رفع الملك رأسه، وحدّق في الرجل الواقف أمامه.

فالأخبار لم تنقطع عنه، وإن كان غارقًا في بحور حزنه. لذلك لم يكن يجهل الأمر.

أليس هذا هو التاجر الذي رسّخ مكانته بتوزيع أعشاب غريبة لا مثيل لها؟

"يقال إن لها منافع عجيبة، تداوي الجراح في لمح البصر."

بل إنهم همسوا في مسامعه بأن ذراعًا مقطوعة قد أُعيد وصلها.

"فهل... فهل يمكن أن...؟"

تراودت في خاطره أمنية عابثة، إذ شلّ الحزن عقلَه، فاستسلم لوهمٍ لا يُرجى. ومع علمه بالحق، منح الإذن بدل أن يردّ الطلب.

"سألقاه. أدخلوه."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دخل الرجل الذي يُدعى "سانغ سانغ-جو"، ووجهه مغطّى. ولو كان غيره لاعتُبر ذلك قلة احترام، وطُرد من فوره، غير أن الملك، وقد خابت آماله منذ اللحظة الأولى، لم يُعلّق كثيرًا.

قال الملك: "بما أن أحوال تجارتكم في أوجها، فلا شك أن الوقت ضيّق. فما الذي جاء بك إلى مجلسي؟"

فأجاب الرجل في وقار: "نلتمس إذنًا بفتح فرعٍ لنا في رويش."

قال الملك: "ألم يكن بوسعكم أن تتقدموا بطلب كهذا على نحو رسمي؟"

ابتسم الرجل وقال: "الطريق طويل والإجراءات مُثقلة، فلم أجد بُدًّا من استعجال الأمر ولو على حساب اللياقة، إذ لا ندري ما يخبئ الغد."

تأمله الملك قليلًا، ثم أومأ برأسه: "أذنت لك. إن كان فرعًا من تجارتكم، فهو مرحّب به هنا."

قال الرجل شاكرًا، وانحنى انحناءة عميقة. فردّ الملك إيماءة مقتضبة، ثم بسط السؤال الذي كان يحمله في صدره:

"غير أن لي سؤالًا أهم."

قال الرجل: "سل يا مولاي. فإن أعلمتُ بشيء أجبته بصدقٍ وإخلاص."

"من بين أعشابكم العجيبة... هل ثمة ما يحيي الميت؟"

كان صوته يشفّ عن تردّد وارتباك لا يليق بملك.

نظر "دان" إليه، وارتسمت على فمه ابتسامة باهتة، لكن صوته خرج محمّلًا بالأسى: "للأسف... لا."

قال الملك متنهّدًا: "آه... فهمت."

غشّت عينَيه سحابة استسلام، وأطبق الصمت على المكان.

ثم قال "دان" بعد أن أدار بصره في القاعة: "سمعت بأمر الجنرال... مؤسف حقًا."

ارتجّ الملك في مكانه.

"أجل..." جاء صوته واهيًا.

ولم يبدُ عليه غضب، وهذا ما أراح "دان". فقد كان يعلم أن ذكر موت قريبٍ جرحٌ قد ينكأ القلب، لكنه وجد الملك ساكنًا، كأن التعب أو القنوط خفّفا حِدّة وقع الكلام. فتشجّع "دان" وقال وهو يرمقه بحذر:

"لا بد أنك ناقم على الإمبراطورية."

سكت الملك.

فأردف: "ومن ذا الذي لا يغضب، وقد علم أن الحدود في مملكة تايهون كانت مكشوفة، ومع ذلك صمتوا؟"

قال الملك وقد شهق: "ماذا قلت؟"

رفع رأسه، وألقم "دان" نظرة حادّة، فأجابه هذا وهو يطأطئ رأسه كالمستبهم: "أما كنتم تعلمون أن للحدود في مملكة تايهون شأنًا، ثم أغضضتم الطرف؟ أم لعلكم حقًّا لم تعلموا؟"

ثم أردف متداركًا: "اعذرني... انسَ ما قلتُ. لعلي أثقلتُ...."

