في تلك الحال، لعلَّ الإشارة التي أخذت تضعف شيئاً فشيئاً، لم تكن إلا جزءاً من مسيرة التحوّل إلى بطل.

كان عليه أولاً أن يلقى "ديون". فاندفع "بن" مسرعاً نحو البوابة المفتوحة. أما القلادة الحجرية السحرية فقد انقضى أثرها منذ زمن، غير أن الطريق لم يكن عسيراً، إذ كل ما يلزمه هو الجري تحت هداية ذاك العمود الهائل من النور.

عمودٌ من ضياء كان يشعّ حضوره في جوف قصر.

غير أن "بن"، على خلاف اندفاعه الذي أوحى كأنّه سيقتحم الباب من فوره، توقّف لحظة، ودعك عينيه، إذ مشهد لا يُصدَّق قد ارتسم أمام البوابة الكبرى.

"ما هذا؟"

كأن كبدي تورّمت من هول ما أبصر.

بشرٌ يلفّون أجسادهم بالقنابل يهجمون على جند الشياطين المنتظرين عند المدخل. والشياطين مترددون في ردّ هذا الهجوم الذي لا يعبأ بالأجساد، وكلٌّ منهم يشهر سلاحه.

آهٍ، لا أدري ما الحيلة، لكنّي أعلم أنّ الحياة ليست هباءً. وإلا فكيف يجرؤ امرؤ على فعلٍ كهذا؟

لبرهة، سُحرت عيناي بالمشهد غير المتوقع.

"ديون أولاً."

أفاق "بن" من ذهوله، شدّ حقيبته بقوة، ثم قفز إلى قلب المعمعة.

"تفرّقوا جميعاً!!"

وإن اعترضني أحد، فلن أتورّع عن طرحه أرضاً!

كلما لوّح بحقيبته، دوّى صوت مكتوم، فتطاير بشرٌ وشياطين في الأفق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"ظننت أنّ الأمور ستستقيم ما إن أدخل القصر..."

تنفّست بعمق، ولوّحت بحقيبتي من جديد. ارتطم جسد أحد البشر بالحائط، وصوت عنقٍ يتحطّم أرخى في المكان رهبة.

هنالك حضور يملأ القصر... نوايا غير طاهرة، تسوقهم إلى نقطة كأنهم تواعدوا عندها.

وليس ذلك فحسب، بل دويّ انفجارات، ورجفة تهزّ الهواء في فألٍ مشؤوم ثقيل. صعدت الدرج كأنني أطير. وما إن أبصر "بن" الجمع المتكدّس أمام أحد الأبواب، اندفع دون تفكير، يلوّح بحقيبته.

"أروا ألعابكم النارية في الخارج أيها الجهلة السفهاء!"

"...بن؟"

كان "دان"، الذي بالكاد يلوّح بسيفه متراجعاً عن الانفجار، مشدوهاً.

لكن الموقف حُسم في لمح البصر.

فمع أنهم شياطين، لم يستغرق الأمر سوى دخول رجل واحد ليُجلي المشهد بهذه السرعة. أغمض "دان" عينيه في ذهول، أعاد سيفه إلى غمده، ثم التفت نحو "بن".

ذاك وقد جُنّ، يقترب من العمود المضيء، يتفقد حال "ديون".

"لقد طالتك شظايا الانفجار من قبل... جسدك متهالك. كدت تتعافى، لكن عيني لا تخدعها الظواهر."

"..."

أهذا الهدوء ردّه؟ "بن" الذي عهدته كان أشدّ...

"أين كنت حين لم تحمِ ديون؟!"

كما توقّعت.

أمسك "دان" بتلابيب "بن"، يهزّه بعصبية، إذ لم يكن له في الأمر يد. ومع ذلك، غمره ندم عميق.

"قد دخلتَ وأنت تضع ثقتك بي، وكان عليّ أن أصونها."

إنها مسألة وفاء بالثقة.

لا صلة لها بديون هارت فحسب، بل بنظرة جيش سيد الشياطين إليّ.

"حمدت أني ما زلت على قيد الحياة."

فلو مات، لمتُّ معه. فما حاجة الشياطين ببشر يعجز عن صون من استأمنه عليه؟

ديون هارت لم يثق بي عبثاً.

"آسف."

"ولِمَ تفعل ما يوجب الأسف؟!"

وبينما "دان" يحدّق خلف كتف "بن"، توقف فجأة.

كان العمود البهيّ من النور يخبو رويداً. وما هي إلا لحظات حتى برز "ديون" من قلب الضياء. ولما رأيت محيّاه، خلت فكري قد انمحى. كان "بن" ما يزال يصخب غاضباً، غير أنّ صوته لم يبلغني.

"غريب... العمود قد انطفأ، فما بال الضياء يجلّل ديون هارت بعد؟"

أدرك "بن" أنّ رفيقه قد شرد ذهنه. فلما لمح حيرة "دان"، زمجر بصوت عالٍ، ثم أدار رأسه يتبع نظراته.

"أما زلت لا تُصغي إليّ؟ ... ديون!"

