خلافًا لعزيمته، لم يتقدّم الإمبراطور خطوة.

وأول ما وقع بصره عليه عند باب قاعة الاجتماع: النبلاء يندفعون خارجين متذمّرين، لكنهم بدوا وكأنهم قد استوعبوا ما جرى.

كان واضحًا لكل ذي عينين أنّ الاجتماع قد أُهمل.

"...ما هذا؟"

كنتُ أظن أنّني اجتزتُ ما سبق بسلام، لكنني أيقنتُ أنّ الأمر هذه المرّة لن يكون هيّنًا.

لم يرَ أحدٌ بعدُ هذا الوجه منّي. فاختبأ الإمبراطور وراء عمودٍ قريب، متحصّنًا بالصمت، يترصّد الموقف. أسندت ظهري إلى الجدار، شبكت ذراعيّ، وأصغيت.

ولمّا شدّدت سمعي، تبيّن لي حديثهم جليًّا.

"بما أنّ سيادته قال ذلك، فسأثق به وأنتظر الآن." "شكراً لقولك هذا."

لم يكن ثمّة ما يُسمع بعد ذلك. وما إن بلغ الإمبراطور هذا الحوار، حتى أيقن: "إنّ الدوق قد صنع شيئًا."

لقد أقنع النبلاء.

قطّب الإمبراطور حاجبيه. "...لا أفهم."

فالدوق إنما يمدّ يد العون من أجل بقاء الإمبراطورية، إذ لا سبيل إلى العرش إن لم تَسلَم هي.

ومع ذلك، فإنّ قتل الجنود في نظر كل عاقلٍ ليس سوى جرحٍ في جسدها. الدوق الذي أعرفه كان أحرى به أن يتقدّم الصفوف ليوقفهم، لا أن يحاول صدّهم.

وبينما كنتُ غارقًا في الفكر، كان النبلاء قد انصرفوا جميعًا، ولم يبقَ في الممرّ إلا الدوق، مقبلاً نحوي بخطواتٍ راسخة. وما أدري متى لمحني، غير أنّه ما إن وقف أمام الإمبراطور حتى وضع يده على صدره، وانحنى قليلًا.

"المجد للإمبراطورية. شين ستاربي إلوستر يحيّي إمبراطورية اليوم."

"...حسنًا."

جاء الصوت مكبوتًا، يخفي ما يضطرب في داخله. اعتدل الدوق في وقفته، وأدار بصره صوب الإمبراطور.

"بلغني أنّ مارغريف أميابل قد أجلى رعايا الإمبراطورية على كل طرق العاصمة، وهو صامد في ميلر. بل أكثر من ذلك، فقد أخرج النبلاء والجنود معهم."

"هذا ما فعلت."

"...تشيع الأقاويل بأنّ الإمبراطور قد جنّ أخيرًا."

كان صوته خافتًا، لكنه نفذ إلى أذن الإمبراطور.

"كثيرة هي الألسن التي تتحدّث عن الكفّارات التي راكمناها."

ابتسم الإمبراطور ساخرًا من صراحته. في كل لحظة، مع شروق الشمس، كان جوٌّ رقيق يخيّم. لا ريب أنّه يمزح. غير أنّ عيني الدوق ضاقتا.

"فلعلّ الأمر كذلك."

خرج صوته متثاقلًا، كالنائم المرهق.

لست متيقّنًا بعد إن كنتُ عاقلًا. أمسك بخيط العقل الذي يتآكل مع كل لحظة، وأتساءل: أهو عقلٌ حقًّا ما أتشبّث به؟ أم أنّني أوهم نفسي، وأرى ما لا يراه غيري؟ أم أنّهم عُمي؟

لا شكّ أنّ الإمبراطور كان ينحدر نحو الجنون.

"لذلك ينبغي أن أُنهي الأمر سريعًا."

"...إن جُنّ جلالتكم حقًّا، واتخذ قرارًا خاطئًا، فتذكّر أنّ حولك من سيُسقطك لا محالة."

"لا تقلق. لا أنوي أن أُري الناس وجهي القبيح."

إن أيقنتُ أنّ العقل قد فارقني، فوالله لأنحر حياتي بيدي، قبل أن يُنهيها غيري.

"آه... هذا."

لقد أدركتُ ما يختلج في فكر الإمبراطور. وحدّق الدوق في ابتسامته المتعالية، ثم لاذ بالصمت برهة. قسا وجهه لحظة، قبل أن ينحني مبتسمًا ابتسامةً ثابتة كأن شيئًا لم يكن.

"إذن سأثق بك وأنتظر."

رغم مرور عشرة أعوام، ما زال الدوق يحفظ للإمبراطور حرية مشيئته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذاك ما قلت، لكن لم يكن في نيّتي أن أكتفي بالانتظار. فما كان لي أن أرخِي قبضتي يومًا.

"عليّ أن أبذل كل ما بوسعي."

إذ لم يكن في يدي أوراق كثيرة، كانت خطواتي محدودة. أقصى ما أقدر عليه: أن أكبح اعتراض النبلاء، أو أستعين بكنيسة الخلاص. لذلك أمعن الدوق في جمع الأخبار ليصنع لنفسه ورقةً أخرى للهجوم.

