"لستُ أسألك عن ذلك. كان بوسعك أن تفرّ. إن كانت السلطة أعزّ ما تملك، كان عليك أن تهرب قبل الجميع، لا أن تأتي هاهنا."

"...أنت مهووس بأحاديث لا طائل منها. يبدو أنّهم يريدون زلزلة ذهنك بربطك بالإمبراطور. وإن كان الأمر كذلك، فدعني أقول بدوري شيئًا."

أتدري ماذا؟

ارتجف الجوّ بصوت خافت، كهمس أفعى. ضيّق الدوق عينيه وهو يلتقي بحدقتين حمراوين كالجمر.

"لو أنك مُتَّ في حرب السنوات الثمان، لكان الإمبراطور، وأهلك، و"كرول" قد غمرهم الفرح. لولاك ما داست أقدامُ عالم الشياطين أرض البشر، ولا أُريق دم الأبرياء."

"وهذا أيضًا ضربٌ من الهجوم المضاد..."

دوّى ضحك ساخر.

وما إن اتسعت عينا الدوق متسائلًا، هل سمع حقًا ما سمع، حتى انقضّ عليه ديون، قبض على عنقه، طرحه أرضًا، وغرس خنجرًا في كتفه ظهر من حيث لا يدري.

"تبا!"

قال ديون ببرود: "آسف... لكن بفضل آخرين لم يعد ثمة ما يكسر روحي."

ولم تُجْدِ المحاولة شيئًا. لوى الخنجر كأنه يلهو به، فانساب أنينٌ مكتوم.

خاطب خصمه بنبرة خافتة: "قل لي، لِمَ فعلتَ ما فعلت؟ ما الذي دفعك لعقد عهد مع الشيطان؟"

قهقه الدوق بين الأنين، وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه الممزقتين.

"أتظن أن وراء الأمر سرًّا عظيمًا أو مأساة مروّعة؟ وإن كان... فماذا ستصنع؟ ألستَ مقتولًا على كل حال؟ لن تجني من ذلك غير ضيق الصدر."

"...أهو موجود إذن؟"

"لا. لا وجود له."

ساد صمت قصير.

كانت ملامحه أشبه بلوحة، فأطلق ضحكة هي الأكبر في حياته. "لقد ضحكتُ اليوم بما يكفي لعمرٍ بأسره. بل سأموت اليوم، فلا يقال إنّه شعور عابر."

ثم أردف: "ذاك العقد لم يكن سوى عتبة أعبرها صوب قوّةٍ أعتى. وما إن وُقّع حتى خبا نفعه. ولو عرفت أنّ الأمر سينتهي إلى هنا، لما وقّعت."

صرّ ديون على أسنانه وقال كمن يمضغ الكلمات: "...ليتك تذوق مرارة الندم."

ابتسم الدوق: "أواه... إنني أندم أشدّ الندم، وأعمقه. وأرجو أن أموت بالندم."

كانت كلماته تنضح بألمٍ أكبر مما يتركه السيف. ثم أضاف مبتسمًا بدموع غليظة دامية: "ولهذا السبب، لا أندم."

ندمي هو ابتسامتك.

ثم قال في نفسه: "على المرء أن يعرف متى ينسحب. حين بلغني أنّ الإمبراطور وحده في القصر، أيقنت أنّ الساعة قد حانت."

الإمبراطور هالك لا محالة. وما إن يهلك، لن يبقى هدفٌ لثأر ديون هارت سوى الدوق. طالما ظلّ حيًّا، فإن سيف جيش الشيطان سيبقى مُصوَّبًا نحو الإمبراطورية. فلا بدّ أن يموت ليُفسَح المجال لإمبراطورية ولي العهد والأميرة في العاصمة الجديدة.

لكن... لا أريد موتًا خاضعًا.

"ولِمَ لا تظلّ تعيش في عذاب بقية عمرك؟"

نظر إلى خصمه وهو يضحك، والابتسامة ما فارقت وجهه حتى وهو يصرخ من طعنةٍ في يده.

قهقه: "هاهاها! والندم، كحجارة الدومينو، ما إن يسقط أوّلها لا ينتهي السقوط. فلا أحد يقضي عمره كله نادمًا، أليس كذلك؟"

حدّق ديون في عينيه، وعيناه الحمراء تلتمع بنية القتل، وقال ساخرًا: "معناه أنّك عشتَ حياة رديئة."

