانات ينتهون إلى أن يصبحوا أقرب إلى أطبّاء الطبّ الغربي منهم إلى الأطبّاء التقليديّين.

أمّا العائلات القديمة التي تحمل إرث الطبّ الصيني حقًّا، ففيها من لا يرضى بهذه القيود. فكثير من شيوخ الطبّ في تلك العائلات يرفضون الخضوع للامتحان أصلًا، ويكتفون بمعالجة أهل بيتهم ومعارفهم، ولا يقدّمون خدماتهم للغرباء أبدًا.

ومنهم من غيّر طريقه تمامًا، فاتّجه إلى فتح مراكز غذاء علاجي خاصّة، يوظّفون فيها الوصفات السرّية الموروثة. وهذا النوع من العمل لا يحتاج إلى ترخيص رسمي.

هذا هو «الغذاء العلاجي الحقيقي» في عيون تشن شنغفي؛ فعّال، لكنّ الناس العاديّين لا يكادون يجدون إليه سبيلًا.

ووجبات الغذاء العلاجي الرفيعة ليست في متناول أيّ أحد؛ فهي لا تُقدَّم إلا لأصحاب المكانة والمال، وتُحسَب كلّ وجبة فيها بما يزيد على مئة ألف يوان.

وتشن شنغفي، بصفته وجهًا معروفًا في مقاطعة مِن، سبق له أن تذوّق هذا النوع من الوجبات العلاجيّة الفاخرة. ومع ذلك، شعر بأنّ تأثير ما يأكله الآن ربما يفوق تأثير تلك الوجبات. لقد كان ذلك الإحساس بالدفء والارتخاء في الجسد قويًّا للغاية.

في تلك الأثناء، كان بعض من بقوا لتناول الغداء في فيلا تشين لين قد اختاروا أيضًا تحضير أسماك بريّة جودة ١ وبامية جودة ١. هؤلاء بدورهم شعروا ببعض التغيّرات في أجسادهم. صحيح أنّ الأثر لم يكن بقوّة جودة ٢، لكنّه ظلّ ملحوظًا.

قال رجل لزوجته وهو يتذوّق قطعة من السمك:

«حبيبتي، هذا السمك لذيذ جدًّا اليوم. ما عمري ذقت من يديك شيئًا بهذا المستوى في البيت.»

وقالت أخرى بدهشة ممزوجة بالإعجاب:

«الطعم فعلًا مدهش، والقوام رائع. لم أكن أعلم أنّك تجيد الطبخ إلى هذا الحدّ!»

غير أنّ كثيرين آخرين شعروا بالحيرة. فالأسماك هنا ألذّ فعلًا، وطعمها أفضل، لكنّ الخضراوات التي قُطِفَت من باقي الحقول لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يطبخونها في بيوتهم. ومن هنا صار من السهل التمييز بين منتجات اللعبة ذات الجودة العالية، وبين المنتجات العاديّة.

في أوّل يوم افتتاح، كان مشهد وقت الظهيرة في الفيلا مليئًا بالحياة.

كان تشين لين سعيدًا بطبيعة الحال، أمّا لين فن وتشاو مو تشينغ فكانتا أكثر سعادة واطمئنانًا؛ فانتعاش العمل في الفيلا بدّد عنهما الكثير من القلق.

وقد أعدّ المعلّم لين مائدة خاصّة للثلاثة.

جلسوا يتناولون الطعام في القاعة، يستمتعون بالأجواء الصاخبة من حولهم.

وفجأة، ارتفع صوت شجار قطع الجوّ، وجذب انتباه الجميع.

كان زوجين بصحبة طفلهما يتجادلان مع نادلة، كما لو أنّ أمرًا ما قد وقع للتوّ.

قالت النادلة بانفعال واضح:

«سيّدتي، طفلكم أخذ فراولة حمراء من النوع الذي سعره ٢٠٠ يوان للجِنّ. السعر مكتوب بوضوح، وهو يأكل منها من دون وزن مسبق.»

