الثعلبُ الثلجيّ الذي تظاهرَ طويلًا بأنّه دبٌّ ثلجيّ، منفوشُ الفراء طلبًا للبقاء، استرخى أخيرًا في طمأنينة.
أبصرَ ديون الدمَ يسيل على ذراعه، فلم يقوَ على مقاومة إصرار (بن)، فالتفتَ والدمع يلمع في عينيه. كان صوته هيّنًا، لكن خُطاه رشيقة، كأنّه وُلد على هذه الهيئة.
قال: "من الآن فصاعدًا سأحسبُ نصف اليوم الموعود. فإن رغبتَ في راحةٍ طويلة، فالأجدر أن تُهيّئ الأمر سريعًا."
"...!"
دبّت الحركة في أجساد الشياطين المتجمدين من جديد.
ولمّا فرغ ديون من ترتيب الأمر، جلس بعيدًا عنهم قليلًا، تاركًا رسالة أن يسكنوا في مكان مناسب ويستريحوا، حيث موضع يرقب منه كيف يُمحى الضعفاء قبل أن يبلغوه.
وبينما الصندوق لا يزال بين ذراعيه مشدودًا، جلس على صخرة وضع (دان) عليها منديلاً، ثم أخرج سيجارة...
"السجائر ممنوعة عليك يا ديون!"
...فانتُزعت منه في الحال.
التفتت عيناه الحمراوان إلى (بن)، لا تُخفيان دهشتهما.
قال: "ألم تكن هاهنا لتفحص ذراعي؟ أعلم أنّ النظر يكفي، لكن فلنمضِ، أليس كذلك؟"
أجابه: "لأن جسدك تبدّل حين غدوتَ محاربًا، انقطع الإرسال عن عقد الحجر السحري. فلا بد أن أستخلص دمًا جديدًا وأعيد صنعه..."
ابتسم ديون بخفة: "أظنّ أنّ لا حاجة لذلك. حتى إن جُرحتُ، يلتئم جرحي سريعًا."
هزّ كتفيه وأشار إلى الذراع التي كان (دان) يمسح دمها، لتنكشف ذراع بلا أثر.
تمتم (بن): "...أنا طبيب ديون."
ردّ ديون: "ذاك صحيح. غير أنّك لم تَعُد بحاجة لأن تتشبّث بي كما من قبل."
قال بن بإصرار: "ومع ذلك، فمسؤولية صحّتك لا تزال علينا، ولا مفرّ من وسيلة نعرف بها حالك في كل لحظة."
فأجابه: "افعل ما بدا لك."
كان ديون يظنّ أنّ الأمر سيمرّ عبثًا، فما أكثر جراحه التي تبرأ قبل أن يصل (بن). لكنه لم يُمانع، ومدّ ذراعه.
طعنه الطبيب بخنجر صغير، ثم بُهت للحظة.
قال بدهشة: "...إنّه يلتئم قبل أن يقطر الدم."
أجابه ديون: "أخبرتك أنّ الأمر لا ضرورة له."
قال بن بحزم: "...سأعمّق الجرح قليلًا."
وبعد محاولات متكرّرة تمكّن أخيرًا من جمع الدم. لكن بدل أن ينشغل بالجرح الملتئم، هوى فجأة على ركبته أمامه.
لامست يده فخذ ديون.
قال بن: "لا بُدّ أنّك كنتَ تتعاطى المخدرات في غيابي."
سكت ديون.
أضاف بن: "لقد نهيتُك أن تمسّ جسدك... أيسوؤك أن أفحص؟"
ردّ ديون: "لا."
فتجمّد وجه بن، وقال: "لقد فعلت."
قال ديون: "لا بأس. لقد غدوتُ بطلًا، وكل شيء اندمل."
رفع بن ذراعه المشرّعة للنور، فانكشفت ندوبٌ لا تُحصى.
قال: "الجراح التي سبّبها التحوّل إلى بطل التأمت دون أثر... أمّا القديمة فما زالت شاخصة."
كان ديون يدرك ذلك جيدًا.
قال بن بعد صمت: "يبدو أنّ ثمّة ندبة أخرى... لا، بل ندوب كثيرة."
