"...أفهم."

يبدو أنّ "ديون هارت" لم يكن الوحيد الذي "أدار ظهره". ارتسمت على وجه إدواردو ابتسامة مرّة.

في الحقيقة، قد يكون عجزًا عن الشجاعة في الالتفات. لا طاقة لي على مواجهة جبل الجثث الذي تركته خلفي في الطريق الذي سلكته. فمن يبدأ بالندم، يغرق في دوّامة لا قرار لها، لذلك اخترت أن أمضي قُدمًا، أتشبّث بالمسؤولية، بدلًا من الغرق في الندم.

الناس قالوا: إدواردو رجل شديد. أما هو فكان يعلم.

"أنا ضعيف."

تعلّقت بالمسؤولية، لكن لم أستطع أن أتحمّل شيئًا. رغبت بالموت، ولم أستطع. لم أتحمّل وزر قتل إخوتي، ولا عبء الإمبراطورية وشعبها. لم أجرؤ على الانتحار، ولا رضيت أن يقتلني عدو. فظللت حيًّا حياة بائسة.

حقًّا...

"ومع ذلك..."

ألستَ رجلًا متردّدًا؟

"لا ندم عندي."

لهذا السبب، أعجبني أن أواجه الموت هكذا. نهاية بائسة لرجلٍ أبله، لم يحسن اختيار شيء.

حدّق إدواردو في عيني ديون الحمراوين بعلامات استفهام، كأنّه لا يفقه، ثم أغمض عينيه. لم يدهشني أن يتسلّل إلى خاطري أنّه كان عليّ أن أولي اهتمامي لابنَي أخيّ أكثر من غيرهما، لكنني محوت الفكرة قبل أن تصير ندمًا.

"...آه."

هنالك فقط أدرك ديون. الكائن الذي أمامي ليس "الإمبراطور".

خلع التاج الذهبي الذي كان يضعه في المواقف العظيمة، ألقى العباءة التي اعتاد ارتداءها، وارتدى ثيابًا بسيطة، وحمل سيفًا، ولم يسمِّ نفسه "جِم" طوال المعركة.

كان ديون ينظر إلى إدواردو بعينين مثقلتين بالأسى، فإذا به يرفع خنجره ببطء.

"...آه، نسيت. هناك أمر يجب أن أبوح به."

"...؟"

"إن أردت النجاة، فاخرج من هنا عاجلًا. لقد زرعتُ قنابل في أرجاء القصر الإمبراطوري. ضبطتُها لتنفجر بعد أربعين دقيقة... وأحسب أنّ الوقت قد حان."

"...أيمكن التحكم بوقت الانفجار؟"

حتى لو صار ممكنًا، فالجيش الثوري أسبق إلى تطويره. فهم بارعون في صنع القنابل. سمعت أن القنبلة المحمولة اخترعها "دانيال" قائدهم آنذاك.

أقولها لا بصفتي مواطنًا للإمبراطورية بعد الآن: إن قنابل الممالك جميعها ــ بما فيها الإمبراطورية ــ معيبة ناقصة. تنفجر سريعًا قبل أن تُستخدم، أو لا تنفجر أصلًا. لذا نادرًا ما استُعملت في الحروب.

أجاب إدواردو بفتور:

"إن عُرفت طريقة صنعها، فإصلاحها يسير. في الماضي، ظهرت قنابل الجيش الثوري المحمولة في السوق السوداء، وقيل لي: اقتنِها حال وصول الخبر."

ولم يكن بحاجة إلى أن يرى، فعدد المطوّرين تغيّر مرارًا. ظلّ ديون، مصوّبًا خنجره إلى عنق إدواردو، متأففًا.

"قنابل محمولة تُباع في السوق السوداء؟ لا يُعقل أن الجيش الثوري غفل عن ذلك."

"إلى أي حدّ هم حسّاسون في هذا الأمر؟"

في أسوأ الأحوال، إن شعروا أنّ أمرهم سينكشف، ألن يقدموا على الانتحار؟ أليس كل ذلك درءًا لوقوع القنبلة في يد العدو، وخضوعها للتحليل؟

ذاك الرجل الكبير الذي لم يسرقها فحسب، بل عرضها في المزاد العلني... لا بد أنّه قُتل.

"الخطة الأصلية كانت دخول جيش ملك الشياطين القصر كلّه. لكن لم أظنّ أنه سيقتحم بمفرده. عبثًا إذن."

"...".

"ماذا أفعل؟ ضاق بنا الوقت... فلنترك النهاية."

كان إدواردو ما زال مغمض العينين.

لقد فارقتُ الحياة يومًا بعينين مفتوحتين، حتى لا يبثّ من يجد جثتي صورة ذاك المنظر القبيح. ولا أريد أن أُسقِط صدمة أكبر على ابنَي أخيّ، وقد هالهم ما يكفي.

"...".

هَوَى خنجر ديون.

وهناك...

