من الآن فصاعداً الترجمة ما رح يتم التدقيق عليها الين ما أوصل مع المانهوا في الأحداث بصير أدقق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"لا أعلم كيف يكون مَسلك الشياطين، غير أنّ بني آدم لهم خيطٌ خفيّ، يدافعون عنه غريزياً حتى في لظى الحرب.

فمن ذلك مثلاً تردّدهم في أن يغرسوا خنجرهم في عين عدوّ حتى ينفذ إلى دماغه، أو إحجامهم عن إحراق جبلٍ بأسره كي يظفروا بالنصر.

ومع ذلك، فالفوز يسير على من يفقأ الأعين؛ وإن لم يبلغ الطعنةُ الدماغَ، فإنّ ذهاب البصر يكفي، ثم إنّ الطعن يعود إلى العنق أو القلب.

"وكذلك شأن الحرائق في الغابات."

في الحرب، الضمير هو الذي يقضي بالغلبة أو الانكسار. فهؤلاء الذين يتمسّكون بالحدّ الأدنى من المبادئ، وأولئك الذين لا يرون إلا الظفر، فيطرحونها عنهم. وكان من الطبيعي أن يكون طريق هؤلاء الأخيرين أيسر إلى النصر.

ديون هارت لم يُهزَم، ولم يكن استسلاماً… بل خاطرة عابرة:

"إن أشعلوا النار في الجبل ونحن فيه، فذلك ضربٌ من الانتحار."

هكذا راودني التفكير.

الأعداء يُحسنون استغلال ما يسمّونه "الغابة"، أمّا نحن الشياطين فغرباء عنها، لا حول لنا فيها ولا قوّة. وهناك لاحت لي فجأة فكرة:

"نعم… الشياطين يعيشون في عالمٍ قلّ فيه النبات الصالح. فلنُحرِق كلّ شيء إذن."

أعرف أنّ ما يجعلهم يطمعون في عالم البشر هو "الشمس"، لا النبات.

صحيح أنّ غاية "هين" قد تكون نباتاً… لكنهم شياطين يعيشون دهوراً، وسيجدون متّسعاً للشفاء قبل أن يدركهم الموت.

فإن نحن كسبنا الحرب، وملكنا عالم البشر بأسره، فلن ننتظر تعافي الأرض، بل سنجد نباتاً في غيرها من البقاع.

أمّا البشر المختبئون في الغابة، أيموتون حرقاً أم اختناقاً، فليس ذلك من شأني. ما يعنيني هو مكرهم الذي يلتهم الوقت، ويُدنيهم من الأسوار وهم يتفادون الخسائر قبل أي هجوم.

قال ديون بهدوء: "إنّه يوم جميل." فأجابه صاحبه: "…هاه؟" قال: "خريفٌ جاف… يومٌ عظيم لإشعال النار."

ثم أمر برباطة جأش: "أحرِقوا كلّ ما يحول دون تقدّمكم."

وانتقلت هذه الكلمة إلى سائر الشياطين المقاتلين في الساحات الأخرى.

إذ كانوا يجرّون خزي قيود البشر وضغط المعركة، لم يتردّدوا في اتخاذ النار سلاحاً. وما هي إلا لحظات حتى وردت الأخبار عن لهيبٍ يتصاعد من أطراف القارّة.

وجاءه أيضاً خبر أنّ جيش الثوّار، وقد أقام معسكراً خارج الغابة، أضرم فيها النار مع ما يحيط بها من معالم. وقرية أُحرِقت خوفاً من أن يستغلّها بشرٌ آخرون. بل القرية التي لاقى فيها الساحرة "ران" كانت قد ابتلعتها النار من قبل أن يُؤمَر بحرقها.

التفتُ إلى "دان" وكان واقفاً على طرف: "ما بالك؟" قال: "لا شيء."

كانت قريةً مهجورة لا أهل فيها. أأسميه انتقاماً محتوماً، أم غضبةً لا معنى لها؟ على أي حال، لم يكن الأمر يعنيني. أعرض ديون عن ذلك، وغادر المعسكر. وامتلأت عيناه بغابةٍ تتآكلها النيران الحمراء.

"غابة بهذا السَعة… ستحتاج زمناً طويلاً لتلتهمها النار."

لا بدّ من عملٍ يذكي الحريق ويحول دون انطفائه…

سأمكث هنا برهة، ريثما تفنى الغابة.

كان ذلك بالأمس فقط حين خطر لي هذا… فإذا بديون يحدّق بعينيه المرهَقتين في طاولة الاتصال، غير مصدّق لما يَسمع. وإذا بصوتٍ مرتجف ينبعث فجأة…

"وماذا عن ملك الجنّيّات؟"

– "أوقِفوا حالاً… إحراق غابات عالم البشر…"

امتلأ الخباء بصوت "إيد" المتردّد، وهو أمر نادر منه. فدهش "ديون" حتى ضحك ساخرًا.