ابتسم ديون بأسى وقال: "هي ندوب وحسب. لطالما حفلتُ بها قبل أن ألقاك، فإضافة أخرى لن تغيّر شيئًا."
لكنّه لم يفهم سبب حساسية (بن) تجاه الأمر. فالندوب في نظره ماضٍ مضى، وأكثرها ضئيل كأثر سيجارة صغيرة.
غير أنّ بن قطّب حاجبيه وقال: "الندوبُ ذواكر."
أطرق ديون صامتًا.
أردف بن: "كلّ ندبة تُعيدك إلى اللحظة التي وُسمت بها، وتستحضر ما خالطها من ألم ومشاعر. وما من ذكرى طيبة تنبجس من جرح."
وما زاد الأمر قسوة أنّ الندوب التي على فخذيه صنعها بيديه، لا بيد سواه.
فكيف له أن ينسى الأفكار التي كانت تعتصره حينها؟
تكلم الطبيب عندئذٍ لا بوصفه طبيبًا وحسب، بل كإنسان يبتغي أن يحفظ صحة (ديون هارت) جسدًا وروحًا:
"تكفي الجراح التي تُخلّفها الأفكار والخواطر السوداء أن تبقى في القلب. ذلك وحده يُثقل كاهلنا. فلا تُضيف يا ديون إلى جسدك ندوبًا جديدة. لا أريد لذكرياتك السيئة أن تُنقش في لحمك."
ساد صمتٌ طويل.
"كان عليّ أن أرحل منذ زمن بعيد."
تقلّب نظر "دان" بين "بن" و"ديون"، وكأنّ حيرةً أثقلت قلبه.
فجأةً باغتني خاطر:
"السيّد أوفرُ حظًّا من الحبّ ممّا كنت أظن."
قد يخال نفسه وحيدًا.
لكن العجيب حقًا أن يُغمر المرء بمحبّةٍ كهذه، في وقتٍ تُبنى فيه الأسوار حوله.
إذ إنّ "ديون هارت" لا يُحبّ ذاته، فلا يرى محبّة الآخرين له، ولا يُصدّق نواياهم الطيّبة نحوه. لذا يعجز أن يردّ لهم وُدّهم، وما دام الحال كذلك، سرعان ما يبهت ذلك الودّ، ويذوي صاحبه، فلا يبقى للحبّ في النهاية أثر.
"فلعلّ... (لولا الله ثُم..) لولاهم لما استطاع السيّد أن يصمد حتّى اليوم."
فبفضل عاطفتهم وصبرهم بقي واقفًا.
ساد صمت قصير. ثم أغمض "ديون" عينيه، وقد كان يحدّق في "بن"، ولوّح بيده: "أريد أن أرتاح قليلًا."
قال "بن" متردّدًا: "سأتركك لبعض الوقت..."
ثم التفت إلى "دان" ومضى.
وحين ابتعد حتى غاب صوته، أعاد "دان" النظر نحو "ديون"، وأخرج من جيبه منديلاً أسود يقلبه بين أصابعه.
فقلت لأغيّر جوّ الكلام: "لهجتك تغيّرت من جديد."
أجاب: "لقد عادت لطبيعتها. لقد صرتُ أقوى... لم أعُد مجرّد جسدٍ غليظ، بل صرتُ بطلًا. فلا يضيرني إن بدا صوتي مهيبًا أو جافًا، أليس كذلك؟"
قلت بدهشة: "ومن قال ذلك؟"
قال: "سينيوري."
ثم زفر "دان": "كلامه ليس خطأً، ليس خطأً... لكن ما الذي يدفعه لأن يقول ذلك؟"
أجاب "ديون" وهو يتذكّر: "ضرب لي مثلًا عجيبًا: لو كنتُ أملك قوّةً طاغية، لكان بوسعي أن أتدلّى من ثريّا قاعة القصر الإمبراطوري في مأدبة ملكيّة، ولن يجرؤ أحد على الاعتراض!"
قال "دان" بامتعاض: "كان الأجدر أن تُصفّي كلامه بمرشّح من الحذر."