اختفى الشيطان الذي أمامي، مخلفاً أثراً كخيالٍ واهن.

كانت حركته أسرع من أن تُدركها العين. ومع ذلك، ظل "دان" مطمئناً، فقد كان يعرف وجهته مسبقاً.

وحقاً، كان "بن" جاثياً حيث "ديون هارت"، مدّ يده نحوه، وكان "ديون" ينكمش ممسكاً بصندوق في حضنه. فتوقف "بن" عند لمسه.

"ما هذا الصندوق...؟"

"آه، ذاك..."

لا، لا ينبغي البوح به.

لو أفصحت أنه رأس "كرول هارت"، لأدرك الطبيب الحقيقة كلها... بدءاً من أنّ "ديون هارت" فرّق جيشه لأجل أمرٍ شخصي، وانتهاءً بوقوعه في فخ.

ولن تكون العاقبة خيراً على "ديون".

اكتفى "بن" بهز كتفيه إزاء صمتي.

"لا أعلم ما بداخله، غير أني سأضعه جانباً ريثما نُعالجك..."

تنهيدة.

لم يُكمل "بن" جملته. اليد الممدودة نحو الصندوق أُمسكت فجأة. ارتجفتُ من قبضة تكاد تسحق عظامي، وللحظة سمعتُ صوتًا رقيقًا يقول:

"هذا لا يمكن أن يكون."

كان الصوت خافتًا، لكنه مفعم بالحياة.

اللحظة بدت كالحُلم، حتى شككت أنّها محض وهم، لكن جفون "ديون" أخذت ترتفع ببطء. وكأنها تُذكّرنا بصرامة أنّ هذا واقع لا خيال، فالعينان الحمراوان المتلألئتان انفتحتا وحدّقتا بـ"بن".

لم يكن "بن" وحده مَن جُمّد في مكانه، بل حتى "دان" الذي كان يراقب من بعيد أصابه الذهول.

(... فتحتُ عينيّ، والحق أنّ الأمر ليس بالهيّن).

شعرتُ به وأنا مُغمض، لكن حين أبصرتُ أدركتُه يقينًا.

(كنتُ محسوبًا على الوسامة من قبل... لكن الآن...)

إنها فُتنة تتجاوز الأذواق.

مَلامح الوجه لم تتبدّل، لكن السحنة ارتقت إلى مقام آخر. أليس الجمال هبة من هِبات البطولة؟ تذكرتُ ما أعلمه عن الأبطال.

إن قوّة المحارب موهبة، ومجال الموهبة واسع، يتشكل وفق ما يعتقد المرء...

(...أنتَ موهوب).

حتى الجمال ذاك، موهبة.

أومأ "دان" موافقًا.

أما "ديون" فبعد صدمة قصيرة عاد إلى وعيه، ونهض ببطء. حاول "بن" أن يسنده، لكنه رفض وأخذ يجلس، يقبض ويفتح كفّيه بتأنٍ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنه امتلاء بالقوة.

هكذا يكون العافية؟ البصر صافٍ، والنَفَسُ ميسور. الجسد الذي كان يستلزم جهدًا في كل حركة صار الآن ينقاد للفكر وحده.

حتى عدوّي الأزلي، ملك الشياطين، أستشعر وجوده.

(لقد غدوتَ بطلًا حقًّا).

لا سبيل لإنكار ذلك.

أتُرى إذن أنّ الحديث الذي دار في ذاك المكان لم يكن حُلمًا باطلًا؟

شدّدتُ قبضتي على الصندوق حتى سمعت طقطقة العظام، فأرخيتُها مسرعًا. مع ذلك شعرتُ أكثر أنني صرتُ بطلًا.

[رجل ذو شعر أسود وعينين خضراوين سلّم عليّ].

... كرول.

أطرقتُ برأسي. "بن" يثرثر قلقًا يسأل عن راحتي، لكن أحدًا لم يُصغِ له.

ظللتُ أحدّق في الصندوق بين ذراعي وأغمضتُ عينيّ.

لم أدرك إلا حين سمعتُ:

[هنا مَن أراد لك الحياة بعد موت، وهنا مَن أراد لك الفرح بعد موت].

إن كلمات البطل لم تشمل نفسه وحده، بل شملت "كرول هارت" أيضًا.

[حُرًّا، لا تُكبلك قيود، ولا تُقهرك سلطة. هناك من أراد لك أن تحيا كما يشاء قلبه].

قلتُ "أُناس". كيف لم أُدرِك هذا؟

ثم... ثم...

(أتمنى أن تحيا كما أريد لك).

اختنق صدري، كأنني أغوص في غمر الماء.

أشعر أنّه ما زال يفكر بي بعد موته، فأودّ لو أُطيع كلماته وأُريه أملي، لكن...

(لا).

قبل أن أجادل أيّ حياة أريد، لا أجرؤ أن أزعم قدرتي على اتّباع وصيته. أشعر بقوة قدرٍ عظيم تدفعني إلى وجهة واحدة، فكيف يقاوم إنسان هزيل مثل هذا التيار؟

(لكن... كما قال "دان" يمكنك أن تأكل الحلوى).

