7 - شعورُ أكلِ البطيخ والحصولِ على طعامٍ نادر! (١)

شعورُ أكلِ البطيخ والحصولِ على طعامٍ نادر! (١)

أخرج تشين لين البطيخات الثلاث ذات «الجودة ٢» وحده.

فقد أراد الآن أن يرى بنفسه إن كان هذا البطيخ ذو «الجودة ٢» قادرًا حقًّا على أن يجعل المرءَ عاجزًا عن التحكّم في براعم تذوّقه.

حمل حبّة بطيخٍ إلى مقدّمة المتجر، وتناول سكّينًا وشقّها نصفين، ثمّ وضع نصفها في الثلّاجة وقطّع النصف الآخر إلى شرائح.

وما إن وضع السكّين جانبًا حتّى فوجئ بالكلب الأسود قابعًا إلى جواره، يمدّ رأسه إلى الأمام وهو يحدّق في البطيخ المقطّع.

تمتم تشين لين ساخطًا:

«تبا… تدخل وتخرج كما يحلو لك، ولا تعامل نفسك كغريب أصلًا.»

لم يجد ما يقوله أمام هذا الكلب.

غير أنّ مزاجه كان رائقًا؛ فهو على وشك أن يجني أكثر من عشرة آلاف يوانٍ في اليوم، فالتقط قطعة بطيخٍ لنفسه، ورمى إلى الكلب الأسود قطعةً أخرى. لقد حالفه الحظّ اليوم.

قضم تشين لين قضمةً من البطيخ الذي في يده، فاستنارت عيناه في الحال.

كان هذا البطيخ «جودة ٢» لذيذًا على نحوٍ يفوق التوقّع؛ حلاوته تتفجّر في الفم، والعصارة تتدفّق بغزارة، من غير أن تمنحك ذلك الإحساس الدبق المزعج للسكّر الزائد، أمّا قوام اللبّ فكان مقرمشًا في غاية العذوبة، ومع العصارة الغنيّة كان الطعم متكاملًا إلى حدّ الكمال.

والأهمّ من هذا كلّه أنّ نكهةً شذيّة ظلّت عالقةً في فمه بعد اللقمة الأولى، كأنّه يدركها بعقله قبل لسانه.

أهذه هي خاصّيّة «أثر المذاق +٢»؟

كان الأمر وكأنّه لا يأكل مجرّد بطيخ، بل يتذوّق صنفًا من أطايب الطعام النادرة.

لا شكّ أنّه يفوق «الجودة ١» بأشواط.

وإن لم يكن قد جرّب الكثير من الأطايب العالميّة، إلّا أنّه يذكر بوضوح أنّه في أيّام الجامعة تذوّق مرّةً بطيخًا مستوردًا فاخرًا اشتراه أحد زملائه الأثرياء من الجيل الثاني، وقد كان طعمه حينها جيّدًا في نظره، لكن بالمقارنة مع هذا البطيخ الحاليّ يبدو ذلك البطيخ المستورد تافهًا.

فكّر في نفسه: لا بدّ أنّ مو تشينغ ستحبّ هذا البطيخ كثيرًا.

أسرع ينهي القطعة التي في يده، وما إن همّ أن يلتقط قطعةً أخرى حتّى رأى أنّ الكلب الأسود قد التهم قطعته منذ مدّة، ويبدو أنّ الطعم أعجبه إلى حدٍّ جعله هذه المرّة لا يتمالك نفسه عن مدّ مخالبه نحو البطيخ على الطاولة.

غير أنّه ما إن التفت إليه تشين لين بنظرةٍ واحدة حتّى أطلق الكلب أنينًا خافتًا، وجلس مطأطِئًا رأسه بخجل، وعيناه القلقتان لا تفارقان تشين لين.

قطّب تشين لين جبينه؛ هذا الكلب الأسود تجرّأ إلى درجة أنّه همّ بالوثوب إلى الطاولة، وهذا شيءٌ لا يفعله عادةً إلّا كلبٌ مدلّل في بيت أصحابه.

