كان ثمّة وحش غريب اصطاده "ديون هارت" في مسابقة الصيد، ولعلّه من ذلك النمط. فلا شكّ أنّ الشياطين بثّت في الغابة وحوشًا من طراز النبات.
ولحسن الطالع أنّ الإمبراطور آنذاك تلقّى نصيحة من "ديون هارت" في كيفية التصدّي له.
"أستطيع أن أبعثها كتابة، غير أنّ ذلك سيستغرق وقتًا طويلاً…"
في الحقيقة، ليس ثمّة سبيل لمواجهته. الأمر أيسر من أن يُظنّ: فقط اقطع الصلة بين ما يشبه فمًا يلتهم الناس وبين الجذور، أو أشعل فيه نارًا تحرقه، إذ إنّ أصله نبات.
وما دام مظهره يختلف عن النبات العادي، فلا حاجة لمعرفة الفوارق الدقيقة، بل يكفي أن تحدّق فيه بعناية.
"في الحقيقة كنت أودّ على الأقل أن أبعث مرشّحي الأبطال ليكونوا عونًا لهم."
في كتاب قديم يؤرّخ حرب البشر مع الشياطين، ورد أنّ قيود الشياطين تزول عند لقاء الأبطال أو شظاياهم. غير أنّ "القيود" غير "القمع"، فالقوى المانعة للسحر المثبّتة في الحصون ستعمل، لكنّها لن تَحول دون قوة أجسادهم.
فصدامٌ بين شيطان يطلق كلّ طاقته الأصيلة، ومرشّح بطل يحمل شذرات من البطولة، كفيل أن يُدمّر ما حوله قبل أن يُعرف لمن الغلبة. لذلك آثر الإمبراطور أن يبعثهم إلى موضع غير "ميلر".
"فما بوسعي الآن إلا أن أبعث بالمعلومة."
ولمّا استثقل أن يرسلها كتابة، أمسك هاتف الاتّصال المربوط بالمركيز "إيميابل" دون تردّد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زُرعت في الغابة بذور مشبعة بطاقة السحر.
وكما يُرتجى من نباتات عالَم الشياطين، نمت في يوم واحد، وتماهت مع نبات الغابة، وشرعت تفترس أو تأسر البشر المتخفّين بين الأشجار وتجعلهم أسرى.
"حقًّا، بدا أنّهم وجدوا وسيلة لمواجهتها، لكن أثرها سرعان ما خبا."
ومع ذلك، كان هذا مكسبًا حسنًا.
وأكثر ما أبهج "ديون" أنّ جنده ظلّوا يتقدّمون حتى قاربوا أسوار القلعة.
ورغم قلّة هجمات الكرّ والفرّ، بقي على الجند أن يتصدّوا أحيانًا للغزاة. وأخيرًا تجلّت أسوار أرض "ميلر".
وما إن ابتعدوا قليلًا حتى انكشفت الرؤية، إذ أزيحت الأشجار التي كانت تحجب النظر، فإذا بـ"ديون" يضحك ضحكة متعجّبة مما أبصر.
"ما كنتُ أظنّ أنّك ستخرج بنفسك لاستقبالي هكذا."
فقد خيّم جند المركيز "إيميابل" أمام القلعة.
كان يتوقّع حصارًا، فإذا بالأمر يميل إلى قتال متلاحم. ولمّا فكّر قليلًا، أدرك مغزى خصمه: يريد أن ينهكهم بهجوم مباغت، بعد أن خرجوا من الغابة منهكين بلا راحة.
ولو لم تُحرق الغابة، أو لو لم تُستعمل نباتات آكلة للبشر، لربّما جرى الأمر كما خطّطوا.
ابتسم بخفّة، وألقى، في الوقت نفسه، بكلمات ساخرة صوب القائد الذي يتبعه:
"يمكنكم القتال الآن، أليس كذلك؟"
"بلى، هذا ممكن."
"حسنًا."