"لِمَن تكون هذه الإرادة؟"

أي سلطانٍ لرئيس قومٍ لا هم من الشياطين ولا من أهل الحرب، حتى يتدخّل ويجادل؟

كدتُ أن أنطق: "كُفّ عن الهُراء." لكنّي، حفظًا للهيبة، كبحت لساني. وبينما هممتُ أن أُهذّب العبارة وألقيها، خطر لي خاطر مباغت.

– "…ديون؟"

"…"

– "ديون، أأنت بخير؟"

قلت ببرود: "ما الذي تزعمون أنكم ستفعلونه لو لم أشعل النار؟"

– "هاه؟"

ملك الجنّيّات ذو قوّة. له على الأقل أن يُخرج بعض أعشاب الجنّيّات.

تذكّرت ما بلّغني به "دان":

"إنّ رأس الجماعة يزيد نفوذه شيئًا فشيئًا بتوزيع التعاويذ."

لكن سمعت أنّ ذلك وحده لا يكفي ليبتلع الأرض كلّها.

فكّرت أن أوزّع بعض الأحجار السحريّة، لكن عارضني ملك الشياطين، وكان لي شُغلٌ أهم، فأجّلت الأمر…

ارتسمت على فم ديون ابتسامة مائلة:

"بلّغوا ملك الجنّيّات هذا: أأحسب كلامه طلبَ مقايضة؟"

لم أُبالِ بما كان يدور في ذهنه حين نطق بتلك الكلمات. بل وإن ساورتني شكوك، فلا نية لي أن أسأل أو أستقصي. إن استطعت أن أجعلها في صالحي، فحَسْب.

– "…حسنًا."

جاء الردّ بعد تردّد، كأنّ صاحبه لا يجرؤ أن ينقل كلامًا كهذا إلى سيّد قومه.

أضاف ديون بهدوء: "أخبروه أيضًا أنّنا سنستمر في إحراق الغابة إلى أن تُبرَم صفقة."

– "نعم."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولم يطل الانتظار حتى جاء الاتصال.

وعلى خلاف ما توقّعه ديون من جدالٍ طويل، ألقى زعيم الجنّيّات المتغطرس بالمسألة جانبًا منذ اللحظة الأولى.

[ما الذي تريده؟]

[أعشاب الجنّيّات.]

كفاني أنه خرج مباشرة دون مداورة.

لم يُطِل ديون الكلام، بل أجاب صريحًا. كان يعلم أنّ السكوت يُفضي إلى ردّة فعل، فاستبق ذلك بالكلام:

[لست أطلب الكثير. إنّ معي بشرًا تاجرًا، أودّ أن أمدّه بقدرٍ يسير من الأعشاب الطبّيّة على نحوٍ منتظم.]

فمنذ البدء لم تكن هناك نيّة لإطلاق الأحجار السحريّة أو أعشاب الجنّيّات بكثرة، ولو أتيح توزيعها. إنّ الاحتكار بجرعات محدودة يعزّز نفوذ الجماعة العُليا، لكن إطلاقها بفيضٍ يُقوّي عالم البشر، ذلك الذي ينبغي ابتلاعه قبل أن يشتدّ نفوذنا.

[حفنة؟]

[من منظور قومك من الجنّيّات، قدرٌ لا يُذكَر.]

[…]

[لم أسألك: "لماذا ينبغي أن نكفّ عن حرق غابات البشر؟" ولن أسأل هذا ثانية.]

كان ضغطًا لطيفًا متستّراً في ثوب مراعاة.

ديون أراد أن يطوي هذه المماطلة سريعًا. فإن مضت الصفقة وأُطفِئت الغابة، وجب أن نبحث في الحال عن وسيلةٍ أخرى.

ومن هنا قرأ تردّد خصمه، فأخرج ورقة لم يكن واثقًا بها. إذْ إنْ كان ملك الجنّيّات قد تدخّل من أجل سببٍ تافه، كاهتمامٍ بالنبات، لكان ذلك لغوًا، لكن ديون تذكّر لقاءً خاطفًا جمعه به في الماضي.

"ما كان رجلًا خفيفًا يتدخّل في شأن غير قومه ويقضي فيه لأسباب واهية."

إذن لا بدّ أن وراءه علّة عظيمة.

[الغابة ما زالت تلتهب… فماذا تُريد أن تصنع؟]

[…فلنتباحث في مقدار الأعشاب الواجب توريدها، وضابط "الانتظام".]

كما توقّعت.

إذ جاء الردّ إيجابيًا.