فصمت الدوق، ثم حاد بالحديث إلى غيره: "لطالما تساءلتُ... كيف نجا من مجزرة قصر الدوق، وصار بطلًا؟"

كان يزدهي بجماله كأنه شعاع وحيد يسطع في الظلمة، غير أنّ الدوق لم ير فيه الآن سوى صرصور حقير.

'حقًا، ما أفظع هذا الاسم.'

لقد غدا حبل ديون هارت أصلب من عشرات الحبال المعقودة معًا، ولا يدري إن كان في الدنيا من يستطيع كسره.

قال الدوق: "بما أنّك صرتَ محاربًا، فلا بدّ لك من مناعة ضدّ السحر."

سأله ديون: "أتريد قتلي بالسحر؟"

"لا. فالسحر ليس مطلق القدرة. ثم إنك عاجز عن شنّ هجومٍ يُذكر بهذه الطاقة الواهية."

"فلمَ إذن؟"

قال في نفسه: "لم أكن أوفر سحري عبثًا."

حتى حين اندفعت جيوش الشيطان، لم يستعمل الدوق سحره. إذ يعلم أن إشارة من سيد الشياطين كفيلة بإبطاله. وربما حطّمه شيطان آخر قبل أن يبلغ غايته.

المرة الوحيدة التي استعمل فيها قواه، كانت يوم أنشأ مكانًا سرّيًا في كنيسة الخلاص ليُودِع فيه رأس "كرول هارت"، وليخفي آثار الجثة المسكينة في قصره.

ورغم ما استهلكه ذلك من طاقة عظيمة، فما زال في جعبته ما يكفي للقتال.

"سأُلقي عليك لعنة."

"...لعنة؟"

أليس ذاك من ضروب السحر والشعوذة؟

قطّب "ديون" جبينه، فالكلمة بعيدة عن حدود السحر الذي يعرفه.

"نعم. إنني أستعمل كل ما وهبني إياه ملك الشياطين من قوة لأُحِلّ بك لعنة."

عينان تلمعان بنور غريب تحدّقان في سواد عينيه الحمراوين، ثم انفرجت شفتاه ببطء، وخرج صوت يبعث القشعريرة:

"لن تنال موتًا يسيرًا أبدًا."

"...".

"كنت أرغب أن أُقايضك بما هو أشدّ، غير أنّ ما أملكه من قوى بلغ غايته."

ابتسم الدوق، ابتسامة غريبة كأنما تاقت يداه لإهراق دماء لا تُحصى. نظر إليه ديون بوجه متجهم.

لم يكن الأمر رهبةً من لعنة، فموت عسير أمر مرحّب به. وإنما الغرابة، أنّ هذا الزنديق لا يفتأ يطارده.

"...أتدري ماذا؟"

تكلّمت ببطء.

"يوم أُخذتُ إلى ساحة القتال، لم يكن يفصلني عن ميلادي سوى شهر."

"...".

"وأخي كرول مات قبل ميلاده بشهر."

"..."

"أيها الحقير."

قهقه الدوق وقال:

"ألآن أدركت؟"

فانغرز لون أحمر آخر في ثوبٍ قانٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ركض الجنرال "نيميسيوس"، أول أبطال الإمبراطورية وسيف الإمبراطور الأول، عائدًا إلى القصر المتهدّم بعدما أودع الأمير والأميرة في مأمن.

كان يدرك أنّ التمسك بأمل نجاة الإمبراطور ضربٌ من الجشع، لذا هيأ قلبه لمشهد الختام. غايته أن يكون الجسد على الأقل سليمًا.

"سليم... غير أنّ العدد اثنان."

رفع بصره عن الأرض، فإذا به يرى جسدي الإمبراطور والدوق، وديون هارت ماثل أمامهما بدمائه، شاخصًا إلى الدوق المسجّى. كأنّه أحسّ بوجود نيميسيوس، فالتفت إليه ببطء، واصطدمت عيناه بعينيه الحمراوين المرعبتين. لم يلبث أن نظر إلى الإمبراطور وزفر بحسرة.

"...مولاي."

تداخلت المشاعر في صدره، خليط من حزن عميق ودوامة صامتة.