ـــ في يومٍ مثلج ـــ

هوى نجم بطل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"وصل مرتزقة إسبيرانس. جاؤوا في الوقت المحدّد تمامًا، لكنّ الدوق لم يُسرّ."

فالجيش الشيطاني قد سبقهم إلى العاصمة. وقيل إنّ ديون هارت دخل القصر الإمبراطوري. وعلى الضفّة الأخرى لم يرد أي خبر عن هروب الإمبراطور أو العائلة الملكية. فكان أسوأ الاحتمالات يتردّد في خاطري، ولا بدّ أن أسرع نحو القصر.

"...ملك الشياطين عند البوابة الكبرى. فلنسلك طريقًا آخر."

جيشنا قليل، ولا طاقة لنا أن نهدره في مواجهة جيش الشياطين عبثًا. الأولوية: سلامة العائلة الملكية. لذا تجنّب الدوق الباب الرئيسي، وأخذ طريقًا ملتويًا حول القصر.

وما هي إلا خطوات حتى التقيت بالعائلة الملكية خارجين من الممرّ السرّي.

"لو انتقلنا من هنا إلى ممر آخر... سيد إلوستر؟"

"تراجعوا."

أسرع "نيميسيوس" فوضع الأميرين وراء ظهره، واستل سيفه صوب الدوق. وشدّ الحرس الملكي قبضاتهم على الأسلحة، وكذلك المرتزقة سلّوا سيوفهم.

لكنّ من أطفأ التوتّر الذي كاد ينفجر كان الدوق نفسه.

"لا أنوي أذيتكم، فلا تخشوا."

"وهل تظنّنا نُصدّق؟"

"ليت المرتزقة أيضًا يُنزِلون سيوفهم. أحقًّا من اللازم أن تقاتلوا من تحميه اليد؟"

"...محمِيّ؟"

قطّب وليّ العهد حاجبيه غير مصدّق، وارتجف طرف سيف نيميسيوس. فيما أدار الدوق بصره خلفهم.

كنت أرجو أن أرى من خُيِّل إليّ...

"...لكن لا أثر."

ركض شعور مشؤوم في عروقي.

"أين جلالة الإمبراطور؟"

"...بقي."

'لا أصدق أنك بقيت...'

كلمة وجيزة، غير أنّ معناها جليّ لا لبس فيه.

أغمض الدوق عينيه. لم يتفوه بمثل ذلك القول سهوًا؛ فقد كان يتوقعه منذ البدء. ثم تمتم في هدوء: "كنت آمل ألّا يحدث."

لكن ما وقع قد وقع، وما عاد في اليد حيلة لتغييره. وهكذا تُملى على هذا الجانب أفعاله سلفًا.

وبحسب طبع الإمبراطور لربما تُرك وشأنه، غير أنّي سألتُ رغم ذلك: "كم بقي معك من الجنود يا جلالة الإمبراطور؟"

"لا أحد. لقد تُركتَ وحيدًا."

لم يعد ثمّة ما يُقال. التفت الدوق إلى المرتزقة وخاطبهم: "أرجو أن تُوصلوا سموّ ولي العهد والأميرة إلى برّ الأمان."

"...أتقصد الجميع؟"

"نعم، جميعكم."

"...حسنًا."

فالمال قد قُبض، وما من داعٍ للاعتراض على طلب لا يضيرهم. سرعان ما أحاط المرتزقة بعضوي العائلة الملكيّة كالحُرّاس.

ابتسم الدوق ابتسامة خفيفة وهو يرى الشك يكسو محيّا وليّ العهد والأميرة. "يبدو أنّكما لا تدركان."

"...."

وهنا ظهر الفرق بين نضج الإمبراطور وصِغَر خبرتهما. فآثر الدوق أن يمنحهما الدرس الأوّل والأخير: "لا عدوّ دائم في السياسة، ولا صديق دائم."

"...أتقصد أن حليفنا الآن هو الدوق؟"

"يمكنكما اعتبار الأمر كذلك، مؤقّتًا. و...."

ثم أضاف نصيحته التي ستلازمهما في دهاليز السياسة: "ولا خير مطلق فيها، ولا شرّ مطلق. فإن بدا لكما أمر على أنّه خير أو شرّ مطلق، فاعلما أنّه باطل. والواجب أن تشكّا في كل من يُسمَّى صالحًا، فغالبًا ما يكون أضعفهم."

"كالدوق الذي مجّدته كنيسة الخلاص وسمّته خلاصًا؟"

"سموّ الأميرة..." قال الدوق وهو يرمقها بنظرة عاتبة.

لكن الضحك لم يدم طويلًا.

ـكوااااااااا!!ـ

اهتزّ المكان بدويٍّ عظيم. استدار الجميع نحو مصدر الصوت، وساد صمت قاتل.