أفنى جهدًا في تحصيل المعلومات، حتى بدا ما جمعه من قبل لعبًا. وكشجرةٍ تتفرّع، أخذت الأخبار تتشعّب بين يديه، حتى بلغت مملكة "إسبرانيس" الغامضة، الوحيدة التي لم تدخل في حلف.

وكأنّ جهدي أثمر، إذ وقعتُ على حقيقة مهمّة: "إسبرانيس أُمّة من المرتزقة."

هي أقدم مملكةٍ ما زالت قائمة، تعاقبت الممالك واندثرت، وبقيت هي صامدة.

كانت مملكة مغلقة، وأقدم من أن يُدرك سرّها، لذلك ندر الكلام عنها. غير أنّي بعد طول بحث في الكتب القديمة، وجدت من المعلومات ما هو أنفع مما توقّعت.

"الإسبرانيّون قومٌ مقاتلون."

يمتازون بشَعرٍ وعيونٍ فضّية، حتّى الأطفال فيهم موغلون في الفطرة الحربية.

وبدل أن يستقبلوا الغرباء ليعرضوا طلباتهم، يرسلون وسطاء إلى كلّ مملكة، ليشيّدوا شبكة أخبار تفوق سائر نقابات المعلومات، ويأخذوا الطلبات.

"بل يمكن القول إنّهم يديرون أكبر نقابة أخبار في القارّة."

وما كان في التاريخ إلا قلائل من المرّات استجابوا فيها لطلبٍ رسميّ من ممالك أخرى، ولذلك احتجتُ أن أنقّب طويلًا في المخطوطات.

نعم، ندر أن يخرجوا بمرتزقة، وغلب على أمرهم جمع الأخبار، لكنّ إسبرانيس كانت ولا تزال مملكة مرتزقة، وما خروج رجالها أول الأمر إلا لتلقّي طلبات كهذه.

"وقيل إنّ الطفل إذا وُلد من أبٍ غريب وأمّ إسبرانية، فلا يولد بفضّته. أي أنّ الإسبرانيّين الخُلّص، ذوي الشعر والعيون الفضّية، كلّ من تراهم خارج إسبرانيس ـ رجالًا كانوا أو نساءً، شيوخًا أو فتية، ذوي مهنٍ مختلفة ـ ليسوا إلا سماسرة خرجوا ليأخذوا الطلبات.

أطلّ الدوق برأسه من النافذة، وحثّ السائس على الإسراع.

فقد بلغني أنّ "مارغريف أميابل" قد سقط، وأنّ جيوش ملك الشياطين تزحف بسرعةٍ مرعبة، فلا يهنأ لي بال. وإن استمرّ الأمر على هذا، فسوف يطأون العاصمة في لمح البصر.

لذلك كان لزامًا أن نلتمس جندًا يصدّونهم. وإن غلا ثمن ذلك، فلا ضير، إذ إنّ الاعتماد عليهم مأمون. وقد وجد الدوق عزيمته متينة في سلوك الإمبراطور.

"لقد وصلنا."

"...."

وما إن فتحتُ باب العربة ونزلتُ درجاتها، حتى بان لي قصرٌ صامت كالمقابر. ارتبك الدوق للحظة حين أبصر البوّابة خالية من حارس.

بيت المركيز هارت... بل لم يعد يليق أن أقول "بيت المركيز". فـ"ديون هارت" لم يعد يحمل لقب الشرف ذاك.

وفيما أنا أتساءل كيف أترك رسالةً وليس ثَمّ أحد، إذا برجلٍ يخرج من عمق الدار.

"لقد غاب عني أن أستضيف ضيفًا منذ زمن. كنتُ لأقودك إلى قاعة الاستقبال، لكنّ سيّد القصر غائب عن البلدة، فلتؤجّل زيارتك القادمة."

كان صوته هادئًا، وسمته واثقًا.

شيخٌ ذو شعرٍ فضّي مائل إلى الزرقة، يطأطئ بعينيه الفضّيتين الزرقاوين، ويحيّي بأدب. تطلّع الدوق في عينيه ساكنًا.

"لم آتِ لأرى سيّد القصر، بل جئتُ لأراك أنت. تذكّر ذلك."

"...أهكذا؟"

ابتسم سمسار "إسبرانيس"، واسمه "ريممبر"، ابتسامةً وديعة.

"أحسب أنّ الحديث سيطول. ورغم أنّني لستُ صاحب القصر، إلّا أنّ عليّ أن أقضي الأمر، فهذا في حدود سلطة الوكيل."

"...."

"تفضّل واتبعني."

فتح الشيخ بيده بابًا حديديًّا ضخمًا.

دخل الدوق، وهو يراقب هدوءَ ريممبر، إذ لم يُبدِ دهشةً ولا ارتباكًا من زيارته المفاجئة ولا من كلامه، ثم أخذ يتأمّل جمال القصر المنظّم، على الرغم من أنّه لا يبدو فيه سوى خادم واحد.

غير أنّ بصري التقط ظهر هذا الخادم العجيب.