كان "نيميسيوس" أول من استدعاه الأمير "إدواردو" قبل اعتلائه العرش. بذل من ماله القليل ليستميل رجالًا من عامة الناس كانوا مقاتلين في حلبات المبارزة. لم تكن تلك علاقة خفيفة ولا وقتًا عابرًا، بل رباطًا يصعب أن يُمحى.

[ما اسمك؟]

[نيميسيوس؟ اسم جليل لكنه بلا معنى.]

[لا أسخر منك، إنما أعني أنّ الاسم ذاته بلا مدلول، غير أنّي أفهم شعور والديك. جمعا ما تساقط بين أيديهما وصاغاه رجاءً أن تكبر وتبلغ المنزلة. وذاك وحده يكفي ليهب الاسم معنى.]

[هل تنوي أن تبلغ قدرًا بحجم أمل والديك؟]

"...ألم أقل لك من قبل إن هذا الرجل خطر؟"

روحٌ لا يحمّل نفسه وزر ذنبه لا يمكن أن تكون ثابتة، ومن مثله لا يُؤمَن إذا فقد عقله.

تمتم نيميسيوس بمرارة، والتقط سيفًا مُلقى قرب جسد الإمبراطور. تخيّل سيده ممسكًا به في آخر لحظة، يقاتل حتى الرمق الأخير صونًا لعزته، فلا يلين أمام خائن.

'لقد أوصاني سيدنا أن أحفظ الأميرين... غير أنّه لم يأمرني صراحة.'

إذن فالعناد مباح.

رأى في عيني ديون هارت أنّه غدا بطلًا، لكنّه لم يتزحزح. حمل مقبض السيف المضرّج بالدماء، وأشار بالنصل إلى ديون هارت.

"ظننته من قبل شبيهًا بالبشر، فإذا به وحش مكتمل."

أمال ديون رأسه، وخطا خطوة للأمام. في تلك الخطوة وحدها، كان من الهيبة ما لم يشهد نيميسيوس مثله، فارتفع حاجباه دهشة.

"ألست فارًّا؟"

"...أما كان الإمبراطور هو الغاية؟"

الإمبراطور بداية لا نهاية. وستغمر الدماء نصل هذا الرجل من بعده. لكن نيميسيوس لم ينثنِ. فما دام جنرالًا، فواجبه حماية الضعفاء.

"تعال. هنا سيكون قبري."

وقبرك أنت أيضًا.

'...لِم؟'

لماذا يسعى الناس إلى حتفهم وهم عالمون؟ أدرك ديون أنّه لا مفر، فأخرج خنجره وتمتم بصوت خافت:

"...لم الأرض ملأى بالحمقى؟"

"..."

"وأنا لست بدعًا عنهم."

خطواته متزنة، تضرب الأرض برصانة. تقدّم قائلًا:

"ما دامت الحال بلغت ما بلغت، فسأبذل قصارى جهدي لأرديك."

"وهذا أجلُّ خبر سمعته منذ زمن."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في يوم واحد أُهريق دم كثير. بل صحّ أن يُقال: رجال عظام قضوا جميعًا في يوم واحد.

ظل أثر الطعن عالقًا في يد ديون، فمسح كفه بثوبه.

'لِم ماتوا جميعًا بلا ندم؟'

سؤال أثار في صدره ضيقًا لم يفهم له سببًا.

إلى آخر رمق، بقيت أعينهم متوهجة على طريقتها. لم يحتمل قذارة الإحساس، فأخرج علبة السجائر من جيبه. جلس على حطامٍ قريب وأشعل لفافة، فإذا بالمكان يبدو كجحيم للنمل.

"...تبًا."

ما بال شياطين البوابة صامتة؟ أتلعبون الديكة؟

نهض وهو يجرّ دخان سيجارته، لكن ما إن التفت حتى تجمد في مكانه، إذ وقع بصره على وجه القادم.

"بلغني أنّ جيش ملك الشياطين اندفع مسرعًا نحو العاصمة، فجئت أهرع... لكن يظهر أنّ الأوان فات."

"...".

"لِم لا ترد؟ أليست بيننا أيام طوال؟ أما من تحية؟"

"...سينيور ستيغما."

"نعم، جونيور."

لقد مرّ زمن منذ أن تقابلنا.

بابتسامة وادعة، أطلّ "ستيغما بريميرو"، البطل الثاني للإمبراطورية.

2025/09/09 · 29 مشاهدة · 1276 كلمة
نادي الروايات - 2026