انتزع السيف الذي كان مائلًا على العرش، وألقى بغمده على الأرض، ثم صعد الدرج ممسكًا نصله. ومع كل خطوة ينزلها كانت المياه تنحسر حتى بلغت كاحليه.

عند نقطة ما تبدّل طيف الوهم. اختفى الشبح الذي أرهقه حتى الموت بلا أثر، وإذا بي أرى الدم يتفجّر من تحت قدمي. إحساس اللزوجة ورائحة الدم كانا صارخين. الدم المتجمّع عند قدمي بلغ الكاحل، والمستوى يعلو، كأن الغرق والموت آتٍ لا محالة.

لم تكن نيّتي يومًا أن أنهزم لوهم قبيح أو خيال سخيف.

كما اعتدت، سرتُ مستقيمًا لا أتزلزل، ونزعت العباءة التي كانت دومًا على ظهري.

ـ خفق ـ

عباءة حمراء مطرّزة بخيوط الذهب ارتفعت في السماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يوم مضى فيه الأمير الأول إلى حتفه، طلب منّي "إلبيديوس" و"أليثيا". ساورني نذير شر، لكني لم أوقفه. كان ذاك الإثم العظيم غُصّة علقت في قلبي.

وأحسب أنّ حياتي البائسة بدأت من هناك.

من شعور بالمسؤولية والانتقام، جلس الرجل على عرش الملوك، ثم أثقله عبء ذنب آخر بعدما انكشفت الحقيقة، فسلك درب الحرب ليغسله. وفي النهاية بلغ لقب الإمبراطور، دون أن يهنأ بموت موعود.

لقد كثرت الواجبات حتى لم يعد للموت متّسع.

وإن شعر إدواردو أن سحق الموت يطبق عليه، ما كان له أن يُظهر ذلك. لأنه حصاد خياره.

"بدأت أرى الأوهام، وخشيت أن ينكشف أمري يومًا ما."

ومع ذلك، أحمد الله أنني لم أفضح أمام الكثيرين كما خشيت في أسوأ الحالات.

كان إدواردو غارقًا في شروده وهو يمشي في رواق يخيّل إليه غارقًا بالدم، كئيبًا لخلوّه من الأرواح.

... ومفارقة، أن اللحظة التي أحسست فيها بنبض الحياة حقًا، منذ مولدي وحتى الآن، كانت في أتون حربٍ ثمانيّة الأعوام. حرب خضتها لأهدم نفسي، لأغسل ذنبي باسم المسؤولية.

في تلك الحرب التي أثقلت كاهلي بالواجبات حتى منعتني من الموت، شعرت بمرارة أنّني لا أزال أتنفّس.

والأغرب أنني كنت، على نحو ما، سعيدًا بذلك.

"لقد مرّ زمن."

جاءته التحية بفتور. فواجهه "ديون" محدّقًا بعينيه الضيّقتين.

أين أضاع العباءة التي كان يرتديها؟ الإمبراطور الذي جرّد نفسه من كل مظهر رسمي، حتى العباءة، ولم يلبس سوى قميص أبيض بسيط، وقف أمامي ممسكًا سيفًا.

نظرتُ إلى أكمامي المرفوعة ثم أجبت على مهل:

"مرّ زمن طويل... يا جلالة الإمبراطور."

"كثير من الوجوه تغيّرت."

"لأنّ الكثير قد وقع."

"كأنّه صار بطلًا."

"..."

كيف يغيب عنك أنّ ملامحه تبدّلت؟ ابتسم إدواردو ابتسامة خفيّة.

لطالما اشتهر سحر مقاتلي الأجيال بجمال يفوق مقاييس البشر. بل إنّ هناك حكاية عن محارب من الماضي استغل وسامته ليخدع الشياطين ويتسلّل إلى قصر ملكهم.

لكنها، بالطبع، مجرّد أسطورة.

رفع "ديون هارت" نظره بعد صمت، وعيناه الحمراوان التقتا بعينيه الذهبيتين، ثم تبع ذلك صوته الهادئ:

"لِمَ فعلت ذلك؟"

"لا أدري ما تعني."

"لِمَ أعطيتني ذاك الجواب يوم جئتك فاقد العقل بعدما أدركت الحقيقة؟"

كان هذا السؤال يلاحقني مذ استعدت وعيي.

الإمبراطور كان قد أدرك أنّني فقدت رشدي يومها. وكان يعلم أنّ تلك المحاورة كانت منعطفًا خطيرًا.

كلمة منه كانت كفيلة بأن تقصم روحي، وكان بوسعه أن يجرّني إلى هوّة عالم الشياطين. أليس هو بشرًا عاديًا؟ لقد كان بإمكانه أن يُسقط رجلًا ضعيف البصيرة بعبارة واحدة.

