دخل ديون القصر بوجهٍ متجهم.
لا عَجلةَ في خطاه، ولا اضطراب في مشيته. بدا كأنّه يتفقد المكان فحسب.
من يراه من خلفه، لظنّ أنّه جاء ليتأكد من أمرٍ عابر. وذلك ما أراد ديون أن يُرى عليه.
'...أخي.'
رأس أخي هناك... أو لعلّه ليس كذلك.
لكن، أياً يكن، فإني سأُضطرب. غير أنّي لا أنوي أن أُري الشياطين شيئاً من ضعفي. ثم إن علموا أنّي حوّلت الجنود لأجل شأنٍ خاص كهذا، لكان في الأمر مشقة في المستقبل.
جال ديون في أرجاء القصر يصحبه رجل واحد.
"...أين هو؟"
لا بدّ أنّه في المكتب.
يُستهل البحث به، فإن لم يكن فيه، فلتُفتح سائر الأبواب. والأعمّ أن يُخالف باب المكتب سائر الأبواب في شكله، فلن يصعب العثور عليه.
وفيما كانا يصعدان الدرج ويتفحصان الممر، بدا أنّ دان – بحدة بصره – لمح شيئاً، فصاح:
"سيدي، أراه هناك."
"آه..."
لقد وجدته.
تقدم بخطى متسارعة حتى بلغ الباب. غير أنّه، خلافاً لاندفاعه، لم يمد يده إلى المقبض مباشرة.
'قد يكون كميناً.'
مال قليلاً عن موضعه أمام الباب، خشية أن يهجم من بالداخل فجأة. وكان دان وراءه، وديون قابضٌ على خنجره، فأومأ برأسه وفتح الباب.
هبّت ريح باردة للحظة.
"..."
"لا أحد هنا."
"...أعلم."
أجاب ديون بجمود، وقد عُلّقت عيناه منذ زمنٍ على بقعة بعينها.
مكتب الدوق لم يكن مميزاً بشيء. الفارق الوحيد عن المكتب الذي يعرفه، أنّ على الطاولة صندوقاً خشبياً، وجهاز تواصل.
لم يلتفت لآلة التواصل، بل تجمّد حين وقعت عيناه على الصندوق.
'ذلك الصندوق.'
فيه شيء عظيم... سواء أكان رأس أخي، أم شيئاً آخر، فالمقصود أن يعبث بي.
خطا نحوه كأنّ قوة خفية جذبته.
"سيدي؟"
"...انتظر هنا."
فلا طاقة لي حتى بتخيّل رد فعلي إذا كشفت ما في داخله.
وإن كان دان من القلائل الذين قد يرونني في حالٍ غير لائقة، فذلك لا يعني أن أسمح بانهياري أمامه. كبريائي وشيءٌ من غريزة البقاء صرخا أن هذا أكثر مما ينبغي.
فتح دان فاه ليعترض، غير أنّ ديون لم يصغِ، وأطبق الباب خلفه.
أُسدلت الضوضاء بالخارج، وحلّ السكون. استدار بخطى بطيئة حتى بلغ الصندوق.
'...'
نظر إليه بنظرة لم يفهمها هو نفسه.
رائحة دمٍ طازجة تسللت إليه. قالوا إن الدوق وضع عليه تعويذة حفظ، فلو صحّ هذا، لكان الصندوق يحوي زمن ذلك اليوم.
مدّ يده ببطء، قبض الغطاء، وزفر نفساً عميقاً، ثم فتحه.
'آه...'
توقفت أنفاسه.
أطبق عينيه، ثم فتحهما، كي يكبح ارتجاف بصره. ثبت نظره في الصندوق، وانتزع صوته من حنجرته بصعوبة:
"أخي... أجل."
أكان ذلك لأنه أراد إنقاذ مثلي؟ أم عوقب لأنه فدى من يستحق الموت؟
من يُضحّي بحياته في سبيل آخر، جدير بالإجلال... فلماذا آل مصيره إلى هذا؟
"إنه كرول هارت... حقاً."
لم أبكِ. ولم أحنق.
إذ سبق أن أرهقني البكاء والجنون ساعة اكتشفت الحقيقة. وفوق ذلك، فما كان سبب هذا كله أحداً سواي، ديون هارت، فبأي حق أُبدي مشاعري تجاهه؟
ثم إنني لم أشأ أن يقرأ الدوق –المترصد عبر أداة التواصل– ما يختلج في داخلي، فكتمت غلياني وأخرجت صوتاً بارداً:
"أيها الوغد."
ولحسن الحظ لم يرتعش الصوت إلا يسيراً، وجاء جافاً.
وانبعث ضحكٌ واهن من الجهاز، كأنه أدرك من شتمي أني علمت أنه يصغي.