لكن الملك قال بصوتٍ بطيء كمن يفرض وطأته: "قل لي... ماذا تريد مني؟"

"عمّ تتحدث يا مولاي؟"

قال الملك: "لا تُغفِلني. الملك وإن كان مكلومًا، فهو صاحب سلطان، يعرف ويدبّر. أتظنّه غافلًا؟"

فالملك، شاء أم أبى، موكول إليه حملُ الأعباء، ومجابهةُ النبلاء في الداخل، وصونُ الأرض من الغزاة في الخارج. ومن قصُر عن ذلك طُمر في هوامش التاريخ ذليلًا.

"ما جئتَ بنفسك لمجرد أمر فرعٍ تجاري. فقل صراحة... ما الذي تبغيه مني؟"

ساد الصمت، فيما دار بصر "دان" متفكّرًا.

إذ كان مأموله أن يثور ملك رويش بكلماته، فينقضّ على الإمبراطورية، ويشيع الفوضى في عالم البشر...

قال: "بلغني أنّ لك صلة بديون هارت. فإن كنتَ تظن أني سأميل إلى صفّ الشياطين فأنت مخطئ. ورغم ما أحمله من ضغينة على الإمبراطورية، فقد أقسمتُ ألّا أقف في صفّ أعدائها."

من هيئته بدا الأمر عسيرًا.

لكن "دان" لم يكن يتوقع الكثير أصلًا، فقال مازحًا في هدوء: "أيُّ كلامٍ مروّع هذا الذي تتفوه به؟"

فأجاب الملك: "كل ما أريد منك أن تُغمض عينيك برهة."

ما دام الشياطين يعبرون "رويش" في طريقهم إلى جزءٍ من الإمبراطورية، فالأمر ليس تحرّكًا واسع النطاق، وإن أعنا الملك قليلًا فلن يلحظنا سائر البشر.

"فلتغضّ بصرك إذن."

قال الملك: "لستُ في صفّ عالم الشياطين، أنا فقط أغمض عينيّ. ولن يصيب رويش ضرر."

وسكت لحظة، يمرر أصابعه على ذقنه متفكرًا، ثم قال:

"لنعد إلى ما ذكرتَ قبل قليل. هل كان الإمبراطور حقًّا يعلم بوجود الحدود في مملكة تايهون؟"

ابتسم "دان" ابتسامة خفيفة، تحمل في طيّاتها إقرارًا.

ولم يكن ثمّة داعٍ للكذب بشأن أمانها. فاللوم في الأصل يقع على تايهون، إذ أخفت أمر تلك الحدود عن الإمبراطورية. لكنه آثر الصمت.

قال الملك: "حسناً، سأُجيز لتجارتك ما تحتاج."

"هذا يكفي."

وبعد زمنٍ من لقائهما، أخذت الشياطين تظهر قرب أراضي "لوفيل" في جنوب الإمبراطورية بمحاذاة "رويش".

أرضٌ أهملها الإمبراطور لأنها لم تكن من حدود الحرب، فإذا بالشياطين تفاجئها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سمعتُ أن "دان دانانغ" قد مدّ نفوذه بتوزيع أعشاب لم يرَ البشر مثلها قط، فضلًا عن التعاويذ. وبذلك الحجم الذي بلغَه، صار يثقل كاهل أولئك الذين كانوا يكبحونه في الماضي.

وفوق ذلك، جاءت الأخبار بأن شياطين ظهرت في إقليم "لوفيل" الجنوبي، الذي كان يُعدّ آمنًا.

ولم يعرف "ستيغما" بالأمر إلا بعد أن فرغ من إبادة قبائل "بارباي" في الجنوب. فلما بلغته الأنباء، ضحك ملء صدره.