ومع ذلك، صبّ الإمبراطور بغضي كلّه عليه. صار غاية لا تُنال، بل حتى سمح لي بالذهاب رغم جموح عدائي. ومع مرور الزمن أفاق "ديون"، وأدرك الحقيقة متأخرًا.

فسألته:

"ألا ترى أن ذلك لا يغيّر شيئًا اليوم؟"

"... أجل، صدقت."

سيبقى رجلًا يستعصي على الفهم حتى آخر لحظة. قطّب "ديون" جبينه.

حدّق فيه "إدواردو"، ثم فجأةً سأل:

"هل لبست هكذا عن قصد؟"

"آه."

رفعتُ يدي بلا وعي. أجاب "ديون" بهدوء، وهو يعبث بزيّ أحمر يشبه ذاك الذي منحه الإمبراطور يوم مسابقة الصيد:

"... بعض الشيء."

"أرى... إنه يليق بك. حتى إن تلطّخ بالدم، لن يبدو قذرًا."

"..."

عندها تبدّل الجوّ، وكأنّ حديث المجاملات انتهى. هيّأ "إدواردو" سيفه واستعد.

"كما توقّعت... هكذا آل الأمر."

"... ألا تندم؟"

"إنه أمر اخترته، فلِمَ السؤال إذن؟"

خفتَ التوتّر الذي كاد يخنق المكان. غير أنّ ابتسامة باهتة ارتسمت على محيّا "إدواردو"، كأنّه استحسن ذلك القول.

"ومهما كنتَ محاربًا عتيًّا، فإنك حديث العهد بصحوة المحاربين، ولن تقدر بعد على ترويض تلك القوّة ترويضًا كاملاً. كما أنّ براعتي في السيف لم تزد إلا قليلًا."

"...."

"فما جدوى أن يشتد عودي وتسمو قوّتي البدنيّة؟ إن لم تسعفني مهارتي، فبمَ أعضّدها؟"

إن بين امتلاك الموهبة، وبين تفجّرها واكتمالها، بونًا شاسعًا.

ولقد قال ذلك رجل عُرف بأنّه أبرع الناس قاطبة في فنون السيف، بل لعلّه أمضى يدًا في العالم بأسره:

"هلمّ. سأعلّمك السيف بنفسي."

"...!"

ـكآاانغ!ـ دوّى صوت غريب، ثقيل كالرعد.

اندفع "ديون هارت" مهاجمًا، فارتدّ سيف إدواردو المرفوع عليه كأن قوّة عاتية صدّته. تراجع خطوة، متفاجئًا ببطش لم يحسب حسابه، ثم رمق يده القابضة على السيف.

كانت يده المرتجفة تكاد تفلت المقبض لولا عنادها.

(...لعلّي أُسقط السيف طوعًا خير من أن أقاوم عبثًا).

كانت الضربات تنهمر، وإن كنتُ قد مرّنت نفسي مرارًا على التخلّي في اللحظة الحرجة، فما زالت الفكرة عسيرة الهضم. فما اعتدت أن يواجهني خصمٌ يجبرني على التراجع.

أهو مجرّد بأس؟ لقد صدّيتُ الضربة في التوقيت المناسب، غير أنّ السرعة مرعبة.

(يبدو أنّ البطل كان مُحقًّا).

طافj بخاطري فجأة "لين راينر"، تلك التي أوقفته عند عتبة الباب.

فإن كان هذا الفارق الشاسع يُحسّ حتى مع بطل، فكيف بذاك الذي لم يكن حتى بطلاً؟ تُرى ما الذي كان يجول في صدره وهو يقاومه؟

تصلّب تركيز إدواردو لحظة، وكأنّه تذكّر سؤالاً لن يُجاب. تقدّم خطوة، ماسحًا الدم النازف عن كاحله، ولوّح بالسيف بعزم صلد.

....

لكنها معركة لا طاقة لي بها منذ البدء.

فالمحارب كائن ممهور بموهبة تعلو كل مقاييس البشر. أمّا البطل، فليس إلا إنسانًا تسرّبت إلى كيانه شذرات من تلك الموهبة. في القوّة، والسرعة، والتحمّل، والعمر، وحتى الهيئة. فلا قياس بين المحارب والبطل.

وزيادة على ذلك، كان جسد إدواردو منهكًا، توغّلت الهلاوس في عقله وفتكت ببدنه، وارتفعت حرارته كالجمر الملتهب.

حمّى عاتية.

ومن ذا الذي يجرؤ على المساس بجسد الإمبراطور؟ وهكذا أخفى علّته ردحًا من الزمن، حتى إذا كُشفت هلاوسه، كان قد نجح في ستر الحمى.

وبرغم غشاوة البصر من وهج الحمى، فقد واجه "ديون هارت" الذي صار محاربًا، بل وعلّمه!

[إنّك تضع قوّةً في كل حركة، وكأنك لم تفلت من عاداتك القديمة.]

