الفصل 13: الرسالة (2)
“……آه.”
شعرت إيلي بالارتباك، حتى أنها نسيت كيف يجب أن ترد.
لم يكن عليها حملها معها طوال الوقت منذ البداية. كان ذلك فقط من أجل إظهارها وثم نظرت إليه بذهول، وكأنها نسيت كيف تتحدث.
شعر رايفن بنظراتها، فمدّ يده وسحب الرسالة التي كانت الطفلة تمسكها برفق نحوه.
“إذن، لنلقِ نظرة على الرسالة.”
“آه، ها هي!”
عندها فقط، أفاقت إيلي من شرودها وسارعت بمدّ الرسالة إليه.
أخذ رايفن الرسالة التي كانت الطفلة تمسكها بإحكام، وراح يتأملها لفترة بينما يمرر يده على ذقنه بتفكير عميق.
“ماديل… متجر مادل للفواكه، هاه.”
“لماذا؟ هل سيكون من الصعب العثور عليه؟”
“لا، لكن المكان الذي نحن فيه الآن هو المنطقة التجارية، وهذا يبدو في جهة مختلفة. لنذهب إلى الخلف.”
“آه، نعم!”
أومأت إيلي بحماس.
يا ترى، كم من المشاعر تحملها هذه الرسالة المرسلة إلى الابن؟
لم يمر وقت طويل على معرفتها بماري، لكنها كانت دائمًا تحتضنها بحنان، مما جعل إلي ترغب في تحقيق أمنيتها بأي شكل. ربما كان منالمفترض أن تؤلمها قدماها، لكن خطواتها خلف رايفن كانت خفيفة وسريعة.
مر بعض الوقت.
“متجر ماديل للفواكه؟ همم… لا أعرف متجرًا للفواكه، لكن إذا ذهبتما إلى ذلك الاتجاه، فهناك متجر كبير.”
“غريب… متجر ماديل للفواكه موجود هنا، لكن…”
كان الأمر غريبًا.
عندما سألا الناس عن متجر ماديل للفواكه، بدوا متحيرين وأمالوا رؤوسهم بتساؤل. بدأت إيلي تشعر بالقلق وهي ترى تعابيرهم.
ماذا لو كان الأوان قد فات؟ ماذا لو لم يعد المتجر موجودًا؟
وبعد مزيد من المشي، توقف الاثنان أمام مبنى ضخم، المكان الذي أشار إليه الجميع.
كان المبنى مكونًا من ثلاثة طوابق، لكنه لم يكن يبدو كمتجر فواكه على الإطلاق.
ترددت إيلي، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى رايفن.
“هل يُعقل… أن هذا هو متجر الفواكه الذي تحدثت عنه ماري؟”
اتسعت عينا الطفلة، التي كانت كبيرة بالفعل، أكثر من ذي قبل.
لم تتخيل أن يكون المكان بهذا الحجم. كان من الصعب تصديقه كمتجر فواكه.
لكن إيلي لم تكن الوحيدة المندهشة.
“غريب… عندما جئت إلى هنا سابقًا، كان على وشك الإفلاس.”
حتى رايفن وجد الأمر محيرًا.
قبل عشر سنوات، كان قد زار متجر ماديل للفواكه بالفعل. كان عليه أن يوصل رسالة والديّ ذلك الابن إليه. رسالة محملة بالمشاعر، أرسلهاوالدان لم يكونا قادرين على رؤية ابنهما مجددًا. وكان رايفن هو من نقلها.
لقد مرت عشر سنوات على ذلك. رغم مرور الزمن، كان من المستحيل أن يكون التغيير بهذا الشكل. كان المتجر آنذاك صغيرًا جدًا، وكانبالكاد قادرًا على الاستمرار. لكن الآن، أصبح مبنى مكونًا من ثلاثة طوابق مخصصًا بالكامل لبيع الفواكه.
تفحص رايفن المبنى مرة أخرى بدهشة.
“آه، ربما أخطأنا. قد يكون هناك متجر آخر في الزقاق الخلفي.”
“همم…”
عندما ظل رايفن صامتًا، أمسكت إيلي بطرف ملابسه برفق ومدت إليه الرسالة.
“آه… هل يمكنك النظر إلى هذه الكتابة…؟”
“همم؟”
“يبدو أن الحروف هنا… تشبه تلك الموجودة على اللافتة…”
لم تكمل كلامها تمامًا، وأخذت تعض شفتها بتردد.
'إذا قلت إنني لا أعرف القراءة… فقد يعتقد أنني غبية.'
لم تكن تريد أن تظهر سوى أفضل ما لديها. لم تستطع الاعتراف بعدم قدرتها على القراءة. لم تكن طفلة صغيرة، فقد أتمّت العاشرة منعمرها، فكيف لا تستطيع القراءة؟ كان هذا مخجلًا.
خفضت رأسها، لكن الحقيقة أنها لم تكن جاهلة تمامًا بالقراءة. فقد اعتادت النظر إلى كتب القصص التي أحضرتها لها أرييل، لذا كانتتعرف بعض الحروف. لكن الحروف المكتوبة على اللافتة والرسالة كانت بخط متصل، مما جعل من الصعب عليها قراءتها.
