"لم يكن ثمّة مفاجأة."

ففي اللحظة التي تلاقَت فيها السيوف، أدركت الشياطين الحقيقة:

"هي لا يُقارن بديون."

إن شجاعة أن تقف وحدها عند البوابة جديرة بالثناء، غير أنّها لا تتعدّى ذلك. وحين رأوا النتيجة الباهتة المتوقعة، انطفأ شغفهم بالفرسان البشريين كأن لم يكن لهم فيهم رغبة من قبل.

"المعركة الأولى لم تكن إلا جسّ نبض."

حدّقت "لين" بسيفها غير مصدّقة وقد انحرف بعيدًا، ثم قسا وجهها فجأة. في لحظة أعادت وضعه، فانطلقت ضربته تستهدف قلب خصمها. لكن "ديون"، وقد بدا أنّ جسده يعرف السلاح أكثر من يده، صدّها بسهولة وأدار خنجره بوجهٍ مشوّه بالغضب.

كان "ديون هارت" هو المتفوّق بوضوح، لكن ملامح وجهيهما كانت متناقضة إلى درجة أنّ من يراهما يحسب الموقف معكوسًا.

"تبًّا."

أكان أن تكون بطلًا مُنَفِّرًا إلى هذا الحد؟ عضّ ديون على أسنانه.

كان الأمر أشبه بدهس عُمرٍ من الجهد سُحق في لحظة. خصوصًا أنّ سيف "لين راينر" لم يكن سوى حياتها بأسرها.

أدرك ذلك من أوّل صدام. سهلٌ... لكنه سهل أكثر مما ينبغي.

'ليس عدلًا.'

يقولون إن الحياة بطبيعتها جائرة، لكن هذا إفراط في الجَور.

كيف أصف هذا الوضع البائس؟ مهما بذلتُ، أشعر أنني مجرد نفاية تُهينها. القدر يعبث به من جديد.

"والآن... بمَ تفكّر؟"

سألت "لين"، وقد لَمحت شرود فكره ممتزجًا في ضرباته. فتوقّف ديون عن الحركة لحظة، صامتًا.

ساد السكون.

"لا شيء."

ثم اندفع أشدّ عنفًا من ذي قبل.

فالتهاون معها خيانة أعظم من الهزيمة. ولا مجال للتردّد.

"في مثل هذا الموضع، أن تُظهر رأفة، ليس إلا نرجسية رخيصة."

وعلم "ديون" أنّ شفقته المرتبكة لن تجلب لها إلا المذلّة، فاندفع بكل ما أوتي من قوة.

...

وانتهى كل شيء في طرفة عين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"انهارت الفارسة."

[أخيرًا... أهناك ما تُريدين أن تقوليه؟]

[أرجوك، لا تترك وراءك مزيدًا من الندم.]

[...]

[لقد حملتَ ما يكفي.]

تذكّر ديون كلماتها، ونظرة عينيها التي لم تَعرِف الندم حتى اللحظة الأخيرة. فالتفت إلى الشياطين غير مبالٍ بالجسد الراقد.

"انتظروا هنا."

"ماذا؟"

"لطالما كنتَ هكذا... فلماذا تُعيدها الآن؟"

"لكننا في العاصمة... في قصر الإمبراطور. الأمر ليس كقصرٍ في الريف..."

"لا فرق."

هزّ ديون كتفيه بلا مبالاة.

"المكان يبدو خاليًا، وحتى إن كان ثمّة كمين، فلن يقدروا على قتلي الآن. فلا داعي للقلق."

"..."

"انتظروا هنا."

"...حسناً."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

'ما الإمبراطور؟'

سؤالٌ أقلقني ساعة حُملتُ على عرش "الإمبراطور" بعد حربٍ امتدّت ثمانية أعوام.

عادةً ما يتلقّى الأمير دروس الملوك منذ صغره، فلا يشغل غيره فكرًا بذلك. أمّا "إدواردو"، وهو الأمير التاسع الذي لم يكن وارثًا لعرشٍ ولا مُرشَّحًا له، فلم يتعلّم شيئًا مما ينبغي لوليّ عهد، ولذلك كان أكثر الناس قدرةً على التفكير بعمق في هذا السؤال.

هل الإمبراطور مجرد حاكم؟ لا.

أهو أبٌ لشعب الإمبراطورية؟ لا. لا أريد الانحدار إلى تلك التعريفات التافهة.

"الإمبراطور..."

كان "إدواردو" جالسًا في قاعة العرش الخالية، على عرشٍ مُرصّع، وتاجٌ ذهبي يعلو رأسه. أسند ذقنه إلى كفّه، وخفض عينيه صامتًا كمن تاه في فكره.

فناداه "نيميسيوس" الذي كان جالسًا في صمتٍ على الجانب بصوتٍ رقيق:

"جلالتكم، قيل إنّ ديون هارت يُواجه لين راينر عند البوابة الرئيسة."

