لكنني عقدتُ عهدًا مع ملك الجن ألا أفعل ذلك. فإن خرق العهد خسارة، وما يُجنى منه لا يساوي ما يُفقد. لم أستطع أن أُبَدِّد ورقة رابحة من أجل لحظة عابرة... قطّبت جبيني وغرقتُ في التفكير من جديد.
"لا تستطيع أن تستخدم السحر، أليس كذلك؟ ولو كان بوسعك لكنتَ أخبرتني منذ البدء."
"نعم، يبدو أنّ هناك تقدّمًا في كبح السحر."
تبا... لقد أوشكنا. أي بلاءٍ هذا؟
وكأنّ دمي قد غلا، أخذ "بين" يُهوِّن عليَّ ويأمرني بالسكينة، حتى لا أتقيأ دمي أو أسقط مغشيًا عليّ من شدّة الضغط.
"...."
"...؟"
كان "ديون" يتلقى ما أعطاه "بين" بتبرم، ثم فجأة حدّق بعينيه نحو الأعلى. ولمّا تبعه "بين" بنظره ورفع رأسه، هوى بقبضته على شجرةٍ بجانبه، فانكسرت بصوتٍ حادّ وسقط من أعلاها رجل مختبئ.
"سحقاً!"
"كان يبدو أنّ ثمّة أداة تُضلِّل الإدراك، فاستحال علينا أن نتبين موضعه... لكن إن كان قريبًا إلى هذا الحد فالأمر يختلف."
طرح "ديون" القوس من يده، واستلّ خنجرًا على عجل. وضع قدمه على معصم الرجل، وانتزع السلاح منه بابتسامةٍ مُستفزّة، كأنما يمنحه معروفًا.
"أتظنّ أنّ خُداع الإدراك يسري عليك أنت أيضًا؟ وإلا فما حاجتك أن تقترب وفي يدك قوس؟ كنتَ تنوي مباغتتنا، لكن... خسئت."
دار الخنجر المسروق برشاقة بين أصابعه، وتابع صوته الخفيف كأنه يلهو:
"أما وقد تسلّينا بما فيه الكفاية، فما بالك تُخبرني بالطريق إلى الخروج؟"
"تبًّا لك! لِمَ لا تظلّ هائمًا هنا حتى تموت؟"
"هممم."
تأمل.
"آه!"
"ألستَ تُريد البوح؟"
"ههههه! أتظنّني سأفعل؟"
"يا للأسف... لو مضت الأمور على خيرٍ لكان في ذلك راحةٌ لك ولنا."
خلعتُ القلنسوة لأجعل الاستجواب أيسر. لم أعد بحاجة إليها، لكنني اعتدت ارتداءها...
"مجنون..."
"هممم؟"
لعلّي كان يجدر بي أن أنزعها من قبل.
وما إن رمقتُه بنظرةٍ حتى التقت عيناي عينيه المذهولتين، فارتبك وأشاح بوجهه. غير أنّ ذلك البريق في عينيه لم يكن غريبًا عليّ، فلم أستطع تجاهله.
أين رأيتَ هذا من قبل...
"آه... "ليرينيل"."
ربما يكون الخلاص أيسر مما ظننت...
ابتسم "ديون"، جلس قبالة الرجل ورفع ذقنه. ولما التقت العيون، اضطربت حدقتاه وارتجفت. أغمضتُ عينيّ بانفعالٍ ظاهر.
"فلنفتح حوارًا...؟"
"...!"
وكان ما كان.
فبفضل دليلٍ عظيم، استطاعت جيوش ملك الشياطين أن تفلت من المعسكر بسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أعلم أنّ الدنيا تضجّ باستيقاظ بطل. لكن ما نفع ذلك، وجيوش الشيطان على الأبواب؟ لن يبلغنا قبل أن يطرقوا هم أسوارنا."
"ما بال هذا الاسم؟"
سمعتُ الانفجار عبر أداة الاتصال، ومع ذلك يُقال إنّ "ديون هارت" ما زال حيًّا، بل يتقدّم نحونا.
حينها أقرّ الدوق في نفسه: ذلك الرجل صرصارٌ لا يُقهر.
"كنتُ مُتهيئًا لذلك، لكن لم أتوقع أن يعود حيًّا."
في غضون نصف ساعة ستصل المرتزقة التي طلبها "إيسبرانس". وفي فيلا آل دوق وسط العاصمة، راح الدوق يُهيئ نفسه للرحيل بهدوء. وكانت "سيرين" تراقبه بعينين مرتجفتين، ثم قالت بخوف:
"إلى أين... ستذهب؟"
"لي شأنٌ هناك، فلا بُدّ أن أغيب قليلًا. لكن... أما زلتِ تُصرّين ألا تُخلي المكان؟"
"ما دام الدوق هنا، فكيف لي أن أفرّ وحدي؟ لا أطيق هذا الشعور... قلبي لا يطمئن."
