"ينبغي أن يكون جسدك قد بدأ يتعافى الآن. ...ولستُ أنا من صنع ذلك، فلا تنظر إليّ بتلك الطريقة. ولو لم تلتقِ بي لكانت الأمور سارت على هذا النحو أيضاً."

فلماذا التقيتُ بك إذن؟ ألم تقل إنك بقيت لتُنقذني؟

أجاب المحارب بطبيعته عن السؤال: هل يحق للعاطفة والفكر أن يُفصحا عن نفسيهما في هذا العالم الباطن؟

"أجل، أحترم إرادتك. فقد كنتُ شاهداً على حياتك وماضيك، فلا يحق لي أن أفرض عليك قدراً. حتى لو كان في حياتك خطرٌ فيما بعد، فلن أتدخل. لذا، وقد صرتُ عديم النفع، أود أن أجعل من يقظة المحارب هذه فرصةً أختفي بها... تاركاً بعض العون في مسألة التسليم."

...التسليم؟

"لقد كنتَ ضعيف البنية منذ مولدك. صحيح أنّ العالم أُعيد تشكيله عبر أزمان ليكون أكثر قبولاً لـ(القوة)، لكنه ما يزال ناقصاً بعض الشيء. وإن استمرت الحال، فستنال القوة كاملة، غير أن الطريق سيكون مؤلماً."

بحسب قوله، كان يفترض أن أكون في عذاب الآن، لكني لا أشعر بشيء. أهو أثر هذا العالم الداخلي؟

"حين تستيقظ، ستشعر كأن جسدك يُسحق حيّاً. لكنك وقد صرت بطلاً، فلن تموت من الصدمة..."

مات من الصدمة، فلم يعد ثمة ما يُقال. رجاءً، اعتنِ بموضوع التسليم.

هذه المرة بدا أنّ المحارب قرأ أفكاري. لم يضحك جهراً، بل اكتفى بابتسامة رصينة، ارتسمت على شفتيه بانحناءة وديعة، وأخذ يفسّر.

أصلاً، لم يكن من المنطقي أن تنتقل قوى المحارب من واحد إلى آخر. لأن قوته ليست ميراثاً يُسلَّم.

غير أنّ المصادفة جعلت من الشخص الذي أراد البطل أن يسلّم قوته إليه هو نفسه من اختاره العالم. بل إن قوة البطل كانت قد مرّت من خلاله مرّة، وخلفت أثراً يسيراً، مما سهّل تدخله.

"سأرحل الآن للمرة الأخيرة... لكني أريد أن أترك لك بضع كلمات عن حياتك. بوصفي رجلاً أراد يوماً أن ينقذك، يحق لي أن أفعل هذا."

اقترب المحارب خطوة. مدّ يده، وبعث نوراً خافتاً.

"أنت محبوب أكثر مما تظن."

هذا محال...

"كان هنا من أراد لك الحياة حتى بعد الموت. وهناك من يتمنى لك السعادة حتى بعد الفناء."

انخفضت اليد قليلاً، لتمسّ ما فوق الترقوة. المكان الذي طالما لمسه الشيطان. حيث تكمن الوصمة.

"حُرّاً... لا تُقيدك سلاسل، ولا تُثقل كواهلَك قيود. هناك من يريد لك حياةً تليق بك."

...أتراه يعني نفسه؟ ربما. فهو بطل. لكن لو نظرتُ إلى الواقع، لرأيت حشوداً تتمنى موتي.

وبفضله، أدركت من جديد: إن المحاربين عديمو الأنانية. على الأقل، ذاك الذي أمامي كان كذلك.

رجل هو صورة المحارب في أصفى معانيها؛ يهب حياته راضياً في سبيل غيره. كان آخر رفيق لي حتى قلعة ملك الشياطين، وظلّ يُفعل المستحيل لأجلي حتى بعد موته.

كيف لي أن أُصدق أني سأغدو بطلاً بعد إنسان كهذا؟ هل يجرؤ مثلي أن يعيش على نهجه؟

وكأنه قرأ خواطري، ابتسم المحارب بأسى.

"لا تحاول أن تكون محارباً مثلي. قلت لك: حُرّ، لا مُستعبد، ولا مُستضعف. لقد نسيتُ حتى اسمي... أما أنت، فلا تنسه."

آه... الاسم.

"...كاسيوس."

نطقتُ به.

سمعتُه أول مرة في مأتم. رغم أننا قضينا معاً وقتاً طويلاً، كان اسماً غريباً عليّ، كأني لم أعرفه من قبل. للحظة، عجزت عن إدراك لمن يعود.

كم من الناس سيتذكرون اسمه إذا مضى عابراً على الألسنة؟

ما دام ملك الشياطين حيّاً، سيظهر بطل جديد، وسيهتف العالم باسمه، ويمحو ذكر من كان قبله.

ومع ذلك، بوصفي شاهداً على أيامه الأخيرة، وملتقطاً لجسده، أردت أن أُبقي اسمه حيّاً. لم أكن أعلم أنّه كاسيوس.

