"إنها تمطر سهامًا."
ارتبك الشياطين الذين كانوا يحملون التراب وقد نزل بهم العقاب، وبين حيرتهم خرجت جماعة من الفرسان على صهوات خيلهم من بوابة القلعة التي فُتحت قليلًا.
اندفعت حوافر الخيل تصهل نحو الشياطين العُزّل، تُثير التراب الذي لم يُرصّ بعد. ورغم أنّ الخصم لم يكن من البشر بل من عالم الشياطين، اندفع الفرسان بجرأة، لا يعرفون تردّدًا، كوحوش أفلتت من قيودها، تهجم لتقتنص الفريسة.
وفي لحظة خاطفة… سقط رأس شيطان يتدحرج فوق التراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ غادرتُ قلعة ملك الشياطين، عادت إليّ الكوابيس تؤرق مضجعي. وبسببها بات نومي أشدّ قِلّة.
"لعلّ هذا سبب أنني ما عدتُ أتقيأ دمًا كثيرًا."
قلّ حدوثه حتى كاد ينعدم.
"ظننتُ أنّ السهر السبب، فجربتُ أن أستريح قليلًا."
طوى "ديون" المنديل الأسود بتمهّل، وضعه في صدره، ثم رفع رأسه، وضمّ ذراعيه، وضحك بمرارة وهو يشاهد المشهد الدموي الجديد:
"لحظة غفلة واحدة، كافية ليصير الحال هكذا… ولن تذوق راحة بعدها."
"...عذرًا."
سأله ديون: "أين كان الحارس؟ ألم يكن بوسعه أن يرى سهامًا تُشهر من فوق أسوار القلعة ولو من غير تدقيق؟"
فأجابه: "لقد قام بواجبه."
قدّم الحُرّاس تقاريرهم أنّ العدو يوجّه السهام من الأسوار، غير أنّ الخلل كان في ردّ الفعل بعدها.
تنفّس ديون زفرة حادة بعدما سمع القصة كاملة: "لا أدري من أين أبدأ."
كان يعلم أنّ بناء جبل ترابي لأول مرة أمرٌ شاق، وأنّ من يقومون بالحمل والردم سيبقون بلا دفاع، فأدرك أنّ بعض الخسائر أمر متوقّع.
لكن الفرسان الذين باغتوا الهجوم لم يبدوا كغيرهم، بل كانوا أشبه بفرسان "ستيغما بريميرو". لم يكن غريبًا أن يُوقعوا الأذى… غير أنّ ديون تمتم: "لقد أوصيتكم بأن تُحاطوا بالبَواسل حمايةً من هجوم مباغت كهذا."
ورغم كثرة ما يُمكن معاتبته عليه، قرّر أن يُشير إلى الأهم:
"لا حاجة أن تشيّدوا الجبل بأنفسكم."
"ماذا؟"
"لدينا أسرى."
فإن كانت السهام تعوق العمل، فليُستَخدم الأسرى بدلًا من شياطينه.
وكان من المصادفة أنّ بين يديه أسرى اقتنصتهم نبتة مفترسة في الغابة. كانوا ذوي بنية قوية، كأولئك الرماة الذين أرهقوا الحصون.
"ولِمَ لا يُسخَّر هؤلاء لبناء الجبل؟"
ابتسم في نفسه وهو يفكر: "هل سيرمي الجندي سهماً في صدر رفيقه؟ وهل لمرغريف أميابل أن يأمر بقتل رجال من قومه؟"
استعاد ديون صورة ذلك النقاش الذي دار بين "أميابل" و"ستيغما" في مسابقة الصيد، حين دافع أميابل عن قبيلة "بارباي" قائلًا إنهم بشر كذلك. أتراه الآن يأمر بقتل أبناء إمبراطوريته؟
"لكن… سواء قُتلوا أو لم يُقتلوا، فلن نخسر شيئًا."
إن قُتلوا استُخدموا كما هم، وإن تُركوا أحياء فسيُستعملون أيضًا.
صحيح أنّ بناء الجبل سيستغرق زمنًا، لكن لم يجد حيلة أوجع للعدو من هذه.
هزّ رأسه وقال: "لا بأس. ما هذا إلا قيد آخر أضيف إلى قيودي التي وُلدتُ بها. فلا جدوى من البكاء على عجزٍ قديم."