ألا يعرف هذا الكلب مكانته؟ أم أنّ عقله قد اختلّ؟

تجاهل تشين لين هذا الكلب الوقح، والتقط قطعةً أخرى من البطيخ وبدأ يأكل؛ فهذه البطيخة طيّبة إلى حدٍّ لا يُقاوَم.

وما إن فرغ من أكلها حتّى شعر بحركةٍ عند قدميه؛ كان الكلب الأسود يفرك رأسه بساقه برفق، ويرمقه بنظرةِ تملّقٍ واضحة.

قال تشين لين في نفسه:

«تبا…»

لقد عجز عن وصف الموقف؛ هل جُنّ هذا الكلب حقًّا؟ أهو الآن يتدلّل عليه؟

وبينما هو ينظر إلى هذا المشهد، أحسّ بالحرج من أن يحرم الكلب قطعةً أخرى؛ فلم يجد بُدًّا من أن يرمي له قطعة بطيخٍ ثانية، وهو يحذّره بصرامة:

«هذه القطعة الأخيرة، مفهوم؟ لن أعطيك المزيد!»

هذا البطيخ ألذّ من أفخر البطيخ المستورد، وكثير من الناس لم يذوقوا البطيخ المستورد أصلًا، وهو الآن يعطي كلبًا شرائحَ من بطيخٍ أجود منه؛ يمكن القول إنّ ٩٩٪ من الناس في مقاطعة يوتشنغ لم يسبق لهم أن ذاقوا بطيخًا كهذا، فضلًا عن هذا البطيخ ذي «الجودة ٢» الأعلى.

أمّا تشين لين فقد التهم هو الآخر شريحتي بطيخ في وقتٍ وجيز، وحين أنهى قطعةً ثالثة، كان الكلب الأسود قد تمدّد بهدوء عند باب المتجر، وبدا منفرج الأسارير وهو يكشف عن بطنه في سعادة.

لم يكن لدى تشين لين ما يفعله في تلك اللحظة، فأغلق باب المتجر من جديد، ودخل اللعبة وهو يعتزم هذه المرّة استكشاف عالمها.

فلعبة «حكاية المزرعة» ليست مزرعةً فحسب؛ فخريطة اللعبة واسعة جدًّا، فيها بلدة صغيرة خارج المزرعة، وميناء، وخلفها سلسلة جبال…

دخل تشين لين اللعبة وسار بشخصيّة المزارع نحو بوّابة المزرعة يريد الخروج لاستطلاع الخارج، لكنّه ما إن وصل إلى الباب حتّى اصطدم بما يشبه جدارًا هوائيًّا غير مرئيّ يمنعه من العبور؛ لم يستطع الخروج مطلقًا.

يبدو أنّ هذا نوعٌ من القيود داخل اللعبة.

لم يكن أمامه إذًا سوى أن يتجوّل في نطاق المزرعة نفسها؛ لا شيء يقيّده داخل هذا النطاق، الأراضي الواسعة المملوءة بالأعشاب في انتظار استصلاحها، والبقعة الفارغة التي ستُبنى فيها المصانع لاحقًا، والنهر الذي يشقّ المزرعة…

وبعد أن أمضى وقتًا في استيعاب حدود المزرعة ومواضعها، خرج من اللعبة.

حين بدأت الشمس تميل نحو الغروب، دبت الحياة في السوق من جديد؛ فهذا هو الوقت الذي يتهيّأ فيه الناس لشراء حاجات العشاء.

نظر تشين لين إلى مشهد اللعبة في ذهنه مرّةً أخرى؛ كانت البطيخات الأربع والعشرون في تلك القطع قد نضجت بالفعل، فسارع يتحكّم في شخصيّة المزارع لقطفها ونقلها إلى المخزن، ثمّ تنظيف عروق البطيخ اليابسة وزراعة بذورٍ جديدة مكانها، بحيث تنضج دفعةٌ أخرى في صباح اليوم التالي.

