اذكروا الرجل الذي جاء إلى الدنيا فتى، ثم خطّت التجاعيد على محيّاه خطوط السنين، يخدم وسيطًا لعقودٍ طوال، حتى صار له من الهيبة ما يفوق غيره.

طلبُ الدوق، وإن قبله الوسيط، سيردّه من هم أعلى منه، غير أنّ الأمر يختلف إن كان الوسيط هو "ريميمبر"، إذ يملك سلطانًا أن يُجيز ما رُفض مرة من قبل.

فبدل أن يردّ الطلب صراحةً، سأله سؤالًا:

"قال إنّه سيدفع لي المال بلا تردّد؟"

"نعم."

"وكم المقدار؟"

لقد تجاوزتُ العقبة الكبرى! ابتسم الدوق وقد استعاد رباطة جأشه.

"كلّ أملاك الدوق."

"...أتقول الحق؟"

"أفتظنّني في مثل هذا الموقف أقول الكذب؟"

ثم أردف: "لست مولعًا بالمال، وليس لي وريث أُسلم إليه الدار والعشيرة. فما بقي من العمر أولى أن أنفق فيه ما اجتمع بيدي. وما بعدي لا يعنيني. كنتُ خطّابًا مطلُوبًا، غير أنّي عزفت عن الزواج، كرهًا أن يشاركني أحد بما أملك."

'وما لي أُفكّر بما بعد موتي، وما عليّ إلا أن أتلألأ ما حييت؟'

فلا شيء أُبقيه، كلّ ما في الدوقية ملكٌ لي، يجري في يدي كيف أشاء. حيثما صرفته، فهو قلبي.

ثم إنّ الثمن، وإن بدا جسيمًا، فمقابله أعظم، إذ لا يُقارن ما سيُجنى من عون المرتزقة بما يُدفع لهم. بل لعلّه لا يكفي، غير أنّه "كلّ" ما للدوق، وذلك وحده يُكسب الطلب وزنًا في نظر الشيخ الجالس أمامه.

وكان كما ظنّ.

"...يبدو أنّك تبغي المدد عاجلًا..."

قالها إيجابًا.

"لكن اعلم أنّ إرسال قوّة بحجمٍ يرضي الطّلب عسير في زمنٍ قصير، إذ إنّ إجراءات الإرسال شاقّة، وسير الرحلة بطيء."

...كلام لم يُرضِ الدوق كثيرًا.

سمعتُ أنّك قلت إنّ جيش الشياطين قد بلغ هذا المدى. وما هي إلا أن تلتقط أنفاسك وتقول: "بلغنا هنا"، حتى يأتيك النبأ أنّهم عبروا إلى الإقليم التالي، فلا يلبثون أن يدكّوا العاصمة.

'كأنّهم يركضون ليلًا ونهارًا لا يوقفهم إلا النوم. ودوابّهم خيل من عالم الشياطين، وما استعاروا من خيل البشر سرعان ما يبدّلونه كما تُبدّل الأدوات الرخيصة...'

أفلا يصلون في عشرة أيّام؟

قال الدوق وهو يحسب في رأسه بصوتٍ متردّد:

"...أريدهم أن يبلغوا في غضون أسبوع على الأكثر، أفيُستطاع ذلك؟"

"إذا أخذنا بُعد إسبيرانس من هنا... فعليّ بعد مجلسنا هذا أن أرسل الطلب عاجلًا. حتى مئة رجل يمكن دفعهم في الحال دون عناء. فما رأيك؟"

"طبعًا..."

"لكن اعلم، كلّما كثر العدد، تباطأت الخطى. فضع هذا في بالك حين تجيب."

"...أنت أدرى منّي بهذا الأمر. سأُسلّمك أمري وأثق بك."

ابتسم "ريميمبر" هادئًا، وأومأ برأسه:

"سنُرسل أوّلًا نحو سبعين رجلًا في المهلة، ثمّ نلحق بهم جمعًا أكبر فيما بعد. إذ وعدتنا بكلّ ما تملك، ولا يسعنا أن نكتفي بسبعين رجلًا."

رفع الدوق رأسه وقد استراح في كرسيه مُطمئنًا، كأنّه أنجز ما أراد.

وما نحن بحاجة إليه الآن إلا أن يبلغ الجنود في الموعد. وأمّا المدد المتأخّر، فلا بأس به، وإن كان رفضه بالكلّية ضربًا من الحماقة.

فتح الدوق فاه ببطء:

"ذاك القادم متأخّرًا..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"لم يبقَ إلّا أمر واحد: أن نشتري وقتًا حتى يصل الجند.

غير أنّه لا ينبغي أن نستبعد أن جيش الشيطان قد يسبق الموعد. ولأجل انتزاع لحظة أخرى، فكّر الدوق في سبيلٍ يصدّ به جيوش الظلام عن التقدّم.