فقد توقّع حصارًا، وتعمد ألّا يستدعي "الكلاب المجنونة" التي تجيد القتال القريب، لكنّ الأمر لا يهم. إذ هناك خطة وددتُ أن أجرّبها، قرأتُها في الكتب.
إنّها خطة مشهورة، استُعملت حتى في "دان" و"الشطرنج".
أمر "ديون" مسرورًا: "إلى جنود الدروع."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولتسريع الحركة اندفع جيش البشر مؤلَّفًا من الفرسان وحدهم.
وفي المقابل اصطفّ جنود الدروع من الشياطين في المقدّمة، ومن ورائهم حملة الرماح. أمّا الفرسان على خيولٍ مأخوذة من عالم البشر، فقد اتّجهوا إلى جانب واحد.
كانت حركتهم بالغة السرعة حتى استحقّت الإعجاب. غير أنّ "إيميابل" الذي كان يرقب من فوق الأسوار، تجمّدت ملامحه.
"انعطفوا إلى جهة الساعة الثالثة الآن!"
صرخ في جهاز الاتّصال ليُسرع في إصدار الأوامر. فبدّل الفرسان وجهتهم فجأة وانسحبوا إلى فراغ مكشوف. غير أنّ حركة الشياطين فاقت المتوقّع.
إذ أُغلق الخلف بتطويق مباغت. فانطبق فم الوحش، ومَن علق بداخله هلك بلا حول. فأطبق المركيز عينيه بمرارة.
كلّ من له علم بالخطط يعرف هذه الخدعة:
"المطرقة والسندان."
خطة تجعل المشاة في المقدّمة، بينما تحيط الخيّالة، السريعة الحركة، لتسحق العدو المحاصر.
تفجّر الغضب في صدره.
ولم يكن الغضب من عجزه أمام خطة مشهورة. فمن ذا كان يتخيّل أنّ الشياطين تقدر على هذه السرعة؟ بل كان غيظه من الخصم الذي يعبث بجنده كأنّه يستمتع بلعبة.
ومن فوق الأسوار يدرك أنّ الخصم يعلم أنّه يُشاهد كل شيء. لا شكّ أنّه توقّع أن تُفضح خطّته لحظة تحرّكت الجنود، ومع ذلك أصرّ على استخدامها.
"أراد فقط أن يجرّبها."
هكذا شعر "إيميابل"، وهو يعضّ على نواجذه.
أتراه يظنّها لعبة شطرنج؟ هنا أرواح لا تُحصى تُعلّق بمصير قرار قائد. ولقد ظننتُه يوم مسابقة الصيد رجلًا عاديًا لا كما زعمت الشائعات، فإذا به يلبس قناعًا.
فأمر بصوت خافت عبر الجهاز: "…عودوا إلى القلعة. سندخل معركة دفاعية."
وعلى خلاف التوقّعات، لم تنهك الشياطين، وفشلت هذه الطريقة.
لقد آن أوان خوض معركة الماء الحقيقية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان متوقَّعًا، لكنه أخفق كذلك.
فما إن كاد الشياطين أن يُحكِموا الطوق حتى أفلت فرسان البشر من فجوة لم تُغلق، كأنّ القائد الذي يرقب من الأعالي أبصر الخطر فأمر بالانسحاب. قيل إن المؤخرة ابتُلعت، لكن لم يتجاوز الأمر ذلك.
وفيما كان الشياطين يُفنون مَن وقع في الفخّ ويعيدون تنظيم صفوفهم، ولج البشر القلعة وأغلقوا أبوابها بإحكام. فقهقه "ديون" ساخرًا إذ أحسّ بإصرارهم على خوض معركة دفاعية.
"هنا، الأجدر أن نُسقطهم بالقوة."
فالأمر يمكن حسمه ببذل جهد، ولا حاجة إلى تطويل فيما يُنجَز سريعًا. رفع "ديون" طاولة الاتصال.