نظر رايفن إليها للحظة، ثم أرخى حاجبيه المتجهمين وابتسم بلطف.
“حروف الإمبراطورية معقدة، أليس كذلك؟ حتى أنا لا أجيد قراءتها بالكامل.”
“آه… حقًا؟”
“لكن بما أن اسم ماديل موجود هنا، أعتقد أن هذا هو المكان الصحيح. الحروف في أعلى الرسالة تتطابق مع الحروف على اللافتة.”
“لكني…”
تجمد وجه إيلي.
كان من الواضح أنه قرأ الرسالة التي أعطتها له قبل قليل، فكيف يدّعي فجأة أنه لا يعرف القراءة؟
'أنا متأكدة من أنه قرأ محتواها قبل قليل.'
لكن رايفن تجاهل نظراتها المشككة واقترب من المبنى خطوة أخرى.
كان المبنى الأبيض يبدو أنيقًا ونظيفًا، ولم تكن هناك أي أكشاك أمامه. لذا، توجهت نظراته مباشرة إلى النافذة الزجاجية.
وعلى عكس مظهره الخارجي، كان الجزء الداخلي ممتلئًا بالفواكه الطازجة. بدا وكأنهم اتبعوا استراتيجية فريدة لعرض الفواكه بطريقةمنظمة، وكان المكان مزدحمًا بالزبائن.
عندما رأى الفواكه داخل المتجر، أسرع رايفن نحو إيلي.
“أعتقد أنه المكان الصحيح. الطابق الأول مليء بالفواكه.”
“حقًا؟ آه، انظر! يوجد هنا صندوق بريد جميل!”
كانت إيلي لا تزال غير متأكدة قبل لحظات، لكنها الآن أشرقت ابتسامتها وهي تشير إلى صندوق البريد.
كانت هناك عبارة مكتوبة عليه وهي “ننتظر رسائلكم.”
لكن إيلي لم تكن قادرة على قراءتها. لم تكن تعرف ما كُتب، لكنها شعرت بالطمأنينة لمجرد وجود الصندوق هنا.
أخرجت الرسالة التي كانت تحتفظ بها في حضنها واقتربت من صندوق البريد.
“أضعها هنا، صحيح؟”
“بالطبع. ضعيها بنفسك.”
“……حسنًا!”
ابتسمت إيلي بسعادة، ثم وضعت الرسالة التي أعطتها لها ماري داخل الصندوق.
وفي تلك اللحظة، انطلق صوت رنين واضح من داخل المتجر.
لكن الشخصين الواقفين في الخارج لم يسمعاه.
ظنا أنهما أتما مهمتهما، فاستدارا وبدآ بالمغادرة ببطء.
لكن عندها…
“بالمناسبة…”
“همم؟”
“لماذا طُلب منا وضع الرسالة هنا…؟”
“لست متأكدًا، لنعد ونسأل ماري.”
“نعم…!”
“هل نذهب الآن؟ هيا، امسكي يدي.”
وكأن الأمر أصبح طبيعيًا، مدّ رايفن يده، فوضعت إيلي يدها الصغيرة عليه دون تردد.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الاثنان بالمغادرة…
“انتظروا!”
استدارت إيلي قليلًا نحو مصدر الصوت، لترى رجلًا يبدو وكأنه خرج على عجل، يقترب منهما.
“هاه… هاه… أنتما…”
كان يلهث بشدة كما لو أنه ركض للحاق بهما، وعيناه مثبتتان عليهما.
'هل
هذا كان أول ما خطر ببال إيلي.
كان الرجل يقترب منهما، وكان طوله مماثلًا تقريبًا لطول رايفن.
أمسكت إيلي يد رايفن بإحكام، خائفة من الشخص الغريب الذي اقترب دون أن ينطق بكلمة.
“ما الأمر؟”
“هناك… شخص… خلفنا…”
لم يعر رايفن أي اهتمام للموضوع، لكنه التفت أخيرًا لينظر إلى الرجل القادم نحوهما.
كان رجلًا طويل القامة، بشعر برتقالي اللون.
“يُشبه… حقًا.”
“ماذا؟”
“لا شيء، لنسمع ما لديه ليقوله.”
“ألا تعتقد… أنه قد يكون خطرًا؟”
خشيت إيلي أن يكون من الأشخاص الذين جاؤوا لأنهم تسببوا في إصابة الأميرة روزبينا، فتصلب جسدها من التوتر.
لكن على عكس قلقها، بدا أن توتر رايفن قد خفّ قليلًا.
عندما اقترب الرجل أكثر، أخرج رسالة من صندوق البريد الذي وضعتها فيه قبل لحظات، ثم مدّها إليهما.
“هل أنتما من وضع هذه الرسالة؟”
أومأت إيلي برأسها لا إراديًا، لكنها لم تستطع فهم سبب سؤاله، خاصة مع تعابيره المتجمدة.
تراجعت قليلاً واختبأت خلف رايفن بحذر.
بعد لحظة من التحديق في الرسالة، انحنى الرجل فجأة بعمق.