توقّف الدوق وهو يرتدي معطفه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة.
"ما لكِ اليوم على غير عادتك؟"
"المعذرة... لكن..."
"سيرين."
صمتت. وارتفع وقع خطواته في السكون، حتى بلغها وتوقف.
عادةً، كانت لتتراجع وتلوذ بالصمت منذ زمن. لكن هذه المرة... كانت مختلفة.
"لا يطمئن قلبي."
ارتجف فؤادها، واشتدّ خفقانه.
رفعت رأسها، وحدجت الدوق بعينين لا ترغبان في التراجع. لكنه لم يزجرها، بل أرسل إليها نظرة رقيقة:
"أشكرك على قلقك."
"..."
"غير أنني مُضطر للرحيل، فاتركيني وشأني."
نظرت إلى يدها الممسوكة بدهشة. ثم، كما فعل يومًا، مال برأسه ببطء، وغرس دفئًا صغيرًا على ظهر كفها.
همس.
ثم رفع رأسه بابتسامةٍ عذبة تُذيب ما حولها.
"سأعود."
خطوةٌ استغلّت ضعفها نحوه.
وما إن غادر بخطى واثقة، حتى جلست "سيرين" مكانها تضحك بمرارة، تُدرك أنّها لا حيلة لها أمامه.
"كيف نمنعه إن هو أراد هذا؟"
"يا عزيزي... وإن كان هو نفسه منساقًا وراء عاطفته."
أدرك أنّه يمضي إلى القصر الإمبراطوري. وأدرك أيضًا أنّه يكنّ للإمبراطور من العناية أكثر مما كنت أظن.
وإن كنت لن أعترف يومًا، فإنها صورة صريحة من المودّة. وهذا ما جعل الأمر أشدّ إيلامًا.
"أنت تعبث بمشاعر الناس كأنها لا شيء."
بدأت سيرين تجمع أمتعتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين بلغ (ديون) العاصمة، لم يتوجّه مباشرةً إلى القصر الإمبراطوري، بل آثر أن يبدّل ثيابه التي التصقت بجسده منذ أيام الركض المتواصل. كانت ملابسه ملطخة بالتراب وممزقة، تضايقه، ولم يُطق أن يواجه الإمبراطور بمظهر رثّ.
حلّ (بن) محلّ المستشارين (دان) و(إد)، فدخل متجرًا فخمًا للملابس، يتفحص الثياب ويسأل: "أي ثوب ترغب أن ترتدي؟"
فأجاب: "الأفضل أن يكون زيًّا مألوفًا."
قال (بن): "زيّ؟ ماذا عن هذا؟" "إنه أسود." "لا يعجبك؟ إذن جرب هذا." "أسود أيضًا."
ومهما لم يُفصح، فإن العالم بأسره سيعرف أنّه من جيش الشيطان.
أطرق (بن) رأسه متحيّرًا، ثم كأن فكرة لمعت في ذهنه، صاح مذهولًا: "لا أزياء بيضاء."
"...حسنًا."
إذن عليّ أن أختار بنفسي. تقدّمت نحو المشجب حيث عُلّقت الأزياء. وكان المكان خاليًا، فأخذت أقلب فيها دون اعتبار لثمن.
وبعد برهة وقع اختياري على زيٍّ أحمر، ذكّرني بالثوب الذي أُهدي يومًا للإمبراطور. "إنه حسن."
ويبدو أنّه نال رضا (بن). أسرعت إلى غرفة تبديل الملابس، فنبّهني من خلفي: "ارتدِ القميص والسروال فقط، واحمل معك الرداء. أرجوك، لا تنسَ!"
فتساءل أحد جنود الشياطين بشك: "هل ثمة سبب لهذا؟"
فأجابه (بن): "إن أردت أن تُهيّئ مظهرك، فذلك أيسر."
فصمت (ديون)، وبدأ يخلع قميصه دون كلمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولمّا لاح له الباب الرئيس للقصر الإمبراطوري، أدرك أنّه حقًّا بلغ مبتغاه. لكن لم يُمهل ليتأمّل؛ إذ تجمّد مكانه حين لمح فارسةً واقفةً عند المدخل.
توقفت الفارسة قليلًا حين أبصرت هيئته، ثم نادته بصوتٍ فيه مودة قديمة: "سيدي."
"...السيّدة (لين)."
تفلت الاسم من بين شفتين متهدجتين.
"ما الذي جاء بك إلى هنا؟"
قالت: "أنا فارسة في خدمة سيدي، جئتُ لأحول بينه وبين الضياع. أرجوك مخلصًا أن تقف هنا."
آه... كنت أتوقع هذا، وتركت الأمر من قبل عامدًا.