…
– "أعتذر، لكن أرجو أن تكفّ عن استخدام الفيلق. أما يكفي الفيلق صفر وحده؟"
جاء صوت الرفض على غير ما توقّع. فزمّ "ديون" جبينه وقد استمع إلى نبرة متردّدة.
"…ألِي أن أعلم السبب؟"
فإن لم يكن ثمة عذر بيّن، فهو خرقٌ للعهد.
إذ إنّ "ديونهارت" شرط أن يُمحى أثر الإمبراطورية، مقابل أن يُعاضد ملكَ الشياطين في غزوه عالم البشر. لم يُكتب ميثاق ولم تُوضع أختام، لكنه عقد صريح، وحقٌّ ألا يُقابَل هذا الطلب بالرفض.
قرأ ملك الشياطين ملامح الغضب عبر طاولة الاتصال، فحكّ خدّه قائلًا:
"مولد الشياطين قلّ، أمّا الوحوش فقد تكاثرت تكاثرًا ملحوظًا."
…
كنت أعلم السبب في قرارة نفسي.
فبعد أن استُهلك تسعون بالمئة من قوّة السحر لإنقاذ "ديونهارت"، تناقص عدد الشياطين ومواليهم المولودين من قوّة الملك. قيل إنّ ما وُلد من "قوّة الملك" من شياطين ووحوش قلّ عددهم. وللأسف فالشياطين لا يتناسلون، أما الوحوش فذلك ممكن لها.
فالشياطين على خلاف "الطبيعيين"، إنما هم "خلل".
"ثم إنّ الإمبراطور دفع بجيش من مرشّحي الأبطال إلى الحدود. لذا أرى أن نقتصد في إهدار الفيالق، تهيّؤًا لِما قد يطرأ من اقتحام أو مباغتة."
وعند الحدود لم يظهر سوى أولئك الذين يحملون "شظايا البطل".
وما إن سمع الملك الخبر، حتى أيقن أنّ الإمبراطور قد علم بشأن "القيود". ولعله قرأ ذلك في الكتاب العتيق الذي أبصرته آنذاك، وإلا فما الداعي لإرسال تلك القوّة إلى هنا بدلًا من أن يحمي بها عرش الإمبراطورية؟
فللأبطال والشياطين شظاياهم المتقابلة. وإن بدا أنّ بحوزتهم طلسمًا لكبح السحر، فلا بأس، فقوة الشياطين ليست رهن "السحر" وحده. وها هو "تروفَر"، وقد عُطّل سحره، جالس على رأس الفيلق التاسع، فماذا يضير؟
"الإمبراطور يدرك ذلك، وأحسب أنّه أرسلهم عن عمد."
فتحوّل ميدان المعركة، الذي كان سيجلب الدمار للحواضر، إلى الحدود، وشُغل به جلّ قوّة الشياطين.
فإن كان القتال مع الجنود الصغار ـ أي عامّة الشياطين ـ فلا بأس، إذ يمكن القضاء عليهم دون أن تُمسّ الأرض بما يضرّها. غير أنّ الظرف الراهن لا يسمح بهدر الطاقات العظمى على مثل هؤلاء. ومرشّحو الأبطال أصلح لقتال الأقوياء من الشياطين من أن ينشغلوا بالضعاف. فهذا أجدى وأنفع.
واضح أنّه تدبّر كثيرًا قبل أن يُقدِم.
– "ألستَ منذ البدء تعوِّل عليهم أكثر مما يجب؟"
فغشي الصمت "ديون" لحظة، وقد لامس أذنه صوت ماكر يخفي ضحكة مكتومة.
"…حسنًا."
إن كان الأمر كذلك، فعليّ أن أجد سبيلًا آخر عاجلًا. وما عاد ثمّة داعٍ للإمساك بطاولة الاتصال، فاكتفى بمجاملة رسمية وأنهاه.
ثم أغمض عينيه، غارقًا في التفكير.
