من خلال قيادة القمّة ألفتُ أن أتعرف على شتى الأخبار، وتعلّمت أن للصمت سطوةً لا تُجارى. ورغم أن العتمة حجبت عني الرؤية، إلا أن عينيه كانتا قد اكتسبتا نضجًا لم أعهدْه من قبل، كأن سكينتهما أطفأت شيئًا من اضطرابه القديم.
التفتُّ على عجل.
"إلى أين يفضي هذا الممر؟"
"...ثمّة طريق يقود إلى جوف القصر، وآخر ينحدر نحو مكان موحش في أطراف هذه الأرض."
"مداخل شتّى."
"هو سبيل أُعِدَّ للهروب ساعةَ الخطر، إذ يصعب أن يُعتمد على طريق واحد."
"وسيدي، إلى أين تعزم أن تمضي؟"
وبينما أخذت عيناي تألفان السواد شيئًا فشيئًا، بدا الدرب يتشكّل أمامي. رفع دان بصره يتبع اليد الممسكة بكمّه، فيما توقّف ديون عند مفترق الطرق هنيهة، واضعًا أنامله على فمه كأنما يستحضر ذكرى قديمة.
ثم بدا أنه وجد ضالته، فانطلق يقود الجمع في اتجاه واحد.
"إلى القصر. هناك وجهٌ أريد لقاءه."
ذلك الرأس الدمية الذي نصبته الأيادي الطامعة من أعوانه.
ما زلتُ لا أفقه كيف لرجلٍ كنت أحسبه أول الفارّين أن يظلّ قابعًا هنا. ألم يهرب حين لمح ديون؟ حتى لو تملّكه القليل من الرعب، أليس ذاك ما جعله يلوذ بهذه الفيلا؟
هرب مرة، فهل عجز عن أن يهرب ثانية؟ أهو خيانة نزلت به أم بقاءٌ عن طيب خاطر؟ أياً يكن، فقد أراد ديون أن يواجه وجه ذلك السيّد، ويعرف السبب يقينًا.
"إنه غريمٌ عليَّ أن أقتله على كل حال."
"ذاك حق، غير أنّ... هل تنوي الذهاب هكذا معًا؟ إن فيه خطرًا جليًّا."
"ستكون حمايتي عليك."
"ماذا؟"
"أما زلتَ تحسن صنعة السيف؟"
ألقى دان نظرةً مدهوشة على ديون الذي يمشي أمامه، لمعت خصلات شعره البيضاء في العتمة واضحة.
(صحيح أني صرت أجيد السيف... لكن ما عساني أقول عن هذه الثقة المفرطة من رجل لا يثق بي؟)
وجد الأمر ساخرًا لكنه لم يضحك. وبعد صمت قصير، نطق ببطء:
"أكرهك يا سيّدي."
"أعلم."
"أشعر بالحقد، بل بالكراهية قليلًا."
"ذاك أعلمه أيضًا."
"أفتسلّم روحك إليّ، وأنت تدرك أنك لا تثق بي؟"
ابتسم ديون باستخفاف.
"أتظنني لا أؤمن بك؟ لو كان الأمر كذلك، لما بقيتُ معك وحيدًا منذ البدء."
"...."
"أعلم أنك لن ترضى أن تراني أهلك."
كان واثقًا أن دان لن يقتله. بل إنه أيقن أنه لن يكتفي بعدم قتله، بل سيسعى لحمايته.
"أنا لبّ مستقبلك، فكيف تقف متفرّجًا على موتي؟"
"...."
"أنا الأداة والغاية في آن، التي ستفضي بك إلى مأربك، أليس كذلك؟"
نبوءة الشؤم، والوعد باتباعها، ثم الكارثة التي اسمها ديون هارت.
حين اختار دان هذا الدرب، كان قد خطا بالفعل في طريقٍ لا رجعة فيه. لم يبقَ إلا المضي قُدُمًا، فكيف يُترك ديون، النور والدليل، للموت؟
"...."
همَّ دان بالكلام، لكن ديون سبقه.
لمستُ بأناملي جدارًا صلدًا. عند نهاية الطريق وقفنا، فوضع ديون إصبعه على شفتيه، وأطلق زفيرًا قصيرًا.
"صه... إنهم هنا."
صمت دان، فيما أخذ ديون يتحسّس السقف. لم يكن العثور على المخرج عسيرًا.
إن لم تخني الذاكرة، فهذا المكان متصل بالحيّز السري خلف رفوف الكتب في المكتب. فضاء أُعِدّ لأهل الدار، لينجزوا أعمالهم حتى في استراحتهم بالفيلا.
لم يبقَ إلا أن أرفع هذا....
(... أثقل مما تخيّلت.)
أيّ عقل هندس هذا المخرج؟ إن عجزتُ عن فتحه سأُحبس هنا وأموت.