"ما شأن المبادئ إن ضاعت الغاية؟"
"...أين بقيّة الجسد؟"
طرحتُ الألقاب جانباً.
فقد استُنزف صبري كلّه في التماسك. ولم يعد لديّ ترف أن أُجلّ رجلاً كهذا.
"الجسد... ذهب أدراج الرياح. لكنك أخطأت، فما بين يديّ ليس سوى الرأس. أمّا جسدٌ ثقيل وواسع فلا سبيل أن أحتفظ به. ثم إنه لا نفع فيه."
قالت ديفيلانيا أن زمناً مضى بين أخذ الرأس والجسد، وهذا يضفي شيئاً من المعقولية.
حتى لو ملك الكاتب الجسد، فلن يمنحه أحداً. قال ديون ببرود:
"...لم أحمل تاريخاً عسكرياً، فلمَ استدعيتني؟ ألتُضيّع وقتك؟ ماذا لو لم آتِ؟"
"لا، كنت ستأتي. وها أنت هنا. أما إن سألت إن كان الأمر تسلية، فالإجابة نعم. ذاك ما أردته بادئ الأمر."
"..."
"غير أنّي لما أعدت التفكير، رأيت حلاً أجدى."
في تلك اللحظة، أحس ديون كأن الدوق على الطرف الآخر يبتسم.
هممت أن أتكلم عن قشعريرة انسلت في ظهري، غير أنّ الدوق سبقني:
"بوسعي أن أقتلك وحسب."
رنّ صوته منخفضاً، مشؤوماً، كأنه إشارة. وشعرت بحضورٍ لم يكن موجوداً من قبل. استدار ديون سريعاً ليتفقد ما خلفه، ولما لمح الآخر، أسرع يضم الصندوق إلى صدره وانحنى.
"من أجل الخلاص."
رجل مسكين يحمل قنبلة كان يعدو نحوي.
لم يكن ثمّة داعٍ للذعر. في طرفة عين تقاطرت إلى ذهني أفكار شتى.
ولأنّي أرهف الإحساس بالحضور، مرّت بخاطري أشياء كثيرة: من دهشة غفلتي عن وجود رجل بائس في غرفة ساكنة، إلى احتمال مواجهته بخنجر مسلول، أو التملّص من جسده قبل الاصطدام به... وهكذا.
وحين عدت إلى رشدي، أدركت أنّ جسدي سبق وارتكس قبل عقلي.
"...! ...!!"
بخَفاءٍ سمعت وقع باب يُفتح، وصوت "دان". ظننت أنّ الناس غير "ديون هارت" بدأوا يولونني اهتمامهم. غير أنّ الوقت كان قد فات.
شخص ما انقضّ عليّ من الخلف، ثم...
فووووووو!
وقع انفجار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غشاوة وعيه، شدّ "ديون" ذراعه على الصندوق، واستعاد قولاً تفوّه به قريباً:
"أشعر أنّ القدر يدفعني إلى كراهية هذا العالم."
كما توقّع. جرى الضحك على شفتيه.
"انظر... لا يدعونني وشأني."
حتى المساكين يزهدون بأنفسهم ويحاولون قتلي. ومنذ زمن بعيد علم أنّ هذا الوغد تابع لكنيسة الخلاص، لكن عقله، المربك بالحقائق التي سمعها من الدوق ورآها بأم عينه عند "كرول"، لم يستطع أن يعي ما يجري بصفاء.
أنا غاضب من كل شيء.
بل حين بحثت في لاوعيي عن باعث غضبي، ازدحمت الوجوه في ذهني:
الإمبراطور المتفرّج، الدوق المدبّر لكل الشرور والذي يعبث بعقل أخي، بل هو أصل البلاء. وربما أكثر من الدوق نفسه... ذاك "ملك الشياطين" الذي اتخذني لعبة.
نعم... أيّها الشيطان الخسيس.
"لا بدّ أنك استمتعت بلهوي."
تصرّفتَ كأنك ستستأصل كبدي ومرارتي. هل ظننتني دمية مسلّية يوم راهنتَ بي مع الدوق؟
وما إن انقدحت في رأسي صورة ملك الشياطين حتى انصبغ وعيي بوسم الانتقام.
وفي اللحظة التي غدت فيها الفكرة قراراً...
"...سحقاً لكل شيء."
انفجر نور مبهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمقياس العالم، كان الأمر منذ زمن قصير، لكن بمقياس البشر فهو دهر طويل. لقد صبّ العالم بصره على رجل جُرَّ إلى حرب استمرّت ثمانية أعوام.
ولو أنّه سيق إلى الحرب كغيره، لما كان ثمّة ما يُذكر. غير أنّ وراء الحدث شيطاناً دفع هذا الإنسان إلى عالم قاسٍ.