ضحك "ديون" قليلًا، وقال: "إنه شخص جيّد."
فردّ "دان": "جيّد معك أنت فقط، يا سيّد."
قال "ديون": "وهذا يكفيني."
ثم شدّ قبضته على المنديل الأسود وهمس: "...النار."
سأله "دان": "أتريد أن تحرقه؟"
قال: "لم أعُد بحاجة إليه."
فأجابه: "للمنديل منافع كثيرة. فاحتفظ به لعلّك تحتاجه."
قال "ديون" بصرامة: "إن رأيتني بحاجةٍ إليه لاحقًا، أعطني غيره. أمّا هذا فسأُحرقه."
هزّ "دان" رأسه متأففًا، لكنه أشعل النار له. أمسك "ديون" المنديل المحترق، ثم ألقاه فوق الثلج حيث تلاشى أثره.
التفتت عيناه الحمراوان نحو "دان" وصاح ساخرًا: "أجننتَ؟ تعاملني كما يُعامل الأبطال!"
ردّ ببرود: "وما العيب؟"
كان يودّ أن يُمسكه حتى يُحرقه تمامًا، لكنّه آثر الصمت خشية أن يجرّ عليه اللوم.
قال "ديون": "قيمتي قد تبيّنت الآن؛ بطلٌ في صفّ الشيطان. أيّ نذيرٍ أدهى من هذا؟"
اتّسعت عينا "دان": "صدقتَ... إنّه البلاء بعينه."
قال "ديون": "أما خطر ببالك هذا من قبل؟"
ردّ "دان": "نسيت للحظة."
قال "ديون": "وماذا لو لم أكن ما أردتني أن أكونه؟"
ابتسم "دان" ابتسامة باهتة: "افتراض لا معنى له. الآن، لا فرق بين أن تخدم السيّد أو أن تخدم الكارثة. كلاهما واحد."
لم يُجب "ديون"، بل صرف بصره نحو الساحة وقد غطّى الصمت جثثًا يتراكم عليها الثلج.
تمتم: "ما كنت أظنّ أن يُستَخدم الدين هكذا..."
فقال "دان": "إنّه أسلوب بشع. سمعت أنّ كنيسة الخلاص تروّج أنّ الاستعراض عينُ النجاة. لعلّها كانت تغرس هذا في العقول لأجل اليوم."
ضحك "ديون" بمرارة: "كأنّهم أرادوا أن يضمنوا طاعتي العمياء، وقد نالوا ما أرادوا."
ثم نهض، والتقط المنديل من الثلج، والتفت نحو "دان": "الراحة الآن خيرٌ لنا. فبعدها سنركض ركضًا لا يهدأ، فاستعد."
قال "دان": "لقد كان الطريق إلى هنا عذابًا، أفبعده ما هو أشقّ؟"
ردّ "ديون": "بل أشقّ كثيرًا. إنّ الدوق يحاول إبطاء الأمر، لكنّي لن أسمح أن يجري كما يشتهي. لن يغمض لي جفن."
تمتم "دان": "يا إلهي..."
وتنهّد بمرارة. شعر "ديون" بارتياح غريب لرؤيته يعاني، ثم كبح ضحكته، وقال وهو يضمّ صندوقًا إلى صدره: "إن ضاقت بك الحال، فالعودة إلى عالَم الشياطين خير."
ردّ "دان": "اتّباع السيّد حتى النهاية... آه، كلام أجوف. لكنّي لن أرجع، فلديّ كبرياء."
قال "ديون": "ولي أعمال لم تُقضَ بعد."
فابتسم "دان": "إذا قلتها، فحسبنا قولك."
ثم مدّ "ديون" الصندوق نحوه وقال: "احفظ هذا في غرفتي بعالم الشياطين، سالمًا لا يصيبه خدش."
وأردف بصوت حازم: "وأبلِغ ديفيلانيا أن تبحث عن جثمان (كرول هارت) بأيّ ثمن."
فأخذ "دان" الصندوق بجدّ، ثم قال: "سأضعه في غرفة السيّد."
فأجاب "ديون" هامسًا: "شكرًا."