لكنّه فكّر في أمرٍ آخر: إذا كان سيدخل في مرحلةٍ يجني فيها عشرة آلاف يوانٍ في اليوم حقًّا، فعليه أن يجد سوقًا جديدة للبطيخ.

فحتى لو كان الطلب الصادر عن متاجر الفاكهة في مجموعة المحادثة كبيرًا، فإنّه بالكاد يكفي لتصريف ما يزيد على أربعمئة بطيخة في اليوم.

وهذا هو الحدّ الأقصى لما تتحمّله منطقة تجارةٍ كهذه؛ فمدى الزبائن الذين يتعاملون مع متجرٍ خاصّ صغير لا يتجاوز في العادة خمسة كيلومترات.

بل إنّ مدى زبائن السوق نفسها محدود؛ فعدم وجود موقف سيّاراتٍ واسع هنا يجعل معظم الناس يفضّلون التوجّه إلى ساحة الأعمال في «المدينة الشرقيّة»، حيث يوجد أكبر سوبرماركت في المقاطعة مع موقف سيّاراتٍ كبيرٍ ومريح.

وبينما كان غارقًا في التفكير، تلقّى رسالةً على تطبيق المحادثة.

مو تشينغ، زوجتي:

«لقد عدتُ إلى المحطّة، لا تنسَ أن تأتي لاصطحابي من العمل.»

ما إن قرأ الرسالة حتّى ابتسم، وردّ عليها على الفور، ثمّ أقفل المتجر دون تردّد، وعاد إلى البيت ليستحمّ جيّدًا، ثم غادر مرّةً أخرى ونزل إلى الشارع ليركب درّاجته الكهربائيّة الصغيرة.

كان مبنى «مصلحة الضرائب في مقاطعة يوتشنغ» يقع على ضفاف النهر في «المدينة الشرقيّة». ولمّا وصل تشين لين بدرّاجته الكهربائيّة، كانت الساعة تقترب من الخامسة، وكان موظّفو المصلحة قد أنهوا دوامهم؛ فعملهم يبدأ في التاسعة وينتهي في الخامسة تمامًا.

وبعد قليلٍ رأى تشاو مو تشينغ تخرج من المبنى؛ كان وجهها رقيق الملامح، تضع مساحيق تجميل خفيفة، لكنّ عينيها الواسعتين اللامعتين كزهرة الخوخ أضفتا على جمالها سحرًا خاصًّا.

لم تكن تشاو مو تشينغ من ذلك النوع من النساء اللواتي يَخْلبْن الألباب بجمالٍ باهر، لكنّها من ذلك الصنف الذي يلتفت إليه كثيرٌ من الرجال في الشارع، ويسلكون نحوه دروب الإعجاب.

والمفتاح في كلّ هذا أنّ المحبّ يرى محبوبه أجمل الناس، ما دام كلٌّ منهما قد اختار الآخر بقلبه.

كان تشين لين على وشك أن يلوّح لها حين رأى شابًّا وسيماً بشَعرٍ مدهونٍ بالعطر يلاحقها خارج المبنى وهو يقول:

«مو تشينغ، طريقي يمرّ من هناك، دعيني أوصلك إلى البيت.»

وأثناء كلامه ضغط على زرّ مفتاح السيّارة في يده، فأضاءت أضواء سيارة «أودي» متوقّفةٍ غير بعيد، في استعراضٍ واضح لما يملكه من «إمكانيّات».

كان واضحًا أنّه يحاول التقرب من مو تشينغ.

فعلى الرغم من أنّه موظّفٌ عاديّ هو الآخر، إلّا أنّه بفضل مساعدة والديه وأخته وزوجها استطاع أن يخلق لنفسه رأسمالًا أفضل من أقرانه الذين لم يمضِ على تخرّجهم سوى عامٍ أو عامين؛ فقد دفع خمسة آلاف يوان وامتلك سيارة «أودي».

