عمودٌ من نورٍ سطع في السماء حتى غدا مرئيًّا من كل أرجاء القارّة.

وهذا يعني أنّ العالم البشري بأسره قد علم باستيقاظ البطل.

بطلٌ وُلد في لحظة عصيبة، والجيش الشيطاني يدفع بالإمبراطوريّة إلى حافّة الهاوية. لم أدرِ بعدُ مَن المستهدَف، غير أنّ الأمل كان طبيعيًّا في تلك اللحظة.

وكان الحال كذلك مع ملك مملكة الجبال. بيد أنّ في قلبه قلقًا أكبر.

"لا أستطيع الاتصال البتّة..."

أترى قد ألقوا أداة التواصل جانبًا؟ أيُعقل أن يُخاطَب ملكُ بلدٍ بهذا التصرّف المُجحف، فيُعلَن له الأمر ثم يُقطع الاتصال تعسّفًا؟ أفتُرى نصّبوا أنفسهم أسيادًا على الإمبراطور؟

ومع ذلك، لم يستطع أن يستشيط غضبًا وهو يحدّق بالجهاز. كان يعلم أنّ وراء فعله معنى أعمق.

تمتم: "إنّه رجل لا أستطيع أن أبغضه تمامًا..."

ولو أنّ ملكًا من بلاد أخرى أوحى له بمثل هذا الشعور، فذاك دليل أنّ اختياره لم يكن عاديًّا.

قال متنهّدًا: "ومع ذلك... فالوضع بائس."

كيف نصدُّ جيش الملك الشيطان في قادم الأيام؟ أيُعقَل ألّا يبقى لنا أمل إلا في البطل؟

أطرق رأسه، وضَمّ حاجبيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وكما كان طبيعيًّا، بلغ خبر ظهور البطل مسامع ملك "رويش".

حين سرت نسائم الأمل بين الجميع، خطر له وجه أخيه الأصغر، ذاك الذي غادر الغرفة المظلّلة بلا صورة ولا أثر، فتمتم: "معذرةً... يبدو أنّ عمر الإمبراطوريّة سيمتدّ أطول ممّا ظننت."

لم يُكشَف بعد عن هويّة البطل. ومع ذلك، راودني خاطر أنانيّ، أن يكون البطل هو "ديون هارت"، فيثأر من الإمبراطور بدلاً عني. غير أنّ ذاك مستحيل، وهو الذي جاب البلاد مع الشياطين ناشرًا الخراب.

لو أبوح بهذه الهواجس لأحد، لارتاع. قد يسألني: "إن كان حقدك بهذا العمق، فلمَ لا تثأر بنفسك؟"

أطرق قائلًا: "كنتُ أحمق."

نعم، أرغب بالثأر، لكنّي كملك أقسمتُ عهدًا لفارس من فرسان الإمبراطوريّة.

ولمّا استغرق في التفكير، انفجر ضاحكًا ساخرًا: "في النهاية... أنا ملك لا أملك شيئًا."

أجل، لا أملك جوابًا إن لامني أحد، فأنا الأخ الأكبر العاجز، الذي لم يستطع أن يثأر لأخيه.

طفح في داخلي شعور بالذنب، فوارَيتُه في قلبي، ونهضت. إذ لا يُدبَّر شأنُ البلاد بالغرق في المشاعر. آن أوان العودة إلى واجبات الملك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غير أنّ ظهور البطل لم يُحرّك ساكنًا في نفس الإمبراطور.

فما نفع بطلٍ يأتي بعد خراب القصر الإمبراطوري؟ وحينذاك سيكون هو قد غادر الدنيا.

تذكّر مواقع الشياطين التي ما فتئت تتغيّر.

"أكان تقدّمهم بسرعةٍ كعدوٍ لا ينام؟"

ساورته ريبة أنّهم بدّلوا مسارهم فجأة لكسب وقت، لكنّهم على أي حال سيصلون أسرع ممّا توهّم. أبدى وجهًا متردّدًا حين أدرك أنّ الوجهة الجديدة هي أراضي "إلوستر"، لكن سرعان ما طوى ذلك عن باله.

فالطريق إلى القصر قد أُخلي منذ زمن، وما بقي إلا أهل العاصمة: رعاع الإمبراطوريّة، وأشرافها الذين فضّلوا السلامة بالبقاء في حمى العاصمة.

كانوا يريدون إجلاء الناس أولًا، ثم الأشراف، لكنّ المعارضة كانت شديدة. لم يكن الاعتراض لأنّ العامّة أُجلوا قبلهم، بل لأنّهم لم يريدوا الرحيل أصلًا.

قالوا: أيُعقل أن تُنقل العاصمة في هذا الوقت؟ أيُعقَل أن يُبتّ الأمر دون مشورة؟ أتنوون حقًا أن تتخلّوا عن هذا القصر العريق؟ ثمّ هل علمتم أنّ ديون هارت قائد الفيلق الصفري؟

بعض أقوالهم كان مقبولًا، وبعضها شطط لا وزن له. لكنّ الضجّة ما لبثت أن خمدت.

