ما إن سمعتُ تلك الكلمات حتى تبيَّن لي من يقف وراءها.

"من أجل الخلاص"... ما أوقحها من ذريعة، وما أزيفها من حجة. كأنما لم يجنَّ جنون الإمبراطور فحسب، بل لحق به الدوق أيضًا.

أطلق ديون ضحكة قصيرة مترددة، لا يُدرى أهي سخرية أم استهزاء من عبثية الموقف، ثم رمق جهاز الاتصال في يده بنظرة باردة.

"إلى متى ستظل صامتًا؟"

– ...

"أعلم أن الخيط ما زال موصولًا. المكان خالٍ، فلا حرج أن تتكلم يا دوق."

كان الرسول الذي ألقى بين يديه جهاز الاتصال قد مضى بعيدًا، وانفصل منذ برهة عن رفقة الشياطين.

لم يكن الأمر خطيرًا، وما إن تأكَّد دان الفطن من ذلك حتى محا أثره، وتظاهر بالعدم، بينما عاد ديون ليقول:

"مقعد تواصل... لا، مَن لا دراية له بمثل هذه الأجهزة قد يجهل أنها باقية على الاتصال. لكنني لست من أولئك. نحن نعرف بعضنا حقّ المعرفة، فكفّ عن التظاهر."

– هاها.

ارتسمت قهقهة خفيفة، كأنها محاولة لتليين صلابة نبرة ديون.

– خشيت أن يكون أحدهم يصغي إلينا، فلم أجرؤ على فتح فمي. غير أن ردّك كان حادًّا أكثر مما توقعت.

"ليس مقامًا للضحك والحديث العابث."

– بلى، صدقت.

"فما الذي جئتَ تقول؟"

– قبل ذلك، مسيركم أسرع مما يطيق الجسد. لا تكاد تذوق النوم إلا قليلًا. أتحرص على طعامك؟

راح يطيل الكلام، يراوغ كالثعلب. قطّب ديون جبينه ضجرًا، وقد بدا انزعاجه ظاهرًا.

"أظن أنك لم تظنني سأجيبك عن هذا."

– ... وماذا...

"ما دمتم قد استعنتم بجماعة الخلاص لتسليم هذا الجهاز، فلا بد أن وراء الأكمة أمرًا. لكنكم تتثاقلون في البوح. إلى متى تريدونني أن أظل منتظرًا؟"

– عَجِلتَ. الموضوع الذي أريد طرحه ثقيل الوطأة، فابتغيت أن ألين الطريق قبله، لكنك لم تستحسن.

"دع عنك التظاهر باللطف. أشعر أنك تسعى لتضييع الوقت. إن أطلتَ عليّ أكثر قطعتُ الاتصال."

وما إن فرغ من قوله حتى انطلقت ضحكة ساخرة واضحة.

انقبض جبين ديون، وحاد دان ببصره، فيما خرج صوت خافت كالهسيس يقطر استهزاء:

– ستندم.

"... سأغلق الخط إذن."

– لكن، إن أردتَ لبّ الموضوع، فاسمع.

جاء الصوت إلى سمعه مفعمًا بتهكم لاذع، يتلذذ بالقسوة. ثم سقطت المعلومة على رأسه كالمطرقة:

– أنت تستهدفني والإمبراطور معًا، فيما أنت ملتصق بالشيطان.

"..."

– ديون هارت... كم من الحقيقة تفقه اليوم؟

ابتسم ديون ابتسامة باردة.

"وأنت، كم ترى الدوق عالمًا بي؟"

– ... لست جازمًا، غير أن سيفك المصوَّب نحوي ينبئني أنك تعلم أنني المحرّك لمن تعقبوك، وأنني من أرسل اليد التي أزهقت روح كرول. ربما عرفتَ أكثر من ذلك.

في العتمة، ارتسمت على شفتي الدوق ابتسامة باهتة.

لقد قال ما قال، لكنه في قرارة نفسه أيقن أنّ معرفة ديون لا تتجاوز الكواليس. فلو كان يعلم أكثر لوجَّه سهامه صوب إقليم "إيلوستر" أوّلًا، بدلًا من اندفاعه نحو العاصمة حيث يقيم الإمبراطور.

إثم الدوق أفظع من إثم الإمبراطور ذاته.

– لكني لا أظنك مُلِمّاَ بالحقيقة كلّها. وإلا لما انخرطتَ في جيوش ملك الشياطين، وسرتَ في طليعتها.

"..."

– فلنرجع إلى الوراء قليلًا. في حرب السنوات الثمان، جررتُ صبيًّا من أسرة نبيلة مترفة، لم يكن إلا ضعيفًا، فزججتُ به في ساحات القتال. كان فريدًا بلون شعره الأبيض وعينيه الحمراوين، حتى ليُرتاب في إنسانيته.