"..."

"عليكم أن تُسارعوا، حتى لا يضيع ما كسبته من وقتٍ. الحرس ينتظرون وراء الباب..."

"...نيميسيوس."

ألقى "إدواردو" نظرة على وليّ العهد والأميرة، وكانا يتململان قلقًا، ثم قدّم له ورقة مطويّة.

"مولاي... ما هذه؟"

"إنها خريطة تُبيّن الممرّ السرّي إلى القصر الإمبراطوري."

"ماذا؟! لِمَ هذا...!"

"خذ وليَّ العهد والأميرة، وامضِ بهما إلى مأمن."

"عَمّي!!"

ارتفعت صيحة المقاومة من وليّ العهد وشقيقته، غير أنّ إدواردو أسكتَهما بحزم قبل أن ينبسا ببنت شفة.

قال بثبات: "أحسب أنّ عنادكما قد بلغ حدًّا يستحقّ القبول."

"ليس عناداً!"

"بل هو عناد."

فأهمّ ورثة العرش يتشبّثون بالبقاء هنا.

زجرهما برفق، ثم التفت إلى "نيمسيوس".

كان صوته على غير حال الموقف العاصف؛ إذ انسابت كلماته رخيةً، وادعةً، كأنها محادثة عادية.

قال: "منذ أن انكشف أنّ ديون هارت هو قائد الفيلق الصِّفري، ظلّ سؤال يتردّد على كل لسان... ولطالما راودكم، وإن لم تنطقوا به صراحة."

ورغم أنّه لم يصرّح به جهاراً، أدرك كلّ من في القاعة مراده. ذلك السؤال الذي أثار فضول النبلاء والعامّة، بل وحتى شعوب الممالك الأخرى:

[هل كان الإمبراطور يعلم أنّ ديون هارت قائد الفيلق الصِّفري؟]

فقال: "كما توقّعتم... نعم، كنتُ أعلم. علمتُ به منذ البدايات الأولى."

"...!"

اتّسعت حدقة نيمسيوس دهشةً. وحاول وليّ العهد أن يتكلّم مسرعاً، غير أنّ إدواردو قطع عليه القول بصرامة.

قال: "أشعر وكأنّ لقب الإمبراطور قد نُزع منّي. غير أنّ وليّ العهد والأميرة يجهلان هذه الحقيقة."

صمتٌ قصير.

(لا، أنا أعلم. وكيف لي ألّا أعلم وقد تمّ تسليم الأمر في أوانه؟)

لكن ولي العهد كتم صوته سريعاً، فيما استرسل صوت الإمبراطور الجهوري:

"إذن فهو أمر."

لم يكن إدواردو قد درس علم المُلك، بل عَرَف الإمبراطورية بالمعايشة والتجربة. لم يكن ثمة برهان منطقي يبرر موقفه. لكنه كان على يقين من شيء واحد:

"إنّ إمبراطورية الأمس ستظلّ هنا."

أما هو... فلم يكن إمبراطوراً قط، ولو للحظة واحدة. فقد اتخذ قراراته دوماً بصفته "إدواردو"، لا "الإمبراطور".

غير أنّ الأمر قد يختلف لأبناء أخيه.

ألقى نظرة على الطفلين المتّقدين ضياءً كأخيه الراحل، وقال بهدوء:

"أنتم حماة الحاضر... وورثة المستقبل."

لقد آن أوان التنحّي.

وما ذاك إلا سُنّة لا تُستغرب ولا يُجزَع لها. فلا بدّ للمرء أن يعرف متى يتوارى. وإدواردو قد آن له أن يتوارى الآن.

فالخيالات أنهكته، وجيش الشيطان على الأبواب. ثم إنّ أصل البلاء هو إدواردو ذاته؛ فلا يليق به أن يفرّ، باحثاً عن خلاص شخصي.

وإلّا فما العاقبة إن ظلّ متشبّثاً حتى يُؤخذ عنوة أو يُصرع بيد جيش الشيطان؟ أي صدمة ستلحق بالوارثين الغِرَّين حينها؟

تجمّدت ملامح وليّ العهد والأميرة عند سماع القول الجازم بتسليم العرش.

عضّ "نيمسيوس" على شفته، ثم جثا على ركبته ببطء.

قال: "سأعود في أقرب وقت."

فأجابه: "حسناً. لعلّ الوقت يكفي للإجلاء... لكنني لا أنوي انتظار عودتك."

(لا تعُد).

ارتجف الورَثة حين سمعوا النبرة الرقيقة، لكنهم سرعان ما انتفضوا رافضين:

"تمهّل، أيها القائد! أأنت جادّ في ترك جلالته خلفك؟"

"...إنّه أمر، وعليكم الطاعة."

"عمي! أكنتَ تنوي هذا منذ البدء؟"

"كيف تفعل هذا!"

ارتفعت أصواتهما المحتقنة، فقطعتها طرقة واضحة.