رفع كاسيوس –الذي لم يعد بطلاً– عينيه دهشة، ثم ابتسم كأن قلبه ذاب.

"أجل. كنتُ كاسيوس. ابن حداد القرية."

"..."

"لم أظنّك ستذكرني. شكراً لك."

وكأن كل نورٍ انسكب فيه قد فارقه، سحب يده وتراجع. ابتسامة وديعة أضاءت العتمة، كأنها الوداع الأخير.

"الكلمات التي أضفتها، ربما لم تُغيّرك."

...مؤسف، لكنه طبيعي. فالعقول المجبولة على صدمات غائرة أو ماضٍ طويل، لا تهتز بكلمات قليلة. لو تغيّر البشر بهذه السهولة، لغدا العالم مملاً، متشابهاً، بلا جريمة ولا فرادة.

"مسكين."

تلاشى صوته.

وقبل أن أُجادله، بدأت صورته تتبخر. بقيتُ أرقب المشهد بصمت، أُريد أن يكتمل جمال الوداع. وحين شارف على الاختفاء، همس:

"آه، كدت أنسى الأهم. يوم طُردت من الكابوس، طُلب مني أن أنقل رسالة لشخص ما."

ظهر طيف ابتسامة في مجالي البصر.

"رجل أسود الشعر، أخضر العينين... طلب أن أُبلغك سلامه."

"...!"

ماذا قلتَ للتو...!

وانفجر النور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"رجل بائس التصق بقنبلة، فانفجرت."

في اللحظة التي تجمد فيها دان وقد أصيب مباشرة، انبثق نورٌ هائل من ديون هارت.

وكان ذلك وحده مروّعاً. لكن من السماء انحدر عمود نورٍ، مركزه هو. أضاء النور القارة كلّها، دون أن يُصيب الأبصار بأذى.

نور لطيف، سماويّ، مهيب. وبين وهجه، جسد ديون هارت الممزق يستعيد عافيته.

سرعان ما اتضح المشهد:

"لقد استيقظ البطل!"

"أعصفني الاضطراب إذ توالت حوادث مروّعة على غير ميعاد، غير أنّ شيئاً واحداً أدركه بيقين.

'لقد جُننتَ حقاً إذ اخترتَ من كان في طليعة جند ملك الشياطين بطلاً لك.'

لكنّ الأمر ليس ذا شأن الآن.

الأولى أن نصدّ أولئك المهاجمين بالقنابل. هؤلاء البؤساء ظهروا فجأة في قلب القصر، حيث لم يكن ثمّة أثر لهم.

'...يبدو أنّ الدوق لجأ إلى السحر.'

ألأنّي اكتشفتُ قبل قدومي أنّه متعاقد مع ملك الشياطين؟ ذلك وحده ما يفسّر كيف محا وجودهم البائس بهذه السلاسة.

"على أيّ حال، لم أفهم قط أولئك المهووسين بالدين الكاذب. أنتم مجانين."

{م.م: تم إضافة كلمة "كاذب" عشان ما نغلط على الدين الحق.}

والدوق الذي ابتدع هذا الدين أعظم جنوناً منهم.

بسرعة برق، قطع "دان" رأس الرجل المندفع من الأمام، ثم ركل صدره فارتطم برجل آخر، وتقدّم نحو "ديون". من الخلف دوّى صوت انطفاء روح.

أول ما فعلوه هو أن انتزعوا جهاز الاتصال، لعلّه ما يزال موصولاً، وقذفوه من النافذة، ثم رفعوا بجفاء جثة ملقاة. كان منظرها مروّعاً، كأنها جثة تتحزّم بقنبلة، غير أنّ "دان" لم يلتفت إليها، بل رمق "ديون" فحسب. وبينما كانت جراحه تلتئم بسلاسة، لفتني أمر آخر:

"الوصمة..."

العلامة السوداء التي كانت بارزة من ياقةٍ ممزّقة، أخذت تتلاشى.

في أرجاء الإمبراطورية، عُرفت تلك العلامة بلـ*ـنة ملك الشياطين، وقد نُقشت بيده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في اللحظة التي انبثق فيها عمود النور الواصل بين السماء والأرض، رفع ملك الشياطين رأسه فجأة. وإذا به يتلقّى خبرين معاً.

أولهما: أنّ العدو اللدود، "البطل"، قد وُلد أخيراً. والثاني... أنّ "الوسم" الذي كان يتعقّب "ديون هارت" قد مُحي.

لقد نحته بعناية. حتى لو صار بطلاً، ما كان ينبغي أن يزول.

لكن الأمر يختلف مع المحارب. فجسد البطل يملك مناعة أمام سحر الشيطان. وإذ يحتمل مقداراً من سحر القتل، فإن الطلسم الصغير لا يترك فيه أثراً.