أهذا محض مصادفة أنّه استيقظ كبطل لحظة اتخذتُ ذاك القرار؟

مستحيل. ضحك "ديون" كالمُنهار.

لقد انكشف لي ما يريده هذا العالم مني. إن سرتُ وفق قراري، فأنا أسير وفق إرادته. إرادتي، وفي الوقت ذاته، ليست إرادتي.

(قلتُ إنّه إما إفراط أو تفريط).

وما دام لا خيار إلا أن أسير حيث يسوقني العالم... فلا بأس إذن أن أُظهر شيئًا أعظم.

(لكن... الانتقام أولًا).

برد الصندوق في ذراعي يُشعرني باليقين. نهض "ديون".

كان ضجيج الخارج يشي بأن الفقراء قد هجموا على الجنود. قوتهم العسكرية واهنة، لكن لأنهم يُضحّون بأرواحهم فلن يكون صدّهم يسيرًا.

مضيتُ متهاديًا، ألقي نظرة على "بن" و"دان" المذهولين، وأشرت لهما بالمضي.

سرتُ في الرواق بخطى منتظمة تخفي ما في داخلي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غارات الفقراء أُبيدت تقريبًا. لقد كان في هذا أثر غريزة البقاء عند الشياطين، يطهّرون المكان قبل خروج "ديون".

وبينما تولّى قيادة الجيش، أحاطت به هيبة تمنع من الخطأ. لا عقوبة عظيمة إلا في الكبائر، لكن النظرات الباردة والنبرة المُحتقرة كانت تكفي لتُدرك الشياطين قدره.

...لكن شيئًا تغيّر. أهو لكونه صار بطلًا؟

راحوا يحدّقون مذهولين بـ"ديون" وهو يطأ ظهر جثة.

كنتُ أعلم أنّ عمود النور يبشّر بولادة بطل. ولأنني علمت أنّه ظهر في القصر الذي دخله "ديون" و"دان"، ظننت أنّه قد يُصبح بطلًا.

لكن لم أكن أتوقع ما آل إليه الحال.

"هذا الحقير هاجمني، ولم يتحرّك أحد."

اشتدّ ضغط قدمه، حتى سُمِع انكسار العمود الفقري تحت وطأة قوة البطل.

العينان الحمراوان تلتمعان، تُحدّقان بمن تجنّب النظر. وصوت مُتثاقل ببرود وسأم خرج منه:

"ماذا أفعل بهذه الحُثالة العاجزة؟"

كان الشياطين في غاية الحرج.

لم يكن الأمر أنّهم لم يتفاعلوا، بل تحرّكوا جميعًا، غير أنّ "ديون هارت" سبقهم فقتل خصمه أولًا.

كاد الأمر يُحسم، لكن لم يُستأصل كليًا. وكان بديهيًا أن يبقى للفقراء بعض الهجمات، فلم يتركوا رجلاً مشهورًا مثل "ديون هارت" خارج القصر. فأقربهم اندفع صوبه حين ظهر.

وحين همّ "دان" و"بن" وغيرهم بالتحرك، كان "ديون" أسرع.

[أكنتُ في نظرهم رخيصًا حتى يتجرّأ عليّ كهذا الأهوج؟]

هل تُصدق لو قلتُ إن كل ما جرى وقع في لحظة؟ من الإمساك بوجهه ورميه أرضًا، إلى قلب جسده بحيث ينفجر ما في بطنه تحته؟

بينما ينظر "ديون" إلى يده اليسرى بدهشة.

لقد وضعتها تحت بطن الرجل حين قلبتُه. الانفجار بعثر دمه حتى غمر ذراعي، ومع ذلك...

(برئتُ كلّيًا).

الدم الكثيف باقٍ، لكن لا أثر لجرح.

هكذا تبلغ قوّة الشفاء عند البطل. بعد أن تملكني الإعجاب، كبحتُ ابتسامة ارتسمت على فمي.

"فما الذي عليّ أن أفعل الآن؟ لِمَ لم أُنهِ ما تبقى سريعًا؟"

"نعم... نعم!"

لم يعد لزامًا أن أُحسن حساب كل خطوة. سكت "ديون" وكأنه ينتظر هذه اللحظة.

لقد كان "ستيغما" يختم كل تعليم بقولٍ يعلق في الذاكرة. وأنا، كتلميذٍ وفيّ، لم أنسه:

[كل هذا لغو إذا كنتَ الطاغي بقوّتك].

عدو البطل الحق هو الشيطان، وملك الشياطين كذلك.

ليس في وُسع الشياطين وحدهم أن يفتكوا بالبطل، وحتى إن باغتوه، فبمثل هذه القدرة على الشفاء لن يعجز عن ردّ الكرّة والبقاء.

ثم...

[حُرًّا، لا تُكبلك قيود ولا تُقهرك سلطة.]

... لم أعُد أرغب أن أعيش هكذا بعد الآن.

2025/09/07 · 29 مشاهدة · 1478 كلمة
نادي الروايات - 2026