ابتلعتُ غصّتي، وطرقتُ على المنصّة مشيرًا نحو المخرج. فطن دان سريعًا، فتقدّم ودفعه إلى الأعلى. وما زاد غيظي أنّه رفعه بسهولة، فيما أنا عجزت، لكنها كانت هفوة لا أكثر.
"تفو."
... تبًّا.
رمق ديون دان بنظرة حادّة. فتجاهله دان، ورفع يديه في الهواء مقلّدًا فعل الرفع ساخرًا.
(أتريدني أن أرفعه لك؟)
(تفو.)
حقًّا، لا بدّ أن يُمسك بالذي صمّم هذا. أو لعلّه صار في عداد الموتى.
تشبّثتُ بالمخرج بكل قوتي، لكن ذراعاي كانتا ترتجفان، ولم يتحرك جسدي قيد أنملة. وفي النهاية، وبعد تأفف طويل، وخزتُ دان غاضبًا.
(ارفَعْه.)
(حسنًا حسنًا.)
وبينما كنا نتحدث عن الثقة، كان الجوّ الثقيل قد خفّ. ابتسم دان وتقدّم.
ضيّق ديون عينيه ساخطًا من ذاك المنظر.
(لا... انبطح.)
(هاه؟)
(كن سلّمي.)
"...."
لحظات، وإذا بديون تبدو عليه فرحة غريبة، وطبعة حذاءٍ في ظهر دان. وقفا جنبًا إلى جنب، ثم أعاد ديون إغلاق المخرج برفق، وتفحّص رفّ الكتب المحجوب أمامه، فابتسم ابتسامة خفيفة.
(لقد بلغنا الغاية.)
أين السيّد الكبير؟ ظننته في المكتب أو في مخدعه، فقصَدتُ المكتب أولًا.
وحين دفعتُ رفّ الكتب لأفتح الممرّ، هممت بالخروج، لكن صوتًا تسرّب من وراء الرف.
"لا يجوز أن نُهدر رجالنا هنا. انطلقوا واحموا هذا القصر!"
"لكن الحراسة الأساسية..."
"أما مكاني هذا فهو أأمن بقعة في هذه الديار، أليس كذلك؟ هيا، اخرجوا جميعًا!"
وكما توقّعت، تحوّلت الخطة من حماية الأسوار إلى حماية القصر. فلا بدّ أن أهل الإقليم قد أُجْلوا كما أمر الإمبراطور.
حقًّا، لو كان جيشُ ملك الشياطين، لما سدّوا أسوار القلعة، ولا أرهقوا أنفسهم بمعركة لإخراج بشرٍ تافهين محبوسين في قصورهم، بل مرّوا تجاوزًا غير ملتفتين...
"ومع ذلك، فالهرب أحزم، فلمَ هذا التمادي في الغباء؟"
كان الأولى أن يُبقي حوله حرّاسًا، ولو قِلّة، لكنه آثر أن يُهمل كل شيء، وينعزل وحده.
... وأيًّا يكن، فما ثمّة فرصة أثمن من هذه الساعة.
أشرتُ لدان بعيني، وضغطتُ على موضعٍ في رفّ الكتب فاندفع ليدور. وما إن انفتح، انسلّ دان كظلٍّ، وأشهر سيفه على عنق الرجل من خلف السيّدة الكبرى.
"....!"
"صرختَ؟ قتلتك. دخل أحد؟ ذبحته. إن أردت الحياة، فتعقّل."
حتى الوعيد خرج أنيقًا.
فغر الرجل فاه ليُخرِج صرخة، لكنّه صمت في الحال. أعاد ديون رفوف الكتب إلى موضعها، ودنا مطمئنًّا من وراء ظهره، حتى واجهه.
اتّسعت عيناه حين أدرك مَن يقف أمامه.
"أنت...!"
"صه، ألست حسنًا؟ اخفض صوتك."
"كيف وصلت إلى هنا...؟ لا، حياتي فقط... أرجوك حياتي!"
"أما أنا، فقد شهدتُ فعلتك."
سحبتُ مقعدًا قريبًا وجلستُ أمام مكتبه.
ألقى ديون بصره على الأرض، وقد نفض عنه توتره المألوف في عالم الشياطين، واتّخذ هيئة مائلة متراخية، وقال وهو يطأطئ رأسه:
"مجرد فضول شخصي."
"...."
"لِمَ لم تهرب؟ إن كنتَ ترى أنهم يحرسون القصر فقط، فهذا يعني أن جندهم قليل، والديار شبه خالية."
"...."
"أجب."
أشار دان بسيفه أكثر، فلامست نصلتُه جلده، وانبثق دم يسير. فارتعد الرجل وأجاب مذعورًا:
"أضعتُ ختم العائلة!"
"...."
"... أضعته."
لم يكن سبب صمتي، لكن حسبي أني هدأت. إنه لم يُخفِ دافعًا آخر، يبدو غبيًّا فحسب.
