"أملك رأس كرول هارت."
تنفّس دان بعمق وقد ضاق صدره بما سمع، فيما اضطرب ديون هذه المرّة، إذ ارتجفت عيناه المشرعتان على اتساعهما ارتجافًا لا رحمة فيه، وابيضّت يده القابضة على جهاز الاتصال وهي تهتز.
"ذاك..."
انعقد لسانه الذي كان ينثال بالكلام سلسًا كأنما طُلي بالزيت.
"ما ذاك..."
تعثرت الكلمات على شفتيه، تتهاوى في أنين غامض، لكن ديون تمكّن بصعوبة من أن يلهث:
"ما ذاك الذي تقول؟"
– "أنت تعلم أنني أنا من أزهق روح كرول هارت. ومن الطبيعي أن يكون الرأس بحوزتي. أُعلمك أنه بفضل السحر المودَع فيه فهو سالم لم يفسده الفناء."
"أنت مجنون..." همس دان وهو يرمق ديون، وقد بدا الأخير كمن انقطع نفسه. حاولتُ أن أستر عليه فلا أُظهر جزعه، فوضعت يدي على فمه وربتُّ على ظهره ليلتقط أنفاسه. وما لبث أن خرج نفسه متقطّعًا من تحت كفّي.
– "تعال إلى مقرّ الدوق في إقليم إلوستر. جُز بالجنود إن شئت، لكن عليك أن تأتي بنفسك."
"..."
– "وإن تأخرتَ فلن ترى رأس أخيك ثانية. أفتُراك ستخذل من مات حاميًا لك حتى اللحظة الأخيرة؟"
"أيها الزنديق..." تمتم ديون وقد استعاد صوته بعد عناء، فخرجت كلماته مستقيمة غير مرتجفة.
صرّ على أسنانه... أكان ممكنًا أن يبلغ وضوحًا كهذا؟ ابتسم الدوق، وأدار عينيه إلى فراغ لا يرى فيه أحدًا.
لقد وصل رأس كرول هارت إليهم برهانًا على الطلب. كان التكليف الأوّل اغتيال ديون هارت، ثم أضيف إليه إن قتل كرول إن أبدى رغبة في حمايته.
كيف كان شعورك إذ أبصرت رأس كرول هارت في الصندوق؟
[كم في الدنيا من حمقى!]
أظنني قد ضحكت لحينها.
الأمير الأوّل، ثم كرول هارت... لِمَ ارتضت تلك العائلة الملعونة أن تطرح أرواحها فداء؟
لقد ثمّنتُه لأنه سلاح نافع، أما الآن، وقد بلغنا هذه الحال، فلا أسف يذكر. لحظة عابرة شعرتُ فيها بعدم ارتياح، لكنني واصلت النظر.
[... قيل إن ديون هارت أفلت حيًّا.]
كان موضع القتال العنيف عند مشارف جبل. وما إن بلغ مسامعي ذاك الخبر حتى أيقنت:
[لقد لجأتَ إلى عالم الشياطين.]
لقد ألقى كرول بأخيه ديون هارت إلى حيث لا عودة، إلى العالم السفلي. أدرك أن في ذلك المكان خطرًا أعظم مما شهد، وهناك بذل أخوه دمه ليُنقذه. بل إن أراد أن يثأر من الدوق قاتل أخيه، فالمرجّح أن يقيم في عالم الشياطين، لا في حضن الإمبراطورية.
أما الإمبراطور، فملكٌ يزن بميزان المصلحة العظمى، لا بميزان الضغائن الفردية. ورغم عطفه على ديون هارت، إلا أنه ليس رحيمًا إلى درجة أن يضحّي بعرشه ليكسر الدوق إرضاءً لرغبة رجل واحد.
[سيغدو تهديدًا عظيمًا لا محالة.]
لو عاش في عالم الشياطين كالميّت لكان خيرًا، لكني أعلم أنّ رجاء كهذا أبعد من المنال.
ومع ذلك، في زمنٍ تتنازع فيه العوالم، مال ديون هارت إلى كفّة الشيطان تمامًا. ولن يُفوّت ملك الشياطين هذه الفرصة.
لهذا أنفقتُ بعضًا من قوّتي لأضع تعويذة حفظ، مع أنها من أعزّ ما أملك من سحر.
فكرول هارت قُتل حاميًا لأخيه. وما دام الأمر كذلك، فحتى أثرُه بعد الموت سيكون ثِقلاً على قلب ديون هارت. فإن جعلتُ من أشلاء أخٍ لم يُدفَن جسدُه كاملًا طُعمًا، فسيطوّح بنفسه نحوه، علم بذلك أو جهل.