قال الصوت: "أستسمحكم وقاحتي، لم يبقَ إلا ساعة. عليكم أن تغادروا الآن."

فصاح أحدهم: "وصلتم في الوقت المناسب! هيا نقنع جلالته... أحقاً ستبقى هنا؟!"

اندفعت الأبصار نحو الإمبراطور. حتى الحرس الملكي شدّوا أنظارهم إلى هناك.

تنهّد إدواردو وقد وخزت أصابعه حرارة غريبة، ثم قال:

"خاب ظني... حسبتكم تدركونني."

"عمّ تتحدث! كان حريّاً بك أن تلوذ أولاً...."

"مخطئ."

رفع بصره، والتقى بعيني الوزير "أردال" الواقف عند الباب، يصرّ على مرافقة الإمبراطور، رافضاً أن يسبقه أحد من آل البيت.

ابتسم إدواردو ابتسامة هادئة، وعيناه ساكنتان كمن استسلم لليقين:

"نعم... (جِم) مَن عليه أن يبقى حتى النهاية."

"...؟"

"أو نسي الضبّاط التحية التي يرددونها؟"

فالتحية أن يذكروا أسماءهم ويقولوا: "نُحيّي الإمبراطورية الحاضرة."

حدّقوا فيه حائرين، فأجابهم بصوت علا:

"ألم تفهموا بعد؟! أم أنّكم رأيتم فيّ أحمقاً يتفلت من كلمته؟"

لطالما قال، في تحيّاته المعتادة، إنّ "الإمبراطور هو الإمبراطورية."

أحسبتموها مجرّد عبارة فارغة؟

"عجباً! لقد قلتُها صريحة: أنا الإمبراطورية. فهل تظنون أنّ الإمبراطورية تهرب؟"

"...!"

"الإمبراطور لا يفرّ. وأنتم لا ينبغي أن تفرّوا. أيصدق الناس دولةً خانت شعبها؟"

إن بقاءه ضرورة كي يرسّخ في وريثه المعنى.

صحيح أنّ سكان العاصمة قد أُجلوا، لكن القُرى البعيدة لم تُخلَ بعد. فلو فرّ آل البيت وحدهم، فمَن يصدّق شرعية عرشهم؟

إنّ سند العرش هو رضا الشعب، وإن تولّى وليّ العهد وهو خالي اليدين، فلن يحكم حكماً راسخاً.

قال إدواردو بصرامة: "لن أكون سيداً على أمة بلا رعية. لن أُسجَّل ملكاً عاجزاً هرب من شعبه. لا أقبل أن يُوصمني التاريخ كآخر أباطرة أمة متهالكة... أو أن أتلاشى، دون ذكر، في غبار الماضي. لذلك سأبقى هنا! أتفهمون؟"

تألّقت عيناه الذهبيتان كعينَي وحش كاسر، فانكسر بصر القوم وأطرقوا خجلاً.

ساد صمت مفاجئ، ثم أراح جبهته على قبضته متنهدًا:

(لقد اندفعت أكثر مما ينبغي...).

"...إن فهمتم، فانطلقوا الآن."

لم يبقَ وقت. وقد أوضح مراده بما يكفي.

تقدّم الوزير بخطوات واثقة نحو الورثة. ولم يكن في وسع الأمير والأميرة المصدومَين أن يقاوما عزمه، فخرجا بوجوه متجهّمة، وتبعهم الحرس ونيمسيوس.

وفي اللحظة الأخيرة، التقت عينا الوزير بعيني الإمبراطور، لكن كليهما أعرض بصمت.

ـــــ

بقي إدواردو وحده. نزع التاج عن رأسه، ووضعه جانباً، ثم نهض واقفاً.

(كان بوسعي أن أهرب. أن أُنقذ نفسي على حساب أرواح الآخرين. فلو أنني أنانيّ قليلاً، لوجدت ألف سبيل أعيش بها ثانيةً أطول).

لكن... لا.

فإذا لم يثق الناس بدماء آل البيت، فذلك نذيرٌ بأنّ أساس الإمبراطورية يتداعى.

كانت كفّة الميزان واضحة: بين حياته، وبين بقاء الإمبراطورية.

فلم يكن قرار تضحية، بل حساباً بارداً لأجل غاية. إن استطاع بهذا الجسد، الذي سيفنى حتماً، أن يحفظ دعائم الإمبراطورية، فقد عقد صفقة رابحة. هذه هي أنانيته الحقيقية.

ردّد في داخله ما ألفه دوماً:

"الحِمل هو الإمبراطورية."

ثم صحّح نفسه هامساً:

"لا... بل أنا الإمبراطورية."

فحياتها هي حياته، وما دامت هي باقية، بقي اسمه متلألئاً في سجلّها، خالداً في أعالي ذُراها.

2025/09/08 · 31 مشاهدة · 1369 كلمة
نادي الروايات - 2026