فهل من المصادفة أنّ العلامة على جسد "ديون هارت" تلاشت في ذات اللحظة التي وُلد فيها البطل؟! الأمر جليّ حتى بغير نظر.

"ديون هارت صار محارباً."

رفع يده بهدوء إلى فمه، وغمر المحطة جنونٌ، قبل أن يتردّد في المكان ضحكٌ مكتوم.

"آه... كيف يحدث هذا؟"

لِمَ يختارون دوماً الجواهر النادرة؟

لقد ظفرتُ بغنيمة. كنتُ أظنّني أفقد صوابي من فرط السعادة منذ لقائه، فإذا به يكشف لي عن ما هو أعظم!

وبينما البسمة لم تفارق وجهه، مدّ يده إلى مقعد الاتصال.

"بلّغوا العالم السفلي بأسره."

فالفرح فرح، لكنّ الواجب واجب.

الآن وقد وُلد المحارب، حان وقت إلغاء الأوامر التي لا حاجة لها.

"من هذه اللحظة، يُرفع الحظر عن السحر."

أمرٌ خُيّل أنه أبديّ، قد أُلغي. ولن يلبث الشياطين أن يدركوا. ومن كان فيهم بصيراً فقد وعى.

كيف سيكون وقع الخبر عليهم إن علموا أنّ قائد "الفيلق الصفري" قد غدا محارباً؟

لعلّهم يفرحون على نحو مختلف. إذ أنّ ملك الشياطين والبطل غدوا على كفّة واحدة. يقال إن قوتهما تضاعفت، وسيظنون أنّ الأرض أرضهم.

"أهو كذلك حقاً؟"

...أما أنا، فسعادتي من جنس سعادتهم.

فلأتلذذ بهذه البهجة. ابتسم ملك الشياطين ووضع مقعد الاتصال جانباً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمّا الطبيب "بِن"، فقد أفلت من حصن ملك الشياطين، يعدو حيث كان "ديون هارت".

والسبب جليّ: إذ التقط إشارة دمٍ مقذوف من صدره. بل وصلت أحياناً إشارات شاذة من سائر أعضائه، كأنه يستنزف جسده بلا رحمة. فكيف للطبيب أن يظل صامتاً؟

نويتُ اغتنام الفرصة لمعالجة كل ما به، فغادرت قلعة الملك ودخلت عالم البشر. ألهث خلف أثره المسرع...

"أيُعقل أن يكون بهذه السرعة؟!"

المسافة لا تضيق، بل تتسع!

أيّ قشٍّ صُنع منه باب البشر؟ أيفتح عند لمسة؟

كان الأجدر أن يعيقهم القتال، لكن لا علامة لذلك. ورغم أنّي ظننتُهم سيُطوَّقون سريعاً، إلا أنّ جنود "ديون" ظلّوا يشقّون الطريق بلا توقف.

"أأقول إنّه ديون؟ أأفرح بهذا أم أقلق؟"

إن استمرّ الحال، فلن ألحق بهم.

وبينما كنت أستريح في أراضي "باراس"، أفكّر أأتراجع أم أمضي، إذ بمسار "ديون" يتبدّل فجأة.

عاد يسلك الطريق الذي جاء منه! فهتفتُ مهلّلاً:

"سنلتقي!"

لا أدري لِمَ عاد، لكن اللقاء صار ممكناً.

غير أنّ الإشارات أخذت تضعف مع الوقت، والجروح الطفيفة لم تعد تُلتقط. لذا وجب أن أفحصه بنفسي حين ألقاه، ولا سيما الحروق على فخذيه.

وانطلقتُ صوبه في الجهة التي يعود منها.

"سيّدي ديون! لحظة! سيّدي ديون...!"

دَوْسٌ متسارع، وغبار يتعالى. نظرتُ حسيراً إلى موكبه المندفع، وقد مرّ بي غير مبالٍ.

"تجاهلني..."

كأنّه لم يشعر بوجودي أصلاً.

لكنني طبيب لا يعرف الاستسلام. أجل، إن كان في الأمر حياة مريضي، فسأمضي أكثر.

رفعتُ عقد الحجر السحري ورحتُ أقتفي أثر "ديون". كان يبتعد بخطى سريعة، لكن...

"المسافة لم تعد كما كانت. يمكن اللحاق."

عاودت المسير حتى قاربت أراضي "إلَوستر".

وهنا برزت المعضلة.

عمود ضوء هائل... إشارة ارتجّت بموضوع خطير ثم انقطعت فجأة.

أمعنت النظر في الحجر السحري، ثم في ذلك العمود المهيب وقد انقطع.

أدركتُ معناه. فليس في عالمي البشر والشياطين من يجهل هذا الرمز.

"اِستيقاظ محارب..."

إذن، كان انقطاع الإشارة لهذا السبب.

وقبل أن أحتكم لعقلي، أجابني حدسي:

"ديون... لقد غدوتَ محارباً."

2025/09/07 · 25 مشاهدة · 1470 كلمة
نادي الروايات - 2026