"كل هذا من أجل ختم؟ كان بإمكانك أن تختبئ وتعود لاحقًا."
"ربما تراه لا شيء، أما عندي فهو كل شيء!"
"اخفض صوتك."
"... هذا كل ما تبقّى لي. إن فقدته، لن أُعترف بي رأسًا للعائلة ولو اسمًا."
ذلك الختم عنده أغلى من الروح، لذلك بقي.
لمس ديون زاوية فمه لحظة، وقال:
"... إذن لم يدرِ الأتباع بما جرى."
"قلتُ لهم امضوا وسألحق، كيلا يُكشف أمري. الموقف كان طارئًا، فانطلقوا من دون سؤال، كأنهم كانوا بانتظار."
"همم... حسنًا."
بقيت بعض الفرق هنا، لكن لا شأن لها، لا تساوي أكثر من حرّاس قصر، لا تُثير إلا السخرية.
وأمام ناظريّ يقبع رأسُ العائلة، لا يستحق أن أوسّخ يدي بدمه. نهض ديون مبتسمًا:
"سأُبقيك حيًّا."
"!"
فلا حاجة بي إلى قتله. فإن سقطت الإمبراطورية، فما جدوى ختمه؟ وفوق ذلك، يُحسب له أنه لم يفرّ.
رمق ديون الرجلَ بعينين بارزتين وقال:
"لن نمكث، إنما نمرّ مرورًا. فاكفف، ولا تفعل حماقة."
سيُوسَم بالعار، رأسُ عائلةٍ حيّ بين أرضٍ مرّ بها الشياطين.
التفتُّ ببرود:
"أغمض عينيك لدقيقة."
"...؟"
"إن فتحتَها قبلها، قتلتك."
"!"
رأيتُ الرجل، وقد صُعق، يغلق عينيه، فالتفتُّ إلى دان.
"فلنمضِ."
"نعم."
وما كان لرأسٍ دمية، يجهل كل شيء، أن يتعقّب خطانا بعد أن محونا أثرنا. ومع ذلك، تسلّل إليه خاطر:
"هل كان ديون هارت هكذا من قبل؟"
كأنّ حظّه صار أشدّ بؤسًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"كما عهدناك يا ديون...! فتحتَ البوابة بنفسك!"
"خرج كأنّه يتنزّه، فتحها، وعاد!"
"مدهش!"
"لكن، دان؟ يا إنسي، ما بال أثر الأقدام على ظهرك؟"
"...."
"كفّوا عن اللغو. لن أبقى، فاتبعوني عن قرب. مَن يتخلّف، عُدّ هاربًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرسل ملك مملكة الجبال رسالة، لم يكن في الأمر عجب.
– "ما الذي يدور في رأسك؟!"
آن أوان الفهم، بل لا يُعقل ألّا يُفهم.
رغم أن صوته الحاد دوّى، فإن الإمبراطور خفّض عينيه الذهبيّتين في تراخٍ بارد، لا أثر للاضطراب.
"حتى لو لم تفعل، فإني أنا الذي أردت مخاطبتك، ويسرّني أنك سبقتني."
هدوءه المفرط أيقظ في الآخر ريبةً جعلته يصمت. أخذ الإمبراطور يُدلّك ببطء ظهر يده اليسرى، التي ما زالت في طور الشفاء، وهمس بصوت مغموس بضياء ربيع:
"إنّي، إدواردو ديزيرت، أُعلن إنهاء العهد مع مملكة الجبال."
– "....!"
"من هذه اللحظة، ما حييت."
– "...."
"لا تُقلق نفسك بشأن الإمبراطورية."
لا تتطفل، ولا تُسعفها.
ذاك هو حدّ ما يربط بين الإمبراطورية التي أُتَوَّجُ عليها، وتلك المملكة.
– "ما معنى هذا... انتظر..."
إن كنت ذا لبّ، فقد فهمت مراده. وإن لم توقن، فقد استشعرتَه بالفطرة.
لكن لا حاجة لسماع هرائك. فإلى أي مدى أدركت أو أحسست، فليس يعنيني. رفع الإمبراطور يده ببطء، ووضعها على أداة التواصل.
"إنني مشغول، فلن أنشغل بك أكثر."
– "انتظر...!"
... طُفئ الاتصال بلا رحمة.
ظلّ الإمبراطور متكئًا، ثم نهض ببطء. ولم يكن انشغاله ادّعاءً، فالحاشية تتقاطر، تصرخ طلبًا لرؤيته، لم تُدعَ إلى مجلس، لكنها اقتحمت.
(قلت لهم انتظروا بقاعة المجلس، فإليهم سأتوجّه.)
بماذا سأضغط عليهم؟ كيف سأقنعهم؟ مجرّد التفكير يثقل الكاهل ويعصر الرأس.
ومع ثِقل الوطأة، رفع الإمبراطور هامته في كبرياء، وسار نحو القاعة حيث الأشراف بانتظار.