[لقد فرغ "جِم" من كل شيء، وما بقي إلا أنتم. وهذا يعني أنّ الجنود انتقلوا أيضًا، فلا سبيل للبقاء إلا بالموت. فإن أردتم البقاء...]

[سأرحل.]

ضحك الإمبراطور في سرّه.

"أتحدّثون عن التاريخ العريق؟"

يا لسخف القول. أي تاريخ تقصدون؟ أوَحسبتم هذه الإمبراطوريّة امتدادًا لسلالةٍ بادت؟ إنّما قمتُ بإبادة السلالة برمّتها وأقمتُ الإمبراطوريّة على أنقاضها.

هذا القصر عريق، نعم، لكنه ليس تاريخ الإمبراطوريّة. بل إنّي أبقيتُه لا احترامًا لماضيه، بل كي لا أبدّد مال الشعب في بناء غيره.

"...لكن..."

حدّق بعينيه الذهبيتين، كعيني وحشٍ مترصّد، نحو الشخص الواقف أمامه. لم يكن حضوره مفاجئًا فحسب، بل كأنّه جاء بقرار حاسم. ارتسمت ابتسامة مرة على وجه الإمبراطور.

سأله: "لِمَ لم ترحل وتحمل أمتعتك؟ أما أمرتُك أن تغادر؟"

أجابت بانحناءة: "أتوسّل أن تأذن لي بالبقاء."

إنها "لين راينر"، الفارسة التي خدمت ديون هارت يومًا.

قالت: "أعلم أنّ جلالتك أبعدتني عن موضع لقائه، وأقدّر لك هذا الصنيع. لكن لديّ سببًا يدعوني للقائه."

قال ساخرًا: "كلامك قد يُساء فهمه. أليست حياتك أعزّ من ذلك؟"

ومع أنّ الموقف ينذر بأن تُزهق روحها بكلمة، أجابت بهدوء، وقد فهمت الإمبراطور على طريقتها:

"أعلم أنّ جلالتك ليس ممّن يفعلون ذلك."

"ظلّ الإمبراطور صامتًا لحظةً، كأنّ الكلمات خانته، ثم ارتفع طرف فمه ببطء، وابتسم ابتسامة تحمل شيئًا من المرارة.

لم يكن رده على قول (لين)، بل على طلبٍ سمعه من قبل.

قال: "حتى لو أجبرتُه على الإجلاء باسم (هوانغ ميونغ)، فإن فعلتُ، سأعود لأبحث عنه من جديد."

إن لم تلتقيا، فستحيا مذنبًا، يُثقل كاهلك العذاب ما تبقّى من عمرك.

ولأن في الناس من الغارقين في الألم ما يكفي، لم يشأ أن يُضاف اسمٌ آخر إلى القائمة. فلم يجد بُدًّا إلا أن يومئ برأسه.

"افعل ما تشاء."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد حديثٍ قصير مع (لين راينر)، ضغط الإمبراطور صدغيه المثقلين، فيما اقترب منه آخر ليسأله.

"أنت..."

برغم صدور أمرٍ بالإجلاء، لم يدخل الدوق القصر، بل لم يُبالِ أصلًا. لم يكن يعنيه الموت أو الحياة ما دام موته لا يتصل بالإمبراطور. وهو يفهم أن (لين راينر) آثرت البقاء، لأن مشاعرها تُحركها.

لكن أنت لا... لا يمكنك. نطق الإمبراطور كلماته بنبرة غاضبة، كزمجرةٍ خافتة: "لماذا ما زلتَ هنا؟"

فجاءه الجواب: "ما دام جلالتكم هنا، فكيف أفرّ قبلكم؟ تلك خيانة."

وكان وليّ العهد والأميرة، اللذان كان ينبغي أن يُبعدا منذ زمن، لا يزالان يجولان أمامه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحرّكات الإمبراطور باتت مريبة. (بول)، الذي كان يراقب ما يجري في الإمبراطورية بعينٍ شكاكة منذ أن أدخل جنده إلى (ميلر)، اتخذ قراره حين بلغه أنّ من قصدوا العاصمة قد أُجلوا جميعًا.

قال في نفسه: "بدل أن نعين الإمبراطورية، الأجدر أن نفكّر في النجاة بعدها إن سقطت."

لقد تخلّى الإمبراطور عن الإمبراطورية. بل لعلّه لم يتخلّ سوى عن العاصمة، لكنّ الأمل في قوتها المقبلة بات واهيًا.

لم يُخْلَ الناس من العاصمة بعد، لكن إن استمرّ الحال هكذا، فسرعان ما سيرحلون.