كانت النادلة تشعر بالقلق؛ فهذه الفراولة ليست عاديّة.

فكمية الفراولة الخاصة ذات سعر ٢٠٠ يوان للجِنّ محدودة للغاية، وهذا الطفل أمسك بقبضة كبيرة منها دفعة واحدة، وراح يأكل من دون أن تُوزَن.

صرخت المرأة وهي تشدّ طفلها من يده:

«ماذا تقصدين؟ هل تتّهمين طفلي بأنّه حرامي؟ أنتم من وضعتُم نوعَي الفراولة جنبًا إلى جنب، فكيف تلقون اللوم علينا؟»

ثمّ تابعت بنبرة استعلاء:

«ثمّ أيّ نوع من الفلل هذه التي تحاسب طفلًا صغيرًا على شيء تافه كهذا؟»

وأثناء الشجار، كان الطفل يبدو شديد الزهوّ، يمسك بحبّات الفراولة ويأكلها بشهيّة واضحة. لقد أسَرَ طعم الفراولة جودة ٢ قلبه بالكامل.

عبس تشين لين وهو يشاهد المشهد من بعيد. ومن الحوار فهم تقريبًا ما حدث. مرّة أخرى، طفل شقيّ يرتكب خطأ، وأهل لا يربّون، بل يرمون بالمسؤوليّة على الآخرين، ويتّهمون الفيلا بأنّها هي المخطئة لأنّها وضعت النوعين في مكان واحد.

ألم يكن هذا أمرًا عجيبًا؟ لكن المجتمع مليء أصلًا بمثل هذه «العجائب».

المشكلة أنّ كثيرًا من الزوّار يظنّون أن لهم الحقّ في استغلال هذه المواقف.

وحين رأى الزوجان القلق على وجه النادلة، أصبحا أكثر تعاليًا واستقواءً.

كان تشين لين يهمّ بالتقدّم لحلّ المشكلة، لكن قاو ياوياو كانت قد سبقتْه وهي تجري إلى هناك:

«سيّدي، سيّدتي، أسعار الفواكه عندنا مكتوبة بوضوح، وفراولة الـ٢٠٠ يوان للجِنّ موضوعة في رفّ منفصل عن الفراولة الأخرى، وعليها لوحة واضحة. وإذا كنتم تعتقدون أنّنا ظلمنا طفلكم، فلدينا كاميرات مراقبة في القاعة توثّق كلّ شيء.»

كلمات قاو ياوياو غيّرت ملامح الزوجين فجأة.

لكنّهما لم يكونا مستعدَّين لتحمّل ثمن خطأ الطفل. فالولد ما زال صغيرًا، وهذه حجّة جاهزة. ثمّ إنّ الفيلا – في نظرهما – هي التي وضعت النوعين في متناول يد الطفل، فهي «المخطئة».

الناس الواقفون حول المشهد كانوا قد فهموا القصّة من بدايتها، الجميع يحدّق بالزوجين باستنكار. فكلّ ذي فطرة سليمة يكره مثل هذا النوع من التصرّف؛ طفل يخطئ، وأهل متشبّثون بالعناد وكأنّهم هم المظلومون.

كبار السنّ الذين يزاحمون الجميع عند صعود الحافلات، وأهل الأطفال المشاغبين، والنساء اللاتي يجررن المشكلات مع هذا وذاك… هذه الفئات تكاد تكون، في وعي الناس، قريبًا من فئة النصّابين أنفسهم، تُفسِد هواء المجتمع من حولها.

أمام نظرات الناس، كان الرجل لا يزال يحاول أن يحفظ ماء وجهه، فشدّ زوجته محاولًا إخراجها من القاعة، لكن الزوجة أصرّت، وأخرجت هاتفها وهي تعبس، وبدأت تلتقط صورًا لقاو ياوياو وهي تقول بصوت عالٍ مليء بادّعاء الحق:

«يا جماعة، شوفوا! أسعار الفاكهة هنا نار، ٥٠٠ يوان للجِنّ فراولة! فيلا تشين لين تجبر الزوّار على شراء الفاكهة غصبًا. هذا ابتزاز صريح!»