لقد كان الأمر هزليًا حقًا.

قال ساخرًا: "قالوا إني عارٌ على العائلة... والآن يبدو الأمر حسنًا. فبعد أن انقرض أولئك، لعل الحال قد صلح."

إنه بطل الإمبراطورية الثاني "ستيغما بريميرو".

اسمه الأول: "ستيغما لوفيل".

ذلك الوغد النجس، وصمة عار وعائق أمام أسرة لوفيل.

ألقوه في ساحات القتال، يطلبون موته العاجل، واليوم يسعون وراءه باسم الدم. كان المشهد مضحكًا حقًا.

رفع رأسه وقال وهو يبتسم باحتقار: "كنتُ سأوصيكم أن تهملوا كل رسائلهم. أما خبر آل لوفيل، فخبر فنائهم يكفي."

فجاءه الرد: "سمعًا. المعذرة."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وجّه الإمبراطور جيوش النبلاء الخاصة نحو الإقطاعات القريبة من الحدود، وبعد توزيع يسير، صبّ معظم القوات في إقليم "ميلر".

أي أنّ الأقاليم البعيدة عن الحدود تُركت شبه خالية من الجند.

فما المتوقع إذًا حين يظهر شيطان هناك؟

قالوا: "مولاي، إن هذا دليلٌ على أنّ أرضًا آمنة لا وجود لها. فالأمر لا يقف عند الأقاليم الحدودية، بل حتى أراضي الحُكّام الصغرى بحاجة إلى دفاعات لمواجهة الشياطين متى ظهروا. غير أن جيوشنا قد سُحبت بأمر جلالتكم، وهذا يجعلنا عاجزين. نلتمس منكم أن تعيدوا إلينا رجالنا لنحمي أنفسنا."

لم يكن هناك حدّ واضح، ومع ذلك ظهرت الشياطين بغتة. فلا غرابة أن يتملكهم القلق.

فكّر الإمبراطور في نفسه: "أيّ حيلة استخدموا؟"

لقد أُقيمت حول القلاع مخيّمات تكبح السحر، لكن السحر يظل ممكنًا ما لم يُغطِّ كامل الإمبراطورية.

شمّ رائحة دمٍ حادّة تخترق أنفه. وبما أنّ النبلاء لم يبدوا أدنى ردّ، أدرك أنها محضُ وهمٍ يراه هو وحده. شدّ الإمبراطور قبضته وفكّها، محاولًا أن يُمسك بزمام عقله المرتجف.

"ما احتمال أن يستمرّ تحركهم على هذا النحو مستقبلًا؟"

سواء كان بسحر أو بغيره، فالحركة الواسعة غير ممكنة، إذ لم يظهر سوى نفر قليل.

"أجل... إنهم قلّة فحسب."

لكن حركة لا تُسفر عن هجمات صغيرة.

كلمات متناثرة تدور في ذهنه، حتى جمع شتاتها، واستخلص جوابًا واحدًا.

فتح فمه ببطء: "هذا..."

فجاءه الصوت: "إنه عددٌ وهمي."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التقط سمعي صوتٌ وادع، وإن لم يكن ضعيفًا.

حتى الإمبراطور، الذي بلّل الدمع وجنتيه، كفّ عن البكاء، وحدّق في الدوق بعينين متسعتين وسط نظرات القوم. وجاء صوته الرزين ليُضيء ثِقَل المجلس:

"تمهّلوا، وانظروا في الأمر بصفاء. ما كُشف عنه ليس إلا نفرًا قليلًا من الشياطين. نعم، تحرّكت جموع من الجند، لكنّ ما ظهر منهم لم يشنّ بعدُ هجومًا."

"...آه."

"إنه رقم موهوم، خُدعتم به لزعزعة الإمبراطورية. ولعلّ الشياطين طمعوا في مثل هذا المآل."