"إن أردتَ قتلي فسأصدّك. لديّ مرافِق."

"...أعلم. ورد في السجلات أنّ سماسرة إسبرانيس لا يغادرون مملكتهم دون حارس."

"نعم. وإن هلك حارسهم، فلهم أن يطلبوا آخر من فرعهم أو مكتبهم الأم."

"لم يخطر ببالي أن أنظر إليه بتلك الطريقة أصلًا."

بل راودتني حماقة أن أجعله خادمًا للدوق إن استطعت.

"أدرك ذلك."

"...؟"

"كانت دعابة، لكن يبدو أنّها لم تُضحكك."

"...."

مزحةٌ أثقلت الصدر ولم تجرح، لأنّ دقّة ملاحظته عزّزت يقيني بأنهم قومٌ للقتال فُطروا.

فإن كان الشيخ السمسار هكذا، فكيف يكون شأن الحارس؟ وكم من مرتزقةٍ يبعثون؟

لم أُعر اهتمامًا لكون "ريممبر" خادم "ديون هارت" يومًا ما. فقد بان لي خلال بحثي أنّ موقف "إسبرانيس" محايد تمامًا، لا يتجاوز كونه وظيفةً من وظائف التخفّي. لكنّ ما أسف له أنّ ديون هارت غدا خائنًا للبشرية.

"ليس هذا أوانه."

وبينما أنا غارق في تلك الأفكار، إذ بنا في قاعة الاستقبال.

جلس الدوق إلى الطاولة، يلاحق الشيخ بعينيه، ثم لم يملك صبرًا فقال: "أودّ أن أطلب مرتزقة."

"عَجِلتَ. إنّي أُعدّ الشاي، فاهدأ قليلًا."

قالها ببساطة، ثم وضع الإبريق على النار غير آبه.

ظلّ الدوق صامتًا برهةً، ثم تكلّم ببطء: "أدرك أنّ الإمبراطورية التي حاولت غزو إسبرانيس ستُفضَح لو طلبت عونكم. فلو تحدّثنا عن بقاء البشر فلن يُجدي."

فما هذه أوّل مرّة تجتاح الكارثة عالم البشر. ومع ذلك ظلّت إسبرانيس دائمًا متفرّجة، وستبقى كذلك.

لذا يستحيل إقناعهم بالمنطق.

نهض الدوق ببطء، وخاطب ريممبر الذي كان يُعدّ الشاي دون أن يلتفت: "سأدفع المال بسخاء، فأعِنّي."

"...."

"ثمّ إنّ لي من أذود عنه."

إنّها حيلة في نهاية المطاف. هم لا يفعلون هذا إلا لسهولة الأمر عليهم، وليس ثمّة صدقٌ في قولهم. ما كنتُ لأطأطئ رأسي لأحد، إنّما هو من أجل الإمبراطورية، ومن أجل مستقبلي.

...هذا كلّ ما في الأمر.

توقّف ريممبر، ثم التفت ببطء. عيونه الفضّيّة اتّسعت على غير العادة.

رجلٌ لم يُحنِ رأسه قطّ إلا للإمبراطور، ها هو يخفضه.

ولئن كان في صالح إسبرانيس ألّا تتدخّل، فإنّني... "لقد شختُ أنا أيضًا."

ابتسم ريممبر ابتسامةً كأنّها لوم للنفس، ثم وضع فنجان الشاي أمام الدوق.

"اجلس أوّلًا."

"...."

"سيبرد الشاي، فلا تذهب سدى مشقّة الشيخ. اجلس."

جلس الدوق عندها. جلس ريممبر قبالته ينتظر حتى يهدأ.

فللسماسرة الموفدين حرية واسعة في التصرّف. فإن حصروا أنفسهم في عددٍ قليل من الناس، لم تُشدّد عليهم القيود. يستطيعون أن يساعدوا أو يتدخّلوا، ويقبلوا أو يرفضوا الطلب.

شريطة أمرٍ واحد.

"ألّا يمسّوا بقاء مملكة إسبرانيس."

شرط بديهي، لكنّ الوفاء به عسير. ولهذا ندر أن تبعث إسبرانيس مرتزقة عبر التاريخ.

فعادةً لا يُطلب المرتزقة إلا حين تكون المملكة على شفا سقوط. ولو بعثوا المقاتلين، فإنّ الخصم المنتصر سيوجّه سيفه نحو إسبرانيس كذلك. لذا لم تتحرّك يومًا إلا وقد حسبت أنّ النصر في كفّها.

"أما الآن، فإنّ عالم الشياطين لا يعبأ بإسبرانيس أصلًا."

إنّها مملكة صغيرة، تحيطها الجبال الوعرة، لم تشارك في حربٍ ولا حلف. وحتى لو ابتُلع عالم البشر، فلن يؤثّر ذلك كثيرًا في إسبرانيس. فخسائر غزوها أعظم من مكاسبها.

فلو ظلّت ساكنة كأنها لا تُرى، ستنجو إسبرانيس... غير أنّ الطارق أمامي محظوظ.

"لقد جئتَ إليّ."

2025/09/05 · 31 مشاهدة · 1453 كلمة
نادي الروايات - 2026