كانت المرأة قد قرّرت أن «تموت وقفةً»، لا يهمّها ما يتعلّمه طفلها من هذا المشهد.

أليس هذا زمنًا يُخَيَّل فيه للناس أنّ من يرفع الهاتف ليصوّر هو صاحب الحقّ دائمًا؟

وقفت قاو ياوياو في مكانها لا تجد ما تقول.

وتجمّد تعبير وجه تشين لين صمتًا. لقد كانت قاو ياوياو نفسها قد نبّهته من قبل إلى أنّ شخصًا فضوليًّا قد يصوّر أسعار الفواكه ذات الأسعار الفلكيّة ويكتب عنوانًا مستفزًّا على الإنترنت، مما يسبّب لهم صداعًا. لم يكن يتوقّع أن تظهر مشكلة من نوع آخر، أعقد وأكثر حماقة. بعض الأمور حقًّا لا يمكن توقّعها.

كان تشن شنغفي منهمكًا في طعامه حين وقعت عيناه على المشهد. لم يطق تحمّل ما يرى، فقام واتّجه إلى الرفّ، وقال لقاؤ ياوياو:

«آنسة، لُفّي لي كلّ البطيخ، وكلّ الفراولة، وكلّ البامية من النوع الغالي. ليس كلّ الناس يعرفون ما هي السلع الخاصة حقًّا، وبعضهم لم يرَ في حياته سعرًا فلكيًّا حقيقيًّا.»

سألتْه قاو ياوياو باندهاش:

«سيّدي، تقصد كلّ الكميّة فعلًا؟»

كان تشين لين هو الآخر يراقبه في دهشة.

فالبطيخ، والفراولة، والبامية جودة ٢ ليست كثيرة من حيث الكمّ، لكنّ مجموع ثمنها يقترب من ٢٥ ألف يوان.

قال تشن شنغفي بهدوء حاسم:

«نعم، كلّ الكميّة. سأشتريها كلّها. فقط تذكّري، أمام طفلك تذكّري أنّكِ أمّ. لا تجعليه يتعلّم تقليدك.»

تلوّنت ملامح المرأة خَضَارًا واحمرارًا.

لكن عناد هذا النوع من الناس كان أكبر من توقّعات تشن شنغفي.

رفعت هاتفها ووجّهته هذه المرّة نحوه هو، وشرعت تصوّر وهي تهتف:

«انظروا، ليس فقط أنّ فيلا تشين لين تبيع الفاكهة بأسعار فلكيّة، بل جاؤوا أيضًا بزبون خاص ليتفاخر أمامنا ويعيّرنا بأنّنا لا نستطيع شراء الفاكهة!»

تشن شنغفي نفسه صُعِق من هذه القدرة على قلب الحقائق.

والزوّار المحيطون بالمشهد ظلّوا للحظات في ذهول، إلى أن انفجر بعضهم أخيرًا في وجهها.

قالت امرأة غاضبة:

«أنتِ أمّ، أليس من المفترض أن تكوني قدوة لابنك بدلًا من هذا العرض المضحك؟!»

وقال رجل آخر:

«يا للعجب! هذا السيّد يرتدي بدلة غربية مفصّلة من ماركة فاخرة، سعرها الأساسي يبدأ من خمسين ألف يوان على الأقل.»

وأضاف ثالث وهو يلمح الساعة في معصمه:

«وهذه الساعة في يده… لا أحد يجرؤ أن يعبث مع شخص يرتدي مثل هذه الساعة، إلا إن كان لا يعرف شيئًا عن الدنيا.»

لقد كانت عيون الناس لامعة، ترى كلّ شيء. الجميع قد شاهد ما حدث من البداية إلى النهاية.

في تلك اللحظة، لم يعُد الرجل قادرًا على الاحتمال. كان يدرك أنّ زوجته قد أساءت لأنفسهم أمام الجميع، فشدّها من ذراعها وهو يقول من بين أسنانه:

«كفاكِ فضائح!»