بل في الحقيقة، ثمّة وسيلة لا لتعطيلهم فحسب، بل لإرجاعهم من حيث أتوا.

وقد جرّبها من قبل فخاب.

'المفاوضة مع الشيطان.'

إن أُقنع الشيطان توقّفت جحافله. بل قد يُعيدها إلى عالمه.

والصدفة أنّ الدوق شريكٌ نصفه للشيطان الأكبر. ليس بينهما عداوة، بل وُدّ، وله ميزة أن يفتح الخطّ معه ببعض السحر اليسير.

شدّ عزمه، وخاطبه.

[لا حاجة.]

قُطع عليه الحديث قبل أن ينطق بما يريد.

[واضحٌ لي مقصدك دون أن تبينه. لستَ تطلب سوى أن تُمسك بجيشي أو توقّفني لحظة. على أيّ حال لن أسمعك. دبّر أمرك بنفسك.]

[...]

صُعقتُ من صراحته القاطعة، غير أنّي لم أستسلم. هزّ الدوق رأسه في هدوء.

'ما دام حاسمًا إلى هذا الحدّ، فطلبُ السيطرة على جيشه محال. لعلّ الأجدى أن أسعى فقط لتوقيفه ولو هنيهة.'

وذلك ما قصدت إليه أصلًا، فما دمتُ في موقفٍ خاسر، فلا حاجة أن أجرّه إلى غيره.

...لقد قَبِل من قبل رهانًا. عقدًا كان الفشل فيه راجحًا، غير أنّه جرى جزء منه على هذا النحو.

فإن لم تُقنعه بالكلام، فلتجعلها مقامرة.

[أقترح أن نُراهن.]

[ولا حاجة لذلك أيضًا.]

[فهناك ما هو أمتع من الرهان قائم أمامي، فلِمَ أرهَن إذن؟ إنني ألهو كفاية في هذه الأيام.]

...لقد نسيت.

كان الرهان السابق وليد سآمة الشيطان. أمّا الآن، فمنذ أن ولج "ديون هارت" عالم الشياطين والحروب لا تهدأ يومًا، والأحداث والأخبار تتوالى بلا انقطاع. فأيّ رهان بعد هذا يُشبع نزقه؟

في النهاية، لم يُفلح الدوق في إقناعه، ولم يجد بدًّا من قطع الصلة.

وأول ما تبادر إلى ذهنه هو "ديون هارت"، ذاك الذي صار اليوم محور هذه الحرب.

مضحك هو الأمر إن تأملته... بداية انكسار حياته كانت رهاني مع ملك الشياطين، وها هو الآن يزجّ بنفسه في الصفوف الأولى تحت راية ذلك الملك!

حتى بعد سخريته منّي حينها، لم أظنّ أنّني سأفكّر بهذا الطريق مباشرة. كأنّ ذهني شرد في غير موضعه. لام الدوق نفسه مقتنعًا أنّه قصّر في التعمّق بالتفكير.

"ديون هارت لا يدري بهذا."

إن كشفنا له الأمر، فبوسعنا أن نفصله عن الشيطان.

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة وجذبتُ الحبل.

"نادوا سيرين."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرة أخرى، كان القصر خاليًا.

أحقًّا يُفكّر الإمبراطور أن يترك الطريق إلى العاصمة مفتوحًا هكذا؟ لا ريب أنّه جنّ أخيرًا.

لكن الشمس أوشكت على الغروب، والراحة واجبة هنا. وإن كنتُ أرغب في المضيّ قدمًا، فجسدي يحدّني. إن واصلت أكثر من هذا فلن ألبث أن أهوي عن صهوة فرسي.

"سنرتاح هنا."

قالها "ديون" بخفّة وهو يترجّل. توقفتُ لحظة وأنا أشعر بوجع في فخذيّ ومؤخرتي، ثم تابعت المسير دون أن أُظهر ذلك. وبطبيعةٍ مألوفة، فتح "دان" فاه بهدوء وهو يسايرني:

"أستطوف المكان هذه المرة أيضًا؟"

"ربّما."

"لا بدّ أنّك ستبدأ بالبيت الكبير أولًا، أليس كذلك؟"

"نعم."

"سأرافقك."

لمح ديون إليه بطرف عينيه، ثم أعاد نظره إلى الأمام. ابتسم دان، مُدركًا أنّه نال إذنًا ضمنيًا، وأسرع بخطاه موازيًا له.

"أأنت بخير؟"

"بخير."

"لكنني رأيتك تتوقف حين نزلت عن فرسك. تبدو أصلب ممّا كنت عليه، غير أنّ حالك لا يُوحي بالسلامة. أترغب أن أُعينك؟"

"ابتعد."

لو مسستَ جسدي، لقتلتك.