ثم أصدر أمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكوّمت الأتربة أمام أسوار القلعة. لكن هذه المرّة… لم يكن الشياطين من يرفعونها.
"هؤلاء…"
كان أولئك الذين تراهم يومًا إخوة سلاح، يقفون هناك. تردّد أنين بين الصفوف. الذين توقّعوا حيلة بناء الجبل من جديد، وأعدّوا أقواسهم للرد، رفعوا أبصارهم في حيرة، يتطلّعون إلى قائدهم.
المركيز "أميابل" عضّ على نواجذه، وعيناه تستصرخان جوابًا.
"تبا لك."
كيف تُقدِم على ذلك وتحوّله فعلًا؟
رأى رجالًا يُساقون قسرًا ليكوّموا التراب. ويدرك أنّ المرء حين يُهدَّد بالحياة لا يجد خيارًا إلا الطاعة. في عالم يفيض بالخطايا، صار الذنب ذاته أمرًا مُشوَّشًا.
"لا بد أن أقتله."
لا يمكن أن يُبقي عينيه مفتوحتين وهو يراقب الجبل يتراكم أمام الأسوار. لا سبيل آخر لإيقافه. وكان عليه واجبٌ أن يمضي في أمر مولاه.
تردّده لم يطل. فرغم رقّته، إلا أنّه مركيز الحدود، صلبٌ لا يلين. كبَح جرح قلبه، وأطلق الأمر ثابتًا:
أمر جنوده أن يوجّهوا سهامهم إلى رجالٍ كانوا يومًا رفقاءهم.
"ارفَعوا أقواسكم."
"…!"
دبّت رجفة في الصفوف. التفتت الوجوه في دهشة إلى صاحب الصوت، وانحنى آخرون بعيون مرتجفة. قلائل فقط رفعوا أقواسهم متردّدين.
فأعلى "أميابل" صوته: "قلت لكم: ارفعوا الأقواس!"
بعض الذين تطلّعوا إلى قائدهم، طأطأوا رؤوسهم. لكن صوته اخترق التردّد:
"إن لم نقتلهم، فسوف يقتحم الشياطين القلعة! آنذاك ستُداس نساؤكم وأبناؤكم وأعزّ ما تملكون بأقدامهم!"
تلاشت النظرات المرتابة، وكثُر من رفعوا الأقواس.
"إن سقطنا، مات خلق كثير! ليس أهل هذه الأرض وحدهم، بل جميع من وراءها! لقد جعل مولانا هذا الحصن آخر بوابة للعاصمة. فإن عبرته الشياطين، هلك من الأنفس ما لا يُقارن بهؤلاء الذين تهابون أن تُوجَّه إليهم سهامكم!"
فأصبح في يد كل جندي قوس، وانقلبت العيون إلى صلابة.
"لا بد أن نصمد هنا! وإن لم نستطع النصر، فلنُشترِ الوقت على الأقل! ارفعوا أقواسكم، وصوِّبوها… قاتلوا!"
سكنت الفوضى، وحلّ جوّ من رهبةٍ وجِدّ. تقدّم الجنود، وعلّقوا السهام في الأوتار. وإن ظلّت أيادٍ ترتجف وهي تُصوّب، فإن أكثرهم لم يتردّد.
وما إن وُجِّهت السهام إلى صدور رفاق الأمس، حتى دوّى ضحك صاخب.
المركيز "أميابل" صمت.
"…فوجود جنيٍّ قرب الأسوار يمنع استعمال السحر."
لكن، هل يُستثنى ما نُقش بالسحر في أدوات مخصوصة؟ نعم، فذلك يعني أنّ مقعد التواصل يعمل.
اصطدمت الأنظار بمكان واحد.
في معسكر الشياطين، كان رجل أشيب الشعر يقهقه بجنون، وفي يده حجر سحري مسحور بتعويذة مكبّر صوت. اشتدّت الرهبة مع صوته، حتى كفّ عن الضحك. حدّق بعينيه الحمراوين المتقدتين، وقرّب الحجر من فمه.
– "كنت أعلم… أيها المنافق."