وها قد كان.
لم يأتني جواب صريح، بل انقطع الاتصال بشتيمة خافتة وصوت أسنان تطحن، غير أنّها العلامة التي انتظرتُها. لقد تيقّنت أنّ ديون هارت سيبدّل مساره.
فلتكن لنا هدنة يسيرة إذن، ولنمضِ. رميت الجهاز جانبًا، وخطر ببالي كرول، ذاك الذي كان أشدّ من نفعني.
"حتى في موتك تُثقلني... حيًّا كنتَ تصدُّني وتحمي ديون هارت، فعدلاً أن تُعينني مرّة بعد أن صرتَ جثّة."
أليس كذلك؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قطع ديون الاتصال وغاص في صمت. كأن كل ما اجتاحه من مشاعر جرفت أنفاسه قبل قليل قد تبخر. تجمّدت ملامحه في قناع صلد لا يُبدي شيئًا.
أدرك دان ما يحاول أن يقتلع من داخله، فأعدّ نارًا. أشعل ديون سيجارة، وأطبق جفنيه ببطء.
"...أأنت بخير؟"
"أنا بخير."
كانت الأغنية الكئيبة قد كُممت منذ زمن بعيد.
طالت هنيهة من سكونٍ ثقيل، حدّق خلالها في الفراغ بوجه يابس، ثم همس:
"سمعتُ مرة أنه لا ينبغي أن تكره شيئًا."
بمجرد أن طرق سمع دان ذاك القول، عرف أنها كلمات الجدة العرّافة. لكنه لم يجب.
لم يجد جوابًا، كما أنّ صوت ديون كان مثقلاً بالإرهاق لا يحتمل ردًّا عابرًا.
تابع:
"لكنني أشعر أن القدر يدفعني دفعًا لأبغض هذا العالم."
"...إذن."
لم يعجبه وجهه الخالي من كل إحساس، ولم يرقه صوته الواهن. لقد كان أكثر حياةً حين كان يشتعل بالحقد، يلهب الأرض ركضًا في سبيل الانتقام.
لهذا تجرّأ "دان" على فتح فمه، وقال:
"إن كان لا بدّ لك أن تكره أحدًا كما شاءت الأقدار... فماذا لو أريته كراهية تفوق ما يترقب؟"
"...ماذا؟"
"إن كان بغيتهم من البغض بمقدار قبضةٍ، فليُرِهم السيّد كراهية تسع الدنيا بأسرها. ففي الجنوب مقولة تقول: الإفراط تفريط. وبهذا تكون قد بعثرتَ على القدر لعبته."
ساد الصمت.
وفي سكينةٍ كأنها مقطوعة عن الدنيا، هبط شيء بارد على جبيني. رفع "ديون" رأسه، فرأى الثلج يتساقط بخفة أمام سماءٍ كئيبة، يملأ بصره هدوءًا مهيبًا.
"كم من الوقت ضيّعناه في أراضي ميلر؟ متى حلّ الشتاء؟"
قال في همس: "لقد أخذ الثلج يهطل."
تخشخش الصوت.
كان "جانغتشو" الذي لم أذق منه غير رشفةٍ يندس بلامبالاة على فخذي، متجاوزًا الحزام بدهاء، يذيب الثياب من جديد، ويترك فوق ندبةٍ قديمة أثر حرقٍ آخر.
تمتم "ديون"، كأنه يخاطب نفسه متجاهلًا نظرات "دان": "أبغض الثلج."
ثم قال: "سأحفظ ما قلت. عُد الآن، فالطريق تبدّل، ويجب أن أسرع."
فليكن. سأُوهم نفسي أنني لم أسمع شيئًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي طريقٍ أسلك ليبلغني إلى أراضي "إليوستر" بأسرع ما يمكن؟
ليس اختصار المسافة وحده ما يوفّر الوقت. لقد امتد جيش ملك الشياطين حتى احتل بعض القلاع، وحسنٌ أن نُحسن استغلالها. فالأجدر أن نسير ونحن نخفّف من وطأة القتال.
خطر ببال "ديون" إقليم "باراس". فالأقصر إلى "إلوستر" يمرّ عبر أراضي "باراس" و"أميابل". ولأن "باراس" قد سقطت، و"أميابل" فقدت سيّدها في "ميلر"، فلن يطول اختراقها.
سنعود إذن من حيث جئنا عبر "باراس"، فلا وقت سيُهدر في معارك.
النوم مضيعة للوقت. والشياطين أصحاب جَلَد، يصبرون، و"دان"... له أمره.