“شكرًا لكما على إيصالها.”
جمدت ملامح إيلي تمامًا من وقع كلماته غير المتوقعة، بينما ظهر على وجه رايفن تعبير غامض، لم يلحظه أحد غيره.
كان في البداية متفاجئًا، ثم بدا وكأنه يشعر بالرضا.
فتح الرجل فمه مجددًا
“أنتم من عند… تلك السيدة، صحيح؟”
“تلك السيدة…؟”
'لم
…
نظرت إيلي نحو رايفن، الذي أجاب بهدوء
“إلي، قولي له مرحبًا. هذا هو ابن ماري.”
“آه آه. أ،أهلًا بك.”
أخيرًا، تخلّت إيلي عن توترها وحدّقت بالرجل بفضول.
كانت ماري قد أخبرتها أن ابنها في مثل عمرها تقريبًا، لكن الرجل أمامها بدا أكبر بكثير.
في الواقع، كان أشبه برايفن في العمر.
وكان… وسيمًا جدًا.
كان وجهه يشعّ بالجاذبية، وابتسامته لطيفة.
“شكرًا لكم… حقًا.”
بينما كانت إيلي تحدق فيه، انحنى الرجل مرة أخرى، واحتضن الرسالة بقوة، وعيناه تحملان حزنًا عميقًا.
“ل-لا داعي، أنا فقط… أوصلتها.”
“لا، يكفي أنك فعلتِ ذلك. أنا ممتن لكم لرعاية والدي أيضًا.”
نظرًا لتردد إيلي، تقدّم رايفن خطوة للأمام نيابة عنها.
“لا بأس. لقد كبرت كثيرًا… كم عمرك الآن؟”
“أربعة وعشرون عامًا. هل أنت من سلّمني الرسالة حينها؟”
أومأ رايفن بهدوء.
“لا أعرف كيف أشكرك. عندما فقدت والديّ في حادث مأساوي، كانت تلك الرسالة بمثابة معجزة بالنسبة لي. رؤية خطأمي وأبي، وقراءتي لألقابهما المحببة لي، جعلتني أتمكن من الاستمرار في الحياة.”
“سيكونان فخورين بك.”
“آمل ذلك…”
كيف كان شعوره؟
عندما رأت إيلي تعابيره، شعرت بشيء غريب يتردد في قلبها.
هي التي كانت تخشى مقابلة الناس، والتي كانت تخاف من التواصل البصري، وجدت نفسها تنظر إليه مباشرة.
“إذا لم يكن لديك مانع… هل يمكنك إيصال رسالة إليهما؟”
عند هذه الكلمات، جذب رايفن إلي بلطف إلى الأمام.
“إيلي، استمعي جيدًا وانقليها.”
“أنا…؟”
“نعم، سيكون واقعها أعمق إذا نقلتها أنتِ.”
أومأت إيلي بحزم، ونظرت للرجل بجدية.
كان الأمر يتعلق بماري.
كان هذا ابنها، وكانت هذه كلماته لأمه.
ماري التي اعتنت بها، والتي أحبتها من كل قلبها.
لهذا، أرادت أن تفعل ذلك.
ما زالت تخشى الحديث مع الغرباء، لكنه كان شيئًا يمكنها تحمله الآن.
وبدا أن الرجل لاحظ تصميمها، فبدأ بالكلام ببطء.
“هل يمكنني… أن أخبركِ بشيء؟”
“نعم! سأحفظه جيدًا وأوصله.”
“شكرًا لك. إذن… أرجوك، قولي لهما إنني نشأت جيدًا، تمامًا كما كانا يتمنيان. أخبريهما أنني أصبحت فارسًا، كما حلمالي.”
أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع التوقف عن البكاء.
رؤية دموعه جعلت إيلي تخطو نحوه بقلق.
“ل-لا تبكِ.”
“شكرًا لكِ…”
لم تستطع الإمساك بيده أو تقديم لمسة مواساة، لكنها قدّمت له تعاطفها بصمت.
بعد لحظة، هدأ قليلاً، ثم تابع بصوت مرتعش
“أنا متزوج الآن… لدي أطفال. لم يعد والداي هنا، لكنني سعيد. لا يهم أي شيء آخر…”
مسح دموعه بخشونة وهز رأسه.
ما الكلمات التي قد تصف مشاعره؟
بعد صمت قصير، رفع رأسه أخيرًا، ونظر إلى إيلي مباشرة.
“في النهاية، هناك شيء واحد فقط أود أن توصليه لهما.”
“ماذا؟”
“أخبريهما أنني أحبهما، وأنني لن أنسى حبهما أبدًا.”
”…سأفعل، أعدك بذلك.”
نقشت إيلي كلماته بعمق في قلبها، خوفًا من أن تنساها.
مشاعره، دموعه، كل شيء.
لقد أصبح الأمر مهمًا جدًا بالنسبة لها.
بعد لحظة، وكأنه تذكّر شيئًا، أخرج الرجل ورقة صغيرة من جيبه، واقترب من إيلي.
“أرجوك… أعطيها لهما.”
~ ترجمة : سـنو.
~ واتباد : punnychanehe