كانت نصف الغابة قد التهمتها النيران. وما حولها، ممّا كان يضيء كالشفَق في عتمة الليل، غطّته سحابة سوداء حتى في وضح النهار، مع رماد يتساقط كأنّه ثلج. وسط تلك الأرض المسوّدة، وقد غدت سهلًا بين ما أُحرِق وما لم يُحرَق، كان جيش ملك الشياطين يُقيم معسكرًا مؤقّتًا.

وبأمرٍ من ديون بُسِّطت الخيام أكثر من ذي قبل.

[هذه المرّة سنتحرّك بلا استراحة طويلة.]

إذ لم يعُد ثَمّة داعٍ لبذل جهد في التثبيت.

والآن، ديون يستقبل رجلًا بابتسامةٍ خفيفة. لكن عينَيه الحمراوين أومضتا بنورٍ غريب، كأنّ في النفس شعورًا جديدًا.

"مرحبًا، هين."

"لقد مرّ زمن يا ديون. سُررت بدعوتك لي!"

إنّ الأعداء يستعملون ما يُسمّى الغابة، أيْ يتّخذون من نباتها ستراً.

وأمّا "هين" فهو بستانيّ يتولّى نباتاتٍ آكلةً للّحوم. فإن استُبدلت أغطية الأعداء بنباتٍ يفترسهم، سقطوا بسهولة. فمَن ذا يتوقّع أن يُؤكَل بستره؟

لم يخطر ببالي أنّ هين سيكون ذا نفع. غير أنّ ديون ابتسم ابتسامة عابرة.

"أبعد من هذا…"

قطراتٌ لزجة.

المخلوق في ذراعي هين صاح كأنّه يُحيّيه.

وبينما شكله مألوف قليلًا، تغيّرت ملامح ديون حين سمع صوته، قريبًا من نباتٍ غريب مرّ به من قبل.

"…ما هذا؟"

قال هين: "صادفت زهرة من عالم البشر، فغمرتها بالقوّة السحريّة. فتكوّن شيء شبيه بالـ"بذرة" التي وهبتني إيّاها من قبل. يبدو أنّ تلك البذور التي أعطيتني كانت من عالم البشر!"

"...وهذه هي."

ما دمتَ لا تمسّ أزهار نافذتي، فلا شأن لي. لا حاجة لي بنباتات حارسة ولا بغيرها.

ولمّا همّ ديون أن يدخل صلب الكلام، صرخ "هين" فجأة بعدما تمتم بندمٍ، كأنّ خاطرًا ألمّ به:

"في عالم البشر، ثمّة ما يُعرف بـ ’لغة الأزهار‘. فبحثتُ عنها! وبدأتُ طبعًا بلغة الزهرة التي يُحبّها ديون!"

لست مهتمًّا. لست مهتمًّا… ومع ذلك ظلّ ديون صامتًا، مترقّبًا كلماته التالية.

"لا أعلم على وجه اليقين، لكنّي سمعت أنّ معناها شيء مثل: ’شبابٌ بلا ندم‘ أو ’سأنتظرك‘."

"…هكذا إذن."

لم يُحدث الأمر في نفسه أثرًا.

وبينما يجرّب، عبثًا، أن يوافق بين مظهر زهرة نافذته ومعناها، ألقى بوجهٍ جامد الكلمة التي أرادها:

"أمامك عمل لتنجزه."

وسرعان ما محا من ذاكرته حديث "لغة الأزهار".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان ثمّة يوم واحد فقط جُنّت فيه الشياطين في الغابة، تركض ركضًا هائجًا.

وإلى فزع البشر المتخفّين يترصّدون، ظلّت تركض دون أن تلتقط أنفاسها لحظة، ثم غادرت فجأة كما دخلت.

ولشدّة سرعتها لم يقع قتال يُذكر، فلا خسائر حدثت. لكن البشر الذين سخروا منهم بادئ الأمر، لم يلبثوا أن عاشوا كابوسًا بعدها.

رفقاء الظلّ أخذوا يتساقطون واحدًا إثر آخر.

لم يُعرف السبب.

فجأة ينقطع أثرهم، فإذا ذهبتَ لموضعهم، وجدت أنّهم تلاشى حضورهم. ومع تكرار هذا المشهد المرعب، تهاوت عزائم الجند حتى صاروا يزحفون على التراب.

وحين بلغ المركيز "إيميابل" أرض "ميلر"، وتولّى قيادة الجند، رفع أمر هذه الحوادث الغريبة إلى الإمبراطور، عاجزًا عن حلّها.

فأجابه الإمبراطور دون تردّد: "…وحشٌ من سلالة النبات."

2025/09/02 · 25 مشاهدة · 1351 كلمة
نادي الروايات - 2026