المسافة كافية كي لا يسمع أحد، لكن العيون الشيطانية لا تغفل. ولم يشأ ديون أن يُرى متكئًا على أحد أمامهم. قطّب وجهه وزاد من سرعة خطاه.

متى صار الأمر ميسورًا هكذا؟ ارتسمت ابتسامة على وجه دان وهو يلحق به، ثم هاله خاطرٌ تسلّل فجأة.

"أحقًّا صار أسهل؟"

...لا يمكن.

تصلّب وجه دان.

وكأنّ ديون هارت استشعر غرابة الجوّ، التفت بعينيه الحمراء إليّ. وصورةُ أسرةٍ ما خطرت ببالي فجأة. توقفتُ برهة، لكنني صرفت نظري بسرعة كأن شيئًا لم يكن. غير أنّ يديّ، خلف ظهري، كانتا تنقبضان بقوة.

"...لهذا كان السيّد حريصًا على إبقاء المسافة بينه وبين الشياطين."

لم يكن إفراطًا قط.

كأنّ ضربة هوت على رأسي.

"وكيف لا تتولّد ألفةٌ حين نلتقي كلّ يوم؟"

لقد تعلّقتُ. خرجت من فمي جملة قصيرة غريبة عليّ.

لا أستطيع أن أنكر أنّني اعتدت عليه حدّ السخرية منه.

ذلك "الودّ" مُرعب... حتى وأنا أعلم أنّ ديون هارت كارثةٌ تمشي على الأرض، تجاهلت صورته وسخرت منه، بل قَبِلتُه من جديد.

"الجوّ غريب. ما بالك؟"

"لا شيء."

"...هممم."

في عينيه الضيّقتين تلتمع حمرة الشك. ابتسم دان كأنّه عابر.

"لا بأس."

فما زلتُ أحافظ على تلك المسافة الشعورية الملائمة. ألستَ قد قلت لي في الممرّ السرّي ذات مرة: "أنا أكرهك"؟ وأنا ما زلت أحمل عليك الضغينة والكره.

وفي الوقت نفسه هو الهدف، والعلامة، والقدر. غير أنّ "الإعجاب" الذي ينبع من ذلك لا يمحو "الكُره". بل يجتمعان ويُنتجان ذلك التناقض العجيب: الحبّ والكراهية. فلا بدّ إذًا أن يكون "الودّ" شيئًا ثالثًا مستقلًا.

ما لم يَذُب البغض من قلبي تجاهه، فلن أطمئنّ له كامل الاطمئنان.

لكن حقّ أنّنا بتنا أقرب من قبل. لذا فكّرت أنّ قليلًا من التباعد قد يكون أنفع، تحسّبًا لما قد يطرأ...

"إذ ذاك تصير أكثر وعيًا به."

لكن، أيًّا تكن موقفي أو مسلكي، فلن يتغيّر من أخدم ولا ما أفعل. فلا بأس.

وصورة تلك الأسرة ما زالت تلحّ على طرف ذهني. غير أنّ دان طردها، وأسرع قليلًا ليقلّص المسافة بينه وبين ديون. فما كان منه إلّا أن رمقه بنظرة شك، لكنني تغافلت عنها.

وكم مضى من الوقت؟

لمّا دنا القصر الكبير، أشبه بلعبة صغيرة من بعيد، توقّف ديون فجأة. ارتجف دان، ووضع يده على سيفه.

"يتظاهر بوجود أحد..."

لكن ديون ثبّت عينيه في موضع بعينه، لم يَطرُف له جفن.

هل بقي أحد؟ لم يكن الجمع بالكبير، بل شخص واحد.

...على الأقل لا يبدو أنّه جاء للقتال. ليس بطلًا على الأرجح، فماذا عساه يصنع وحده؟

'ودان متأهّب، فلا بأس.'

استرخت حواسي، مع قليل من الحذر. نظر ديون إلى دان بطرف عينيه.

طالما قلت إنني كالأرنب في حذر للبقاء، لكن هذا الرجل...

"هو مبارزٌ حقًّا."

متى اكتسب هذه الحاسّة؟

وبينما نحن كذلك، ظهر "إنسان". تقدم بخطى ثابتة كأنّ الغاية مرسومة له، لا يلتفت إلى دان المتحفّز لسحب سيفه. مدّ يده نحو ديون، يحمل شيئًا.

"هذا..."

"خذه."

قطّب ديون حاجبيه عند رؤيته الشكل المألوف.

"مقعد تواصل... لا، أداة اتصال؟ لمن؟"

"خذه."

"...".

"خذه."

مهما سألت، لن يجيب.

أممسوسٌ بسحرٍ أو ما شابه؟

مددت يدي وأخذت جهاز الاتصال. وحينها فقط، وكأنّه أتمّ مهمته، قال كلمة واحدة وهو يولي ظهره:

"للخلاص."

"..."

2025/09/05 · 28 مشاهدة · 1422 كلمة
نادي الروايات - 2026