لا بد من ادّخار القوّة. فسحب (بول) جنود الثورة من أرض الإمبراطورية، وأمسك أنفاسه مترقّبًا، ليتصرّف وفق ما يستجدّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– "أعِنّا."

جاءه نداء الدوق.

– "أعلم أنّك من أوقف جيش ملك الشياطين في سائر الأقاليم. قد سعوا لإيقافك بشتى التعاويذ، أضلّوك، وأداروا بك الدروب... وبفضلك انشغلت الإمبراطورية بمعاركها الحاسمة فقط. شكري لك."

كلمات لم يكن يظنّ يومًا أن ينطقها أحد مثل الدوق، وصلت مبحوحة، كأنها تناثرت في الهواء. نظر (بول) إلى إشارة الاتصال عبر كنيسة الخلاص في صمت.

شكرٌ صادق، وإن بدا عجيبًا... لكن (دانيل) قد قضى بسببه. الحذر واجب، والصوت المرتجف الذي تسرّب من الدوق قال:

"طلبتَ العون؟ أيّ عون ذاك؟"

– "جيش ملك الشياطين سيبلغ العاصمة عمّا قريب. أرجوك، أخّرهم ثلاث ساعات فقط، لا تزيد ولا تنقص."

كان يعلم أنّ كلماته أقرب إلى التهكم منها إلى السؤال، غير أنّ ردّ الدوق بذلك الشكل لم يكن إلا تعبيرًا عن شدّة يأسه.

تذكّر (بول) سرعة الجيش الزاحف نحو العاصمة؛ جنود يركضون بغير نوم، وأخبار (ديون هارت) الذي بدّل الخيل كلما أرهق، بل استعار خيول عالم الشياطين ليُسرع أكثر. ومع ذلك، أي ثقة تلك فيمن يترك المتأخرين وراءه في كل أرضٍ يدخلها؟

آخر الأخبار أنّهم بلغوا أقرب مقاطعة للعاصمة، ولن يلبثوا نصف يوم حتى يصلوا.

قال (بول) ساخرًا: "أهذا طلب صفقة؟"

– "أرجوك. لقد بذلتُ كل ما أملك."

دهش (بول): ثروة عائلةٍ عريقة، بذلها كلها؟ وما علاقة هذا بتلك الساعات الثلاث؟

قال في نفسه: "ليس شأني في أي بئر يُلقي الدوق أمواله."

المهم أنّه يطلب العون بغير مقابل. فقهقه (بول): "قتلتَ قائد فصيلنا، وتريد الآن أن تنال المساعدة مجانًا؟ وقاحة."

– ...

"لكن... سأستجيب لك هذه المرّة فقط."

أن يتنازل الدوق عن كبريائه ويطلب فضلًا، كان في ذاته أعظم جزاء. متى يعود يوم يُداس فيه كِبْره ثانيةً؟

لم يطلب قتل (ديون هارت) ولا هزيمة جيش ملك الشياطين، بل مهلة ثلاث ساعات. أمرٌ يمكن تدبيره بسحرٍ وتعاويذ، بأقل خسائر. فقبل (بول) مغتبطًا.

ظنّ أنّه سمع صرير أسنانٍ قبل أن ينقطع الاتصال، لكنه أعرض عن ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما (ديون هارت)، فبدا أنّ قوته قد تضاعفت مذ صار بطلًا. يركض ولا ينام. فمنذ خرج من قلعة ملك الشياطين، بات النوم يجلب له كوابيس، حتى صار السهر عزاءه القليل.

سقطت الشياطين التي أعياها المسير، فيما وثق هو بأجسادهم القوية.

قال في نفسه: "ليسوا شياطين عبثًا."

فلن يضيرهم أن يفقدوا نومًا يسيرًا.

وصل العاصمة بأقصى سرعة... لكن، ما هذا؟ ضللتُ الطريق.

تأكّد من ذلك حين قال له أحد الشياطين بحذر: "يا (ديون)، كأننا ندور في نفس الموضع."

فأجابه متردّدًا: "أتظنّ ذلك أيضًا؟"

"نعم."

مهما تقدّموا، كأنهم يطأون ذات الأرض مرارًا. لم يتيقّن أول الأمر لأن الغابة متشابهة، لكنّ الشجرة تلك رآها من قبل.

قال في نفسه: "تعاويذ... إنها شعوذة."

لقد سمع من شامانٍ في حملة سابقة عن تعاويذ تشوّه الفضاء.

قال: "لا سبيل لكسر هذا السحر إلا بهدم المحور الرئيس للتعويذة... أو العثور على الدرب الصحيح. لكن، كيف لنا أن نجد الطريق؟"

ثم خطر له: "إنها غابة... فهل نحرقها عن بكرة أبيها؟"

2025/09/08 · 29 مشاهدة · 1391 كلمة
نادي الروايات - 2026