مررت يدي على وجهي المرهق مرارًا. لا أدري... لا أدري كيف أصنع معها.
لم أرغب بقتالها، فسرت بصمت متجنبًا التصادم. ربما لهذا السبب تصرّفت (الكلاب الهوجاء) على ذلك النحو.
لو أنني استسلمت وتركت الدهر يسير بي، لما التقيتكِ هاهنا... فلماذا أتيتِ إليّ؟
أمرت جنديّ الشياطين: "ابتعدوا قليلًا."
فتراجعوا حتى صارت المسافة تكفي كي لا يسمع (بن) شيئًا. عندها عدت أنظر إليها.
"السيّدة (لين)."
"نعم، يا مولاي."
عادني صوتها الواثق.
ما زلتِ تدعينني سيدكِ... أغمضتُ عينيّ وأعدت فتحهما. اختلطت المشاعر داخلي، وخرجت في هيئة كلمات: "ألستِ ناقمةً عليّ؟ ماذا عن أولئك الساميين؟"
كل الفرسان في (شانغوانغدو) مضوا إلى عالم الشيطان دون كلمة، وتُرِكَت هي تواجه التبعات وحدها. لم يكن الأمر مجرد مسؤولية، بل أثقال من السخط والبغض صُبّت عليها. كان طبيعيًا أن تحمل الضغينة.
قالت بصوت ثابت: "الفارس لا يلوم سيده."
"...."
"إن عدتَ الآن، فلن ألومك يومًا."
عينان صلبتان تحدقان في عينين حمراوين. فخفض (ديون) بصره متضايقًا من وضوحهما الذي يعكس قذارته الملطخة بالدماء.
وانكسر الصمت بكلمة خافتة، همسًا: "...لقد صرتُ بطلًا."
"...!"
"لا يمكنكِ أن تغلبيني. وإن اعترضتني هكذا، فسوف تموتين حتمًا. فالأجدر..."
فقاطعته: "إن تجاوزت هذا الباب، فقد جعلتَ سيفك على حياة جلالته."
رفعت (لين راينر) سيفها، ووجهها يقطر حزنًا مكظومًا.
"أتذكر ما قلتُ يوم أديتُ قسم الفروسية؟"
[أنا (لين راينر) أُقِرّ بخدمة (ديون هارت) سيدًا لي، وأقسم أن أتّبعه وأذعن لأوامره ما لم تخالف إرادة جلالته الإمبراطور.]
"الفارس لا يشهر سيفه في وجه سيده. لكن لا أستطيع أن أقف وأرى حياة سيدي تُهدَّد. لذلك أيها القائد الصفري..."
"...."
"سأبذل حياتي لأوقفك."
نادتني قائد الفيلق الصفري... إذن سيدها الذي تقصده هو الإمبراطور.
تذكرتُ قسمها، وقد كان يومها قسمًا بديعًا في ظرف بديع. ربما لهذا ما زلت أحفظ جوابي لها:
[أقسم أن أبذل جهدي كي لا يذهب إخلاصك سدى.]
وأنا من نكث بالقسم أولًا.
فلا حق لي أن أقول أكثر. أي محاولة أخرى لمصالحتها، إهانةٌ لها. فأخرجت خنجري.
ثم أمرتُ جند الشياطين الذين همسوا عازمين على التدخل: لا شأن لكم.
"يا سيّدة (لين)، أتعلمين شيئًا؟"
لم تجب، لكن عينيها أنصتتا بوضوح. فابتسمتُ بهدوء.
"كنتُ أعشق صلابتكِ الفروسية."
"...."
"لكنني الآن أجد في نفسي سخطًا."
كنت يومًا أُعجب بكِ وأحترمك. لم يبدأ الأمر هكذا، بل بدأ بدهشة وقلق: كيف يعيش امرؤ على هذا النهج؟ ألا يرهقه؟ ماذا لو تحطّم؟
لكنّ ثباتكِ المستمرّ كان ساحرًا حتى وقعتُ في حبّ فروسيتكِ الحمقاء.
"كوني أكثر لينًا. دعيني أكثر رفقًا. فما لا أستطيع أن أغمض عنه عيني، يتغافل عنه الناس وكأنه لا شيء."
"...."
"...انتهى. ما دام لا شيء يغير موقفك."
لوّح (ديون) بخنجره نحو الفارسة المنتصبة.
"ماذا تنتظرين؟ هاجمي."
وهو يراها تندفع بكل ما أوتيت من جهد، لعق الداخل المرّ لفمه بلسانه.
نعم... قد يكون حسنًا أن أبذل جهدي لشراء بعض الوقت. سأُقاتلك بجدّ، إكرامًا لوفائك.
لكن، إلى أي مدى يحتمل فارسٌ لم يبلغ مصاف الأبطال صراعًا مع محارب؟
وتشابك الخنجر مع السيف الطويل.