[أنت محارب الآن. فلا حاجة لتكلف الجهد كما كنت تفعل حين كان جسدك واهنًا. عليك أن تُدرك ما تملك من قوّة.]

[خفّف قبضتك، واترك المفاصل تنساب في حركتها. لعلّك لا تصدّق، ولكن بضربة يسيرة تستطيع قطع رأس خصمك.]

[التنوّع حسن، ولكن إن عرقل حركاتك التالية صار خطأً. فلنبحث إذن عن أوضاع أخرى للهجوم.]

كان التعليم نقيًّا، حتى لتظنّه درسًا في فنون القتال، لا صراعًا بين الحياة والموت.

فما لبث "ديون هارت" أن امتصّ الدروس، وطبّقها بسرعة، فانطلقت موهبته تزهر.

بينما كان إدواردو قد أُنهك وفقد أنفاسه، فعقد حاجبيه ثم تمتم ساخطًا:

"كنت أظنّ الأمر خللًا في أسلوبي..."

"...."

"غير أنّك تفتقد إلى أبسط ما ينبغي. حين تهوي بالسيف، لا بدّ أن تستعين برجليك وخصرك، لا بذراعك فحسب."

كنتُ قد لمحتُ ذلك غير مرّة، ولكنني أغفلته. فما زال ديون هارت غير قادر على توظيف رجليه وخصره تمامًا.

"الأجدر أن تستخدم الارتداد أكثر مما تفعل الآن."

"...."

فأصلح الأمر في حينه.

نظر ديون هارت إلى جسده وقد غدا أكثر مرونةً وأدقّ في القوة، ثم التفت إلى إدواردو. وكانت عيناه الحمراوان تنضحان بعاطفة غامضة لا تُفهم.

"لِمَ تعلّمني كل هذا؟"

"دعنا نقُل... نزوة قبل موتي."

"...في عيني جلالتك، لا شك أنّ مهارتي واهية. لكن في مقابل دروسك، اسمح لي أن أعرض عليك أنفع ما عندي من مهارة بائسة."

ارتفع حاجب إدواردو. لا حاجة لردع من يُبدي ما عنده.

فتقدّمتُ خطوة، رسّخت قدميّ، ورفعت سيفي عاليًا. ابتسم ديون هارت راضيًا عن وقفته المثالية.

دار الخنجر في كفّه، وأطبق إبهامه على قبضته وأرخاه، ثم انخفض فجأة، واختفى عن ناظري في ومضة.

ـتشآاانغ!ـ

"...!"

طار السيف المفلوت خلفًا، وسقط بعيدًا. رمق إدواردو الخنجر المصوَّب إلى عنقه، ثم نظر إلى صاحبه.

"...مذهل."

أحسست بلسعة في كفّي، كأنّها تمزّقت. ضممتها وبسطتها مستذكرًا ما جرى منذ لحظة.

كانت ومضة خاطفة، لكنّه تجاوز سرعة البصر. ولم يكن هذا ليتأتّى لمجرّد كونه محاربًا. لقد قال: "إنها أنفع مهاراتي البائسة". أي أنّه استعملها من قبل أن يصبح محاربًا. وهنا اهتديت إلى الجواب:

...كيف أفتك بخصمٍ عظيم، وأنا بجسدٍ واهٍ؟

"أتُراه استنطق من بدنه قوّةً تفوق حدوده؟ أمر عظيم، إذ لا يناله كل امرئ. لكن جسده سيفسد بعدها، ولن يقدر على شيء. فإن استعمله الآن، حيث لا من يرعاه..."

"...."

"آه، صدقت. لقد صرتَ محاربًا الآن."

ابتسمت راضيًا، وأنا أرى "ديون هارت" قد تعافى تمامًا، ووقف ثابتًا.

"لقد خسرت."

خسارة كاملة. ومعها ارتسمت على وجهي ابتسامة مطمئنة.

كان ديون هارت يرمقني في صمت، ثم مال برأسه متسائلًا:

"دعني أسألك مرّة أخرى."

"...؟"

"أما ندمت؟"

تساءلت في نفسي عمّا سيقول.

"...هذا أنا."

وانفرجت شفتاي بابتسامة.

"ـأتظن أنّني سأندم؟"

"...لعلّه كذلك."

كان جوابًا متعالياً، لائقًا بإمبراطور حتى الرمق الأخير. غير أنّ ذاك الإحساس الغامض الذي راودني منذ لقائنا الأوّل، ما زال حاضرًا.

أما ديون هارت، فظلّ يحدّق في عينيّ الذهبيتين الصامدتين، ثم همس بعد سكون:

"تُرى... أما علمتَ أنّ الحياة كلّها ندامة؟"

2025/09/09 · 23 مشاهدة · 1395 كلمة
نادي الروايات - 2026