"ما ذاك...؟"

وضعت الأميرة كفّها على فمها من شدّة الهول، فيما ارتجفت حدقتا وليّ العهد، واشمأز "نيميسيوس" وقبض يده غيظًا. ارتبك الحرس الملكي، وحتّى المرتزقة القادمون من "إسبيرانيا" تزلزلوا. فكيف كان حال الدوق إذن؟

"...هاه."

قهقه عاليًا.

فالقصر الإمبراطوري ينهار تحت أصداء انفجارٍ هائل. ذلك المعلم العريق ذو المجد الباذخ يسقط متصدّعًا في مشهدٍ بائس، وانهياره البطيء زاد الأمر بعدًا عن التصديق.

(الإمبراطور ما زال هناك...)

لم يبق وقت. ناول ما بيده إلى وليّ العهد ثم تقدّم نحو "نيميسيوس".

كانت ورقة تحمل رسم ممرّ سرّي. غير أنّ "نيميسيوس" لم يُدعَ أوّل أبطال الإمبراطورية عبثًا. قبل أن تُنتزع منه الورقة، استرجعها بحذر وقال بتحذير: "ما هذا؟"

"لن تنفعك بعد اليوم، دعني أستعيرها برهة."

"...."

لم يُجب، لكنه لم يقاوم. أخذ الدوق الورقة، طالعها سريعًا وحفظ مسارًا واحدًا يقود إلى القصر من الداخل، ثم ردّها إليه.

في تلك اللحظة ناداه وليّ العهد وهو يقبض شيئًا في يده: "ما هذا؟"

"سيفيدك."

"...."

ارتسمت على وجهه علامات الامتعاض من الجواب البارد، لكن الدوق أعرض عنه قائلاً: "فلنفترق هنا. اعتنوا بسمويهما."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهو ينحدر في الممرّ السريّ نحو القصر، تتوارد إلى ذهنه الظنون، الاحتمالات، ذكريات الماضي... وبالأخص حواره مع وليّ العهد الأوّل قديمًا.

كان بعد نهاية العقد، سألته: لِمَ تتبع سبيلًا أبله كهذا؟ فما كان جوابه إلا: "[قد يكون ثمة طريق أصلح، لا بل لا شك في ذلك. بل قد يكون ما زال قائمًا. لكن غباوتي لم تُسعفني سوى بهذا.]"

نعم، غباوة. قراره ذاك ساق البلاد إلى الهلاك، وكاد يجرّ العالم إلى التهلكة. ابتسم الدوق ساخرًا.

لكن حين بلغ القصر المنهدم، تبدّد سخريته وخرجت من بين شفتيه ضحكة خاوية: "...هاها."

وسط الركام، كان الشعر الذهبي اللامع واضحًا. لم يُسحق تحت الحجارة؛ بل حماه آخر.

اقترب الدوق بخطوات مسحورة، لم تُثنه النظرات الحمراء المترصدة. ركع على ركبته، مدّ يده، ومسح خدّه.

"كنتُ أراه جميلاً حين يكشّر عن أنيابه ليُخفي شعور الذنب، فتركتُه."

عاش إمبراطورًا، وها هو يموت كـ"إدواردو"، لكن بمهابة إمبراطورٍ حتى اللحظة الأخيرة. تمتم كأنّه يزفر: "في النهاية... هكذا يكون المصير."

كان بينهما عقد. أمرٌ لا بدّ من صونه، وأمرٌ لا بدّ من انتزاعه حماية له. متاعب لا نهاية لها.

ومع ذلك، كان يثير اهتمامه كيف كان يحول بينه وبين العرش ويزأر في وجهه. تركه حتى بعد انقضاء العقد، لكن لا أكثر. مرّر يده على شعره الذهبي لآخر مرة، ثم سحبها ببطء.

رفع بصره نحو "ديون هارت". "انتظارك لي هنا لفتة غير مألوفة."

"لفتة؟"

ارتسمت ابتسامة خفيفة على المكان. "كنتُ فضوليًّا فقط. كيف يبدو طعم فقدان أعزّ ما تملك؟"

"أعزّ ما أملك؟"

اتّسعت عينا الدوق بدهشة. للحظة عاد بصره إلى جسد الإمبراطور. (...كأنّه قهوة مثلّجة.)

"القوة هي أثمن ما عندي."

"هذا محال."

كيف يجهل، وهو يفضح نفسه صراحة؟!

ابتسم ديون هارت باستهزاء. لا فرق، سواء أدرك أم جهل؛ فالعذاب واحد. غير أنّ الواعين به يعذَّبون أكثر. قال الدوق بحدّة: "ولِمَ جئتَ وحيدًا إذن؟"

"لأن لا تاريخ مرضيّ لي."

فإرسال الجند لإنقاذ إمبراطور موتٍ محقق إهدار. بل إن رحيله سيقلّل الخسائر. والأهمّ...

(...أنّه أراد الموت.)

احترم الدوق إرادة الإمبراطور حتى النهاية.

2025/09/09 · 23 مشاهدة · 1399 كلمة
نادي الروايات - 2026