ضحّية رهان بين الشيطان ومرشّحه لعقد. وضع كهذا يجعله مرشّحاً ليغدو بطلاً. فالبطل التالي قد عُيّن سلفاً، لكن إن أخفق، يكفي أن يكون هو الخليفة.
ولو فتشنا عن السبب، وعدنا أبعد في الزمن، لوجدنا أنّ عدد المرات التي هزم فيها ملك الشياطين الأبطال يفوق عدد المرات التي يهزم فيها الأبطال الملك.
ولِمَ ذاك؟ بعد تحليل طويل، استقرّ جواب العالم:
"لا يُغلب الشيطان إلا بإرادة توازي الغضب والانتقام."
كون المرء بطلاً لا يمنحه قوة عظيمة، بل إرادة البشر هي التي تدفعه إلى قتل ملك الشياطين. والعالم إذ طالما راقب البشر، أدرك أن مشاعرهم ــ وأخصّها الحبّ والانتقام ــ أشدّ من السيوف وأقوى من الحديد. وذاك الإنسان، "ديون هارت"، يكفي أن يُلحق بفريق سيقهر ملك الشياطين.
إنها محاولة جديدة. حتى لو خبت، فلا بدّ أن تُجرب. ينبغي على الأقل جمع الشواهد.
ولذا، كان الموت عسيراً. عليه أن يعيش إلى أن يتّضح المصير: أَيقتل البطل ملك الشياطين، أم يصرعه الأخير؟
كمرشّح للبطل لا يضير ضعف بدنه، إذ متى مُنح القوة، غدا جسده فوق المألوف. لكن الخطر كل الخطر أن يفقد أطرافه قبل أن يُتوَّج بطلاً.
لذلك، أفاض العالم عليه بركة نادرة.
على الرغم من ضعف إنسانيته، حفت به حماية قوية.
وكأن جهد العالم لم يذهب هباء، نجا ذلك الفتى الضعيف من أهوال المعارك. وما إن سقط البطل التالي بيد ملك الشياطين، حتّى رشّح العالم "ديون" مكانه.
لكنّه لم يُولد بطلاً تاماً؛ وجب أن يخضع لتغييرات في جسده ليقبل قوة البطل، وقبل ذلك، لم يكن بعدُ يحمل "رغبة الانتقام".
حياة البشر لحظةٌ في عين العالم، فلا بأس أن ينتظر حتى يدرك الحقائق ويضمر الحقد.
والآن... حين أصغى "ديون هارت" إلى كلمات الدوق، ووسم ملك الشياطين خصماً للانتقام، ثم اتّخذ القرار، ارتجف العالم فرحاً.
وإن مضت الأمور على نهجه، فسيتحقق ما حلم به العالم منذ ميلاده.
"أخيراً... اكتملت الاستعدادات."
لقد أُرسِل بطل متلألئ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البطل السابق حاول أن يورثني قوته عند موته. وبرغم إدراكي أنّ الأمر محال، غفلت وصببت طاقتي، فهلكت.
القوة التي بثّها فيّ البطل مرّت عبر جسدي وانطلقت إلى العالم. كان مُحزناً ومُحبطاً ألا يخلّف في جسدي أثراً.
... هكذا ظننت.
– يقولون إن إرادة صلبة قد تناوئ إرادة العالم. أظنّني الدليل.
قال البطل في عالم أسود لا شيء فيه.
"إرادتي في أن أُنقذك صارت شعلةً واستقرّت في داخلك. والذي تراه أمامك الآن جزء من تلك الإرادة والجسد."
لم تبقَ قوة البطل في جسد "ديون هارت"، بل خلّفت أثراً آخر. ورؤية ما أمامي الآن تشي بأنها تركت بصمتها.
– "رأيت ماضيك عن غير قصد، وشهدت ما جرى بعده. رأيت المواقف وحسب، لا أفكارك ولا مشاعرك. فاطمئن."
لكنني لا أشعر بأي طمأنينة.
أبدى البطل ضيقاً، لكنه، لعلّه تأثر بي، تظاهر بخلاف ما عهدتُه.
– "عشتَ حياة لا يطيق لساني وصفها. خلت أنّ رغبتي في أن تحيا كانت أنانية."
الأنانية صائبة.
فهناك ماضٍ يُنسى ويُطوى، وماضٍ لا يُمحى. وماضيّ من الصنف الثاني.
ماضٍ يخنق حاضري، يشدّ خيوطه عليّ كأنّي دمية، فلا سبيل لهناء. الموت أهون.
لعلّه مات حقاً، إذ أصابه الانفجار مباشرة.
– "ستعيش. فقد اختارك العالم بطلاً."
"... ماذا؟"