لو أنّ الإمبراطور، وقد أعياه ضغط النبلاء، أعاد توزيع الجنود على كل الأقاليم أو ردّ الجيوش الخاصة، لكان ذلك أعظم ما تريده الشياطين.

العينان البنفسجيتان لم تُخفيا شفقة على الوجوه التي فزع أصحابها. فتراجع بعضهم، وخفّت الضوضاء التي كانت تعصف بالقصر.

قال الدوق: "لا أعلم ما الوسيلة التي استخدمت، لكن من المؤكد أنّها لا تسمح بانتقالٍ واسع. فلو أمكن ذلك، لاجتاحت الشياطين كل الأقاليم منذ زمن، ومنها أرض لوفيل."

فاغرورق وجه "فيكونت لوفيل" شاحبًا، والدوق يبتسم دون أن يلتفت إليه.

"اهدأوا إذن. لا تُعطوا الشياطين ما يريدون."

"لكن..."

تردد الفيكونت كمن يُريد ردًّا، غير أنّ الإمبراطور تقدّم.

وبفضل شرح الدوق، لم يبقَ إلا القرار دون إسهاب. نظر إليه، ثم حوّل بصره بفتور إلى "لوفيل"، وقال:

"أولًا: ما من شك أنّ ظهور الشياطين ثابت. فلنرسل مددًا إلى إقليم لوفيل، وكذلك إلى الضياع القريبة. لكنّي أرى أنّ إعادة الجيوش الخاصة مبالغة."

وهذا عين ما يرجوه عالم الشياطين.

جال الإمبراطور بنظره في القاعة وقد سكن ضجيجها، وأخذ يُفكر في أمر "ميلر"، الذي سيختل توازنه إذا سُحبت منه الجنود.

لم يكن في وسعه أن ينزع الجند من أقاليم أخرى، إذ صُبّت معظم القوات هناك، ولم يُترك سوى نزر يسير في سائر البقاع.

"...لا بد أن أرسل فرسان الاحتياط قبل أن يتوجّه ستيغما بريميرو جنوبًا."

وما دام الوقت قد ضاق، وجب عليه ترك مجلسه والانصراف حالًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"فلنشيّد جبلًا."

كان بعض الجنود في إقليم "ميلر" قد نُقصوا لإعانة لوفيل، وذلك كل ما جرى. ومع ذلك فحراسة القلعة باقية، ولذا كان على "ديون" أن يجد سبيلًا يتخطى به الأسوار.

وجاءت الخلاصة: "الجو ملائم لردم التراب."

خلف القلعة غابة.

أخرج "ديون"، وهو يضغط سيجارته المشتعلة على حزام فخذه، منديلاً أسود، ثم استدار.

وقال: "سأدخل لأستريح قليلًا، فشيّدوا الجبل في غيابي."

وأردف، كتنبيه: "ولا تُهملوا الحراسة."

بكلمة واحدة من القائد الأعلى، تحرّكت الجبال.

الشياطين تجرّ التراب. وما أن لمح "مارغريف أميابل" التراب يتكدّس أمام الأسوار، حتى أدرك مقصد "ديون هارت".

"إنه يريد تسلّق الأسوار بجبله."

ولم يكن في نيّة "أميابل" أن يقف متفرجًا.

قال بأمرٍ هادئ وهو يراقب التراب يتراكم بسرعة: "أعدّوا الرماة. واستدعوا فرسان بريميرو الذين وصلوا آنفًا."

فإن كان بناء الجبل عملًا يلتهم الزمن بلا عرقلة، فكيف به إن أُقحم العدوّ في سبيله؟ وكم من وقت سيضيع؟

"إنه أمر حسنٌ لمن يُريد إطالة الانتظار."

ولعل الحظ يسعفهم فيخوضون معركة الماء.

تطلّع "أميابل" إلى الأسفل بعينين قاسيتين.

2025/09/04 · 14 مشاهدة · 1501 كلمة
نادي الروايات - 2026