قالت له تشاو مو تشينغ، وقد شعرت بشيءٍ من الحرج لأنّ هذا المشهد يجري أمام عيني تشين لين:

«تشن هاو، لا داعي لذلك، زوجي جاء ليأخذني.»

ولئلّا تدع أيّ مجالٍ لسوء الفهم، مضت بخطى ثابتة نحو تشين لين، وجلست خلفه على الدرّاجة الكهربائيّة.

وقالت: «لننطلق!»

أومأ تشين لين، وأدار محرّك الدرّاجة الصغيرة ثم تحرّك مبتعدًا.

وقف تشن هاو يحدّق في الدرّاجة وهي تبتعد، ثمّ ألقى نظرةً على مفتاح السيارة الذي في يده، ولم يملك إلّا أن يشعر بالحيرة: أين كان النقص في ما يملكه هو؟

والأدهى من ذلك كلّه: متى صار لها زوجٌ أصلًا؟

لقد ذهبت كلّ «الخضروات الطيّبة» لتقع فريسةً للخنازير!

كانت الدرّاجة الكهربائيّة الصغيرة تنطلق في الشارع ومعها نسمات المساء الباردة، وكأنّ سرعتها بلغت ثمانين كيلومترًا في الساعة.

لفّت مو تشينغ ذراعيها حول خصر تشين لين، وأسندت خدّها إلى ظهره بحنان وهي تقول:

«قلت إنّني أريد أن آكل بطيخًا، هل جهّزته لي؟»

أجابها تشين لين:

«بلى، وقد أعددتُ لكِ مفاجأة أيضًا.»

وتجاهل عمدًا ما حدث قبل قليل؛ فهذا أضعف أشكال الثقة بينهما، وإلّا فلو كان عليه أن يغضب كلّما حاول أحدهم التقرب من زوجته، لكان الأولى به أن يبحث عن امرأةٍ قبيحة لا يلتفت إليها أحد، أو عن فتاةٍ لا يريدها أحد أصلًا.

ولمّا عادا إلى المتجر، قالت تشاو مو تشينغ في لهفة:

«أين المفاجأة إذًا؟»

فتح تشين لين الثلّاجة وأخرج منها النصف الآخر من بطيخ «الجودة ٢»، ثمّ قطّعه إلى شرائح وقدّم إليها قطعةً قائلًا:

«تذوّقي هذه.»

تناولت تشاو مو تشينغ قطعة البطيخ، وقضمت منها قضمةً صغيرة، فما إن فعلت حتّى شعرت بعطرٍ غنيّ ينتشر في فمها، ثمّ بحلاوةٍ لا توصف تغمر براعم تذوّقها.

قالت مدهوشةً:

«تشين لين، لماذا هذا البطيخ لذيذٌ إلى هذا الحدّ؟ لم أذق في حياتي بطيخًا بهذه الروعة.»

قال لها تشين لين:

«أنا أعرف أنّك تحبّين البطيخ، لهذا أعددته خصّيصًا لكِ.»

ثمّ تناول قطعةً أخرى لنفسه، واكتشف أنّ البطيخ بعد أن تُرك في الثلّاجة صار ألذّ وأطيب.

لو استطاع أن ينتج هذا البطيخ «جودة ٢» بكميّاتٍ كبيرة، لما كان من الصعب أن يبيعه بسعر البطيخ المستورد الفاخر، بل ربّما أعلى.

قالت مو تشينغ وهي تمدّ يدها:

«أعطني قطعة أخرى.»

كانت قد تحوّلت إلى فتاةٍ صغيرة شرهة في حضرة الطعام؛ فمع أنّها في العادة تحاول التحكّم في طعامها ولا تكثر من الأكل حتّى لو كانت تحبّ البطيخ، إلّا أنّها الآن نسيت كلّ حميتها، وأخذت تأكل قطعةً بعد أخرى في نشوةٍ لا تخفى.

2025/11/29 · 43 مشاهدة · 1536 كلمة
نادي الروايات - 2026