"…"
– "أليس كثيرًا أن تتخلّى عن رجالٍ أفنَوا أعمارهم معك، وليسوا من عامّة الإمبراطورية؟"
كيف أصف شعوري؟ لعلّه خيبة أمل.
كنتُ أظن بك خيرًا، لأنّك رفعت صوتك يومًا في وجه "ستيغما"، ودافعت عن قبائل أخرى لمجرّد أنهم بشر. وفي النهاية، اخترت أن تهجرهم.
صحيح أنّ القرار منطق وعقل. إنّه موقف قائدٍ عظيم، لم يفقد هدوءه، واختار الأصلح.
"لكن… هل يرونه كذلك؟"
رمقتُ أولئك الذين يُساقون لتكويم التراب. وجوههم تصرخ بالصدمة. فاتخذ "ديون" قراره على الفور: لا بد أن نُحرّك الجنود فوق الأسوار نحوهم.
وما كدت أفكر بكيفية القول، حتى مزّق الصوت السكون:
– "منذ لحظة شرعوا في بناء الجبل صاروا خونة."
لم يصرخ، والمسافة بعيدة، لكن السكون الموحش جعل الصوت يبلغ "ديون" واضحًا.
"يا للعجب."
كان خطأً. ارتسمت بسمة على فمه.
"كان الأجدر أن يُخلّدوا بالشرف، لا أن يُسحقوا بالعار."
وما ضرّ لو امتدح شجاعتهم بدل أن يوصمهم بالخيانة؟
ضحك. لم يكن في قلبه فرح، لكنه علم أنّ الضحك الآن أجدى.
صوت الضحك اجتذب المركيز، ذاك القائد الموثوق، وألقاه أرضًا.
– "أيعجز عقلك أن يُدرك أنّهم لم يفعلوا ذلك برغبة؟ لا تقتل رجالك فحسب، بل ها أنت تَطأ شرفك بالوحل."
"…!"
فمن ذا، بعد هذا، يفتدي حياتك بروحه؟
"واحدًا تلو الآخر، أخذ الجنود على أسوار القلعة يُرخون أقواسهم شيئًا فشيئًا. عندها فقط أدرك المركيز (أميابل) خطأه، فاعترى وجهه عبوسٌ عميق.
'فما الذي نصنعه الآن؟'
بطبعه، هل يستطيع أن يجعل من أحدهم عبرةً إن هو عصى الأمر؟ وحتى لو قُدِّر ذلك، أفَيُعقل أن تُقطع رؤوس الجميع؟ لا، فالقسوة المفرطة ليست صالحة على المدى الطويل.
كان (ديون) يرقب هذا السلوك بعينٍ ترى فيه بذرة فكرٍ مثير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عجبًا، لقد كان الشرخ الضئيل كافيًا لأن يهدّ حصنًا كاملًا.
إن (أميابل) في ميزان الأبيض والأسود رجلٌ صالح الخَصلة. قد يكون ذلك ميزة للفرد، ولكنه عيبٌ في قائدٍ يتصدّى للحروب.
حتى هو نفسه لم يُطق أن يصوّب سهامه إلى صدور رجاله، فكيف بجنده وقد بدت عليهم الكراهة، وأنفوا أن يتبعوه؟
'ومع ذلك… كان مُدهشًا لقائدٍ رقِيق.'
فـ(أميابل) لم يتهاوَ إلى درك العجز، ولم يترك نفسه صريع الحيرة بين هذا وذاك. بل بدلاً من أن يغيّر مساره ويحول دون بناء الجبل الترابي، تركه يتكدّس أمام ناظريه، وما إن اكتمل أو كاد، حتى وصل الألواح التي أعدّها سلفًا بالجبل، واندفع من خلالها للهجوم.
وما إن ظنّ أنه يستطيع القليل بعد، حتى دوّى الانفجار! فاهتزّ مذ سمع صخب الجنود يخترقون المعسكر.
ولما لمح فرسان (برييميرو) يتقدّمون من المواجهة، يقصِفون الشياطين، ظنّ للحظة أنّه يحلم.
'لقد كنت على وشك أن أنقلب عليهم.'