لكنّها كانت لا تزال تغلي غضبًا، ولا تريد الخضوع.

قال الرجل للنادلة، وهو يضغط على أعصابه:

«أنا… أنا آسف. كم المبلغ المطلوب؟»

قالت قاو ياوياو بصرامة لم تَخْفَ على أحد:

«سنسدّد الحساب هنا. وإذا فكّرت في الهرب من الدفع، يحقّ لنا إبلاغ الشرطة.»

تحت نظرات الازدراء من الحاضرين، اضطرّ الرجل إلى إخراج محفظته ودفع ثمن ما أفسدته عائلته.

المرأة كانت تكاد تنفجر من الغيظ، ولم تلحظ أنّ شابًّا كان قد اقترب من طفلها.

انحنى الشابّ وقال للصغير بصوت منخفض:

«أحسنت يا بطل. في المستقبل، أينما وجدت شيئًا لذيذًا، خذه في الخفاء وكُلْه، ستحصل دائمًا على مكافأة.»

ثمّ ناوله حبّة فراولة من التي اشتراها بنفسه:

«شوف، هذه مكافأتك هذه المرّة.»

قال الطفل بفرح بريء:

«حسنًا!»

وأخذ الفراولة وهو يبتسم.

رفعت المرأة المرافقة للشابّ قدمها ورفسته خلسة، وقد ضاق صدرها من سخريته غير المباشرة.

بعد قليل، كان الرجل قد أنهى الدفع، وسحب زوجته الغاضبة التي لم تتوقّف عن التذمّر وهي تُسحَب إلى الخارج.

لكنّها لم تكن من النوع الذي ينسى الإهانة بسهولة.

في القاعة، عاد تشن شنغفي إلى طاولته غير مبالٍ بنظرات الناس، وأكمل طعامه. كان هذا السمك لذيذًا إلى درجة لا تسمح بإهمال أيّ لقمة.

استدعى تشين لين قاو ياوياو وقال لها:

«أحسنتِ التصرف قبل قليل. تابعي عملك بهذا الأسلوب.»

لقد كان راضيًا عن ردّ فعلها؛ صحيح أنّها لم تكن مثاليّة بعد، لكنّها على الأقل لم تقف عاجزة مثل النادلة الأخرى.

ثمّ ألقى نظرة متأمّلة على تشن شنغفي.

هذا الرجل واضح أنّه ثريّ حقيقي، وليس من أهل مقاطعة يوتشنغ. أثار فضول تشين لين: ما الذي جاء به إلى هنا تحديدًا؟

في فترة ما بعد الظهر، عاد سائق تشن شنغفي بالسيارة بعد إصلاح الإطار. فطلب منه تشن شنغفي أن يساعده في نقل الأغراض التي تمّ تغليفها إلى السيّارة.

في الوقت نفسه، جاءت قاو ياوياو لتبلّغ تشين لين:

«يا رئيس، السيّد تشن أنفق اليوم عندنا ٣١٬٤٣٢ يوانًا.»

أومأ تشين لين قائلًا:

«فهمت.»

ثمّ توجّه إلى حوض السمك في القاعة، وأمسك بشبوط عشبيّ بريّ جودة ٢، وشبوط أسود بريّ جودة ٢.

وكان ينوي أن يهديهما للسيّد تشن.

فأوّلًا، كان ذلك شكرًا له على موقفه. وثانيًا، لأنّه زبون من الفئة الرفيعة؛ زبون ينفق أكثر من ٣٠ ألف يوان في زيارة واحدة. إن استطاع عبره أن يجذب مزيدًا من العملاء بهذا المستوى، فسيكون هذا أكثر نفعًا بكثير من الاعتماد على الزوّار العاديّين وحدهم.

فكما أنّ الفيلا بحاجة إلى استقطاب السياح من العامّة، فهي بحاجة أيضًا إلى ترسيخ قاعدة من الزبائن المميّزين.

2025/12/02 · 37 مشاهدة · 1672 كلمة
نادي الروايات - 2026