ما إن اتخذ "ديون" القرار حتى لم يتردّد. أخبر جنده أن الخطة تغيّرت، وأمرهم بالمغادرة في الحال، فأطاعوه بلا نقاش. اتصل بي الشيطان في الأثناء يسأل إن كان الطريق تبدّل، لا ليسأل عن السبب، ولا ليعاتب.
"سيدي... لستُ مثلك. عيني تدور من التعب."
"يا للدهشة... سأهلك من السير معك."
"إن كان على أحدٍ أن يرتاح، فالناس أولى بالراحة."
"سيّدي ديون! لحظة... أذلك "بين"...!"
"بطل... أحتاج إلى شذرةٍ من بطولة... سيكون العناء أهون لو صرتُ بطلًا..."
كانت أصواتهم توحي بالاحتضار، ولم أعنَ بها. غير أنني أدركت المشقّة. بدني منهك حتى أنني أربط نفسي بالفرس كيلا أسقط.
...وربما اختلط صوتٌ آخر بينهم، غير أنّني خِلتُه وهمًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هكذا اندفع جيش ملك الشياطين بسرعةٍ أذهلت الجميع، فبلغ أراضي "أميابل" في لمحٍ.
وقد رُوي بعدئذ أنّ ملك الشياطين ضحك ملء شدقيه وهو يرى مواقعنا تتبدّل كلما غفل طرفه. "إنه ديون!" قالها وهو قابض على بطنه من الضحك.
رفع "ديون" رأسه، يمسح بإبهامه سوادًا ازداد تحت عينيه. ومن بعيد، رأى الجنود يتهيأون فوق أسوار القلعة.
"أرض بلا سيّدٍ، كالنمر بلا أنياب."
وقع قتال، لكنه لم يطل. فقد اجتاح جيش الشياطين الأسوار بيسر، بلا "مارغريف أميابل"، ثم اندفعوا ثانية صوب غايتهم.
وفي لمح، عبروا البقية، حتى وصلوا "إلوستر".
"هذا جنون..." تمتم "دان" بصوتٍ مبحوح، وجهه منهك كأن النار قد أكلت كل ما فيه.
أما الشياطين، فرفعوا وجوههم المكدودة نحو أسوار "إلوستر".
"...ها؟"
انبثق صوتٌ متسائل.
أكانت آمالهم في معركةٍ سهلة قد بلغت السماء؟ فلم يكن على السور أحد، حتى الحرس الذين لا يغادرون مواضعهم!
غمر "ديون" شعورٌ مألوف. فقال: "كالأراضي بعد "ميلر"."
"...!"
"ليذهب أحدكم ولتفتحوا البوابة. بعد تنظيف ما حولها، نأخذ قسطًا من الراحة. نصف يوم كامل."
أبصر الجنود إرهاقه، فحثّ بعضهم بعضًا، وتسلّق أحدهم الجدار. وما لبث أن فُتحت الأبواب.
ربما كان كمينًا يُراد به استدراج جيشنا. لكن "ديون"، بعينٍ متحفّظة، لم يدخل حتى رأى الشياطين يعبرون بسلام. ثم ساق فرسه إلى الداخل.
"إنه فارغ حقًا."
كان الداخل كمدينةٍ هجرت أهلها. غير أنّ العيون الحمراء لمحت بين البيوت أناسًا بسطاء، ما إن التقت عيونهم بعيوننا حتى فزعوا واختبأوا.
مال "دان" برأسه نحو "ديون": "أتريدني أن آتي بهم؟"
"...لا. يبدون مساكين."
لو كان فردًا واحدًا لكان موضع ريبة، لكنهم كُثر. بدت عليهم عجلة الهروب وفقر الحال.
"دعهم، راقبوا فقط من يُثير الشبهة."
"نحن نراقب، وما من أثرٍ يدلّ على شيء."
"ربما... صدقت."
فلن يكون الدوق بينهم. ولستُ أدري أيوجد رأس أخي أصلًا...
لكن الذهاب إلى مقرّ الدوق أولى. ما جئت هذا البُعد لأعود خاوي الوفاض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يعسر العثور على قصره. ساق "ديون" فرسه نحو أفخم القصور، وبوابة عظيمة بلا حارس أمامها.
"كما توقّعت."
كان خاليًا كذلك.
فتح الشياطين الباب الحديدي. راقبهم "ديون" في سكون، ثم خطا إلى الداخل وقال: "ستبقون هنا."
فتجمدوا مكانهم. أما "دان"، فخطا بثقة، ورغم أن "ديون" لم يقل نعم، فقد أعرض برأسه، كأنه يمنحه الإذن.