فالأسرى لم يقدروا على مقاومةٍ نشطة، بل حُسب سلوكهم الخامل أمرًا مألوفًا. ومن ذا الذي كان يظن أنّ ألواحًا أُعدّت خلف جدران القلعة المستورة؟
عند اكتمال البناء، كانت هناك قوات مصطفّة عند السور القريب، غير أنّ أكثرهم تظاهروا بالخمول والجمود. والذين لم يتواروا بدَوا وكأنهم على أهبة الدفاع فقط، يترقبون الشياطين القادمة، حتى ما التفت أحدٌ إلى ما وراء.
'بل كنت سأرتاب أكثر لو أنّ الجند لم يجتمعوا، وظلّ الأمر كالمألوف.'
لقد كانوا يزيدون العسكر قليلًا قليلًا، حتى غدت كثرتهم لا تُلحَظ.
ولو أنّ القتال كان بين بشرٍ وبشر، لكان الخسف نازلًا بهم، ولو لم يوجد الفيلق الصِّفري أصلًا.
بل حتى لو كان الجنود الأحرار – لا الأسرى – هم من يكدّسون التراب، لنالهم البلاء. لا شك أنّها غارة خاطفة حين كان الجهد واهنًا.
ولذلك، فسلامٌ عليك أيها الراحل. لقد شددتني طويلًا بمنهجك: "إن لم تستطع منع البلاء، فاشترِ الوقت على الأقل."
'الآن أدركُ سرّ مضيعتك للوقت.'
حين دخلتُ القلعة، ما وجدتُ فيها إلا الجنود. فكان جليًا أنّ الوقت إنما اشتُري ليُجلى الناس إلى أرضٍ أخرى.
قبض (ديون) على سيفه، وألقى نظرة على جثمان المركيز المسجّى، كأنما أراد أن ينقش صورته في قلبه، ثم رفع رأسه ومضى.
وكان كلّما خطا، ركلت قدماه جسدًا هامدًا.
'فرسان (برييميرو)… لا شك أنهم سيُدركون هم أيضًا.'
قد آن وقت المسير من جديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أما يعجبك الطعام؟"
رفع الإمبراطور رأسه من على طبقه، وقد كان يحدّق صامتًا في اللحم البارد أمامه، إلى الصوت الرقيق الذي خاطبه. التقت عيناه بعيني وليّ العهد، والقلق يظلل ملامحه.
"لا رغبة لي في الأكل. أولم أقل لك أن تجلس إلى المائدة مع (أليثيا)؟"
وضع ما في يده من فضّة على الطاولة. تبعته عينا الأمير، تنتقلان من يده إلى قطعة اللحم البكر.
الأميرة التي كانت تقطع لحمها في الجهة المقابلة، سرّحت طرفها إلى طبق الإمبراطور، وأبدت قلقًا صامتًا. لكنها ما إن لمحَت في عينيه رغبة في التجاهل، حتى تظاهرت بعدم الاكتراث، وأعادت بصرها إلى صحنها.
غير أنّ وليّ العهد لم يترك الأمر. صوته المتوتر اخترق رحابة القاعة، التي لم يجلس فيها غير ثلاثة.
"…قد بلغني أنّك لا تأكل جيدًا منذ زمن."
"…"
"لقد أوشكت على الهُزال."
كانت كلماته أقرب إلى استجواب، ومع ذلك لم يغضب الإمبراطور.
فقد علم في قرارة نفسه أنّه لا يتكلم إلا شفقة، فخفض جفنيه متثاقلًا، وتظاهر باللامبالاة، مستبشرًا بأنّ الخدم قد غابوا عن المشهد.
وعادةً ما كان يواجه مثل هذا الموقف بصلابة، ويرفض بإيماءة حاسمة. لكن هذه المرّة الأمر كان مختلفًا.
"أهي هلوساتك تزداد سوءًا؟"
رفعت الأميرة رأسها في فزع من جرأة السؤال، ومن ثقله. احتكّ السكين بالصحن، فأصدر صريرًا كئيبًا.
أدرك الإمبراطور أن لا مهرب، فحرّك شفتيه ببطء.
"…ذلك لا يمكن."
إنّ الأشباح السوداء التي شوّشت بصره قد خفّت بالفعل. بل على العكس…
خفض الإمبراطور بصره وقال:
"إنما…."
"…"
"إنما لا شهية لي، لأن رائحة الدم لا تزال عالقة في أنفي."