فبصفته القائد العام، يتلقى "ديون" دومًا أخبار العالم البشري، خصوصًا عن الإمبراطورية، من "ديفيلانيا" و"إيديليا". وكان مما استحضر من الأخبار الأخيرة:
"الإمبراطور يستعمل جيوش النبلاء الخاصة."
حتى الحدّ الأدنى من الجنود الموكّلين بحماية أملاكهم، سُحبوا بالكامل ووُضعوا قيد الخدمة.
وإن كان ذلك في الظاهر لحماية إقطاعات النبلاء وتجنّب نقمتهم، إلا أنّهم متبرّمون من أنّ جلّ جنودهم الآن في خدمة إقطاع "ميلر".
"في حال ظهر شيطان في أرض أخرى تمامًا…"
والقوى مركّزة على حدود الإمبراطورية، ومعظم الجنود في "ميلر"، فماذا لو ظهر شيطان في أرض بعيدة لا قُرب لها من هذه ولا تلك؟
"لا بدّ أنّ النبلاء سيغتاظون."
حينها سيضطر الإمبراطور أن يسحب من الجنود المثقلين هنا ليرسلهم دعمًا هناك.
…نعم، لقد حسمت أمري.
"تعال."
"هل ناديتني؟"
اقترب "دان" الذي كان ينتظر قُربه، كأنّه يترقّب.
ربّت "ديون" على فخذه، نظر إليه شاردًا، ثم سأل ببطء:
"لقد نما كثيرًا بفضل توزيع الأعشاب السحرية، أليس كذلك؟"
"نعم، وقد ذاع صيته. حتى غدا قادرًا أن يثأر لنفسه، ويمحو أثر مَن كان يؤذيه قديمًا."
فاستعاد "ديون" ذلك في ذهنه، ثم استرسل:
"هل انهالت عليكم الاتصالات من كل صوب؟"
"بلى، كثير منها. أهناك مَن تريد أن أتواصل معه؟"
"ملك رويش."
"آه…"
لم يكن حديثًا عابرًا، بل ثقيلًا بما يكفي.
فتح "دان" فاه وأطبقه لحظة، باحثًا في ذهنه، كأنّ الأمر صدمه. هل سبق أن تلقّوا تواصلًا من أسرة "رويِش" المالكة؟
"…للأسف، لم يحدث. لكن لا أظنّه سيأبى لقاءك إن قصدته."
فلعلّ حزنه على فقد أخيه الصغير شغله عن هذا. غير أنّ رجلًا يوزّع أعشابًا عجيبة، إن أقبل عليه، فلن يُفوّت لقاءه. وربما سيسأله عن عشبة تعيد أخاه إلى الحياة.
هزّ "ديون" رأسه موافقًا، ثم أمره:
"اذهب إلى ملك رويش…"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انفرط عقد التحالف، ولم يمدّ ملكُ الشياطين جنده إلى "رويش".
وكان ملك "رويش"، وقد خفّت عنه سائر الهموم، غارقًا في حزن لا يزول.
ناصحوه حثّوه أن يلتفت إلى شؤون الملك، ولكن كيف لمن فقد أهله أن ينجو سريعًا من غصّته؟ كان طيفُ أخيه الأصغر يطارده، فلا يقوى أن ينهض من تحت أثقاله.
وإذ أخذت عزيمته تذبل يومًا بعد يوم، جاءه طلبُ لقاء. فارتجّ الملك الذي غدا حادًّا من شدّة حزنه، وتشنّجت جوارحه.
"لقد أوصيتُكم مرارًا أن تُرفض جميع طلبات المثول بين يديّ."
فقالوا: "لقد سألنا لأنّ الطلب هذه المرة من سيّد "دان سانغانغ"، لا من أحد النبلاء. معذرة… نرفض."
فتجمّد الملك برهة، ثم قال متعجّبًا:
"…مهلًا، رأسُ "الدان"؟"