ارتجفت عينا دان، وقد أدرك مغزى الكلام.

سرت دهشة صامتة بين ديون والجهاز، لكن ديون، المعنيّ بالأمر، لم يتزعزع، بل أصغى لما يلي برباطة جأش.

عيناه الحمراوان، اللامعتان كالياقوت، ثبتتا على الجهاز في جمود.

– لم أكن أحمل ضغينة لذلك الطفل. ألا تتساءل لِمَ؟

"لِمَ؟"

ها قد جاء السؤال. السؤال الذي لم يجد له جوابًا في عالم الشياطين، سؤال لم يقدر ملك الشياطين نفسه، ولا القائدة ديفيلانيا، على صياغة ردّ له.

لكن ديون ابتسم. عينيه بلا رعشة، وفمه يعلوه انحناء ساخر، وصوته ينضح بثبات:

"كنت أترقب ما ستقوله."

– ...

"لقد أخطأت يا دوق. أخطأت تمامًا. تجهل إلى أي حد تظنّني أحمق. لستُ ذكيًّا لأزعم التفوق، لكنني لستُ بالأبله."

أتظن أنني غافل؟

بات زمام الحديث في يده. قبض ديون على الجهاز بقوة وقال:

"في الماضي، بأمر من جلالته، خرجنا لإبادة جماعة الخلاص."

كانت عبارة غير متوقعة، لكن الدوق ما إن سمعها حتى عرف مرماها.

"آنذاك، استُخدم السحر في معابدهم."

– ...

"وقد توهّم الناس أنه محض شعوذة، غير أن كاهنًا حاذقًا تبيّن أمره."

والمحرّك وراء تلك الجماعة... هو أنت يا دوق.

فتح "دان" عينيه دهشةً، كأنما انكشف له أمرٌ كان غافلًا عنه. وإن كان "دان" ـــ الذي لم يشهد بنفسه إبادة "كنيسة الخلاص" ـــ قد أدرك ذلك، فكيف يكون حال الدوق إذن؟

كان الدوق منصتًا في سكون، ثم ارتفع صوته عبر أداة التخاطب، صوتٌ بطيء ينضح بخيبةٍ خفيّة:

"أعترف أنّي أنظر إليك بعينٍ مرتابة، وأقرّ أنك ربما تعلم أكثر مما تظن. لكن..."

"لعلّك حسبت أنني أجيد السحر لذلك السبب وحده؟ إن كان الأمر كذلك، فذاك مثار خيبة. فالجاني في استعمال كنيسة الخلاص للسحر يمكن أن يُختار بين ألوف...

"نعم، يمكن القول إن الشياطين قد حضرت وبسطت السحر، أو أنّ أحدًا باع نفسه لهم فعقد معهم عهدًا، لكن..."

تكمن المعضلة حين يعود المرء إلى عالم الشياطين، ويرفع تقريرًا إلى ملكهم:

"حين عدت إلى عالم الشياطين وأخبرتُ ملكهم أنّ السحر قد كُشف في عالم البشر، كيف تراه سيستجيب؟"

سكت المستمع.

"بادئ الأمر ساورتني الريبة، ثم التبست عليّ الأمور. لو كان غيرك من تجرّأ على إطلاق السحر في عالم البشر، لكان الغضب أمرًا طبيعيًا، غير أنه لم يُبدِ سوى حيرة صافية، ثم مضى في الأمر!"

وهذا معناه أنّ السحر المستعمل في عالم البشر متصلٌ بالشيطان مباشرةً أو مواربًا.

لم أفقه المراد بادئ ذي بدء، وظننت أنّه ضرب من الشطط. فذلك لا يعني أنّ ملك الشياطين اجتاز بنفسه إلى عالم البشر أو أرسل أتباعه ليأمرهم بالسحر.

فما الذي يبقى إذن؟

"شخص يطلق السحر في عالم البشر على هواه، بحرّ إرادته، وملك الشياطين لا يُبدي عليه غضبًا."

ذلك هو "المتعاقد مع الشيطان".

فمن يكون ذلك المتعاقد؟

"لم أفقه أبدًا لمَ قُتل أخي دوني، فسألتُ عن السبب، والتحقيق أوجبت، سألتُ الشيطان وقائد الفيلق الثاني."

سكت الدوق، وأراح ذراعيه على مسندي عرشه.

لو سألني إذ ذاك، لأدرك من فوره أنّي أنا من جرّه إلى حربٍ دامت ثماني سنين. شرحتُ ذلك حتى كلّ لساني بلا جدوى.

...حدث ذلك لأنّي أبطأت.

ورغم أنّ الدوق لم ينبس، واصل "ديون" حديثه كأنّه يقرأ أفكاره:

"أجل، أنت الدوق. ولأجل الثأر أمرتك أن تحقق في أمره مجددًا."

"جمعت بين يدي كل ضروب المعلومات، حتى يسهل عليّ تركيب ثغرات الدوق. فهل يُفسَّر الأمر إن كنتُ، أنا المشتعل بالثأر، قد ضجرت من ترتيبها؟ ...لكن، ويا للعجب!"

"لم أجد أثرًا واحدًا يُبيّن لماذا فعل الدوق ما فعل."

ولأنّي أعلم أنّ "ديون هارت" بارع في حل الألغاز، فقد كان غياب الخيط المشترك أبلغ من أي دليل.

ومن هنا عرفتُ بالمقلوب:

الشيطان ضالع في سرّ "السبب". الشيطان والدوق بينهما صلة.

"الدوق الذي يقف وراء كنيسة الخلاص، وموقف ملك الشياطين الفاتر حين علم بالسحر المستعمل هناك. بل وحتى محاولته طمس بعض ما يتصل بالدوق."

سكت المستمع.

"أليس الأمر جليًا؟ يبدو أنّكما وقّعتما عقدًا."

وبفضل الدوق الذي بذل جهدًا لمخاطبتي والإشارة إلى ذلك، أيقنت.

"فلعلّي كنتُ قربانًا لذلك العقد؟"

– "ذاك هو الجواب. مدهش!"

قالها الدوق بإعجاب، كمن يقرّ بذكاء خصمه.

"كنت ضحية رهان. في ذلك الحين كان ملك الشياطين قد ضجر وامتنع عن عقد الاتفاقات بسهولة، فاحتاج إلى قربانٍ فريد يُثير شهيّته."

كانت كلمات قاسية فاضحة.

أما "دان"، فلما سمع أنّ حياة طفلٍ لم يجاوز الرابعة عشرة قد صارت موضوع رهان، حوّل وجهه عنهم وتظاهر أنّه لم يسمع شيئًا.

لم يكن جديرًا بي أن أسمع. لم يكن في وسعي أن أحتمل.

ورغم أنّ "ديون" أصاب كبد الحقيقة، إلا أنّها كانت حدسًا لا أكثر، إذ لم يكن له أن يعرف التفاصيل. ومع ذلك لم يبدُ عليه الغضب، بل أنصت في سكون.

إلى أن تردّد الدوق في متابعة القول، لفتور الاستجابة.

– "لقد أبدى الشيطان اهتمامًا ظاهرًا، واشترك في الرهان. أما أنا، فاستمتعتُ بمساره."

قال "ديون" مقاطعًا: "لا مزيد مما يُسمع."

فأدار "دان" رأسه نحو "ديون"، فرأى ابتسامة مرسومة على وجهه.

"كان الدوق يتوقّع الفشل هو الآخر."

سكت المستمع.

"أما الحقيقة، فليست بالصاعقة كما ظننت. ولأنني عرفت مقصد الدوق، فلا داعي للاضطراب."

كان مراده إيقاع الشقاق، ودفعي بغضبٍ أهوج إلى إدارة الجند صوب "إلوستر"، أو إغراء خصام ملك الشياطين.

غير أنّ "ديون"، الذي يحكمه العقل، بقي ثابتًا.

"الأولويات واضحة. ثأري من ملك الشياطين بعد ثأري من الدوق. وقد أخبرتك، لديّ من المعلومات عن نقاط ضعف الدوق ما يكفيني لأركّبها بيسر. لن أنحرف عن مساري."

إلى ذلك الحين كان الأمر حدسًا، أجلتُ به الثأر لأني جهلت أي جريمة عظمى اقترفها ملك الشياطين بحقي. لكن الآن تبدّل السبب.

وبعد أن أحاطت الظّروف وتعددت الاعتبارات، لم يبق في نفسي سوى يقين واحد بعد كلام الدوق: لقد صار ملك الشياطين غاية لثأري.

"...سأدع التفكير في هذا لوقت آخر."

ولكي أذيق الدوق أقصى الخسائر، لا بد أن يُقتل الإمبراطور لا الدوق. ولن أرحل إلى "إلوستر" كما أراد.

أطلق الدوق تنهيدةً خافتة إذ قرأ عزيمتي.

– "لا حيلة."

لقد أعددتُ خطةً ثانية تحسّبًا.

وفي عالمٍ تعبث فيه الشعوذة والأرواح الخبيثة، لم أرغب أن ألمس الأموات...

"لكن فات الأوان."

فتح الدوق فاه ببطء:

– "أما تود استعادة رأس أخيك؟"

"...!"

2025/09/06 · 25 مشاهدة · 1410 كلمة
نادي الروايات - 2026