شدَّ الفارس لجام جواده الذي كان ينفث دخانًا أسود، حاول أن يمتطيه، غير أنّه أبى وأخذ يضرب الأرض، كأنّ ماضيه من الركض نحو الهلاك قد أثقله، وأبى أن يخطو خطوة.
ضحك ديون ساخرًا: "الآن... انتهى كل شيء..."
شهق الجواد بشدّة، فانتزع منه اللجام وجذبه نحوه، ليغرس نظره في عينيه. كانت عيناه الحمراء المتقدة تلمع بخطرٍ ونقمةٍ ودمٍ مسفوك. قال بصوتٍ متقطّع: "أتشتهي الموت؟"
فسكت ديون، فانحنى الجواد خاضعًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين انسحب الجميع وحلّ الظلام على القصر المنهار، الغارق في سكونٍ كالموت، خطا أحدهم إلى الأطلال التي ستُدفن في بطون التاريخ.
بخطى مترددة، كأنّه يخشى أن يكون قد ضلّ الطريق، لكنّه ما توقّف قطّ، حتى بلغ جسدًا مطروحًا أمامه. تدحرجت الحقيبة من يده فوق الأرض الملطّخة بالدماء.
"آه..."
كانت شفتاه المضرّجتان بالدم متشققتين كأنّها لُوكَت مرارًا، فانطلقت منه أنفاس بالكاد تُسمع: "أخيرًا..."
كان أنينًا، وكان صرخةً مكتومة، وفي الوقت نفسه استسلامًا عميقًا.
سقطت سايرين على ركبتيها أمام الجسد بلا رمشة عين. جسد ممزّق، بالكاد يُعرف، كأنّ الغضب قد نهش أوصاله، غير أنّ الرأس ظلّ سليمًا عمدًا، يُشير بوضوح أنّه دوق. ولو فُسدت الرأس، لعرفته سايرين دون تردّد.
"كيف لا أعرفك؟"
تمتمت في حزنٍ جريح: "هو... جحد الحبّ، هزئ به، ولعب به كيف شاء..."
لكنّك عزمتِ أمركِ، وما عليكِ سوى المضيّ بما خُطّط له. دفعت بجسد الإمبراطور المقيت جانبًا، لتفسح مكانًا، ثم أخرجت الأدوات التي جلبتها سلفًا لتُطهر المشهد.
تمتمت بصوت خافت: "في النهاية... حتى أنت انتهيت إلى هذا المآل."
وما الفرق؟ لم يدرك قط أنّه كان يملك "طوق الطاووس" في يده، ومع ذلك انساق وراء مشاعر فاترة، فسلّم حياته، كما فعل من كانوا يسخرون منه. والدوق، سيُنكر حتى الرمق الأخير.
لكن ما عساك تفعل؟ تلك هي الحقيقة.
"تدّعي الذكاء، وأنت لا تعرف اسم مشاعرك."
ومضى الوقت، وانتهى الترتيب. وبهذه الحال، لم يعد الدفن مجديًا، بل كان الحرق أجدر. تنهّدت سايرين تنهيدةً باهتة وهي تنهض.
"حسنًا..."
قالت بصوتٍ رتيب، لكنه ألين من ذي قبل، مخاطبةً جسدًا لن يسمع: "كنيسة الخلاص ستسقط. لقد التهمت الكثيرين... وإن أردنا لاستطعنا الحفاظ عليها، لكن ما جدوى التمسك بها بعد رحيلك؟"
ثم تابعت، وهي تبحث عن مكانٍ مناسب لإحراق الجثمان: "سأرحل إلى بلاد أخرى. حتى لو كان انتقامًا لروحك، فلن ترضى أن أمدّ يدي طائش, نحو إمبراطورية يحكمها أناس أحبّهم."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مات الإمبراطور... عمّي. كان موتًا مُنتظرًا.
على خلاف ما كنت أطمح أن أرافقه ولو اضطررت، وجدتني مدفوعًا بقوّة عزيمة غامرة، فسرت بلا اعتراض، ولم يكن المرء بحاجة لذكاء كي يُدرك أنّ إدواردو ديزرت كان يتمنّى أن يموت هناك.
ومن منظور وليّ العهد، فهي خطوة نافعة ما دامت غير ضارّة، بل هي خياره وحده، ومن الواجب احترامه، لكن...
"أأصبحت مرتاحًا الآن؟"
سأل وليّ العهد إلبيديوس، وقد خلا القصر من الجميع، حتى الأميرة، محدّقًا في التابوت الفارغ: "في النهاية... حملت كل شيء على عاتقك، ثم رحلت."
عناد بلا جدوى.
الحزن يفتك بي، والغضب ينهشني، حتى أكاد أجنّ. لكنني لم أجرؤ أن أصفه بالجبان الذي هرب إلى الموت. لأنّه اكتفى بما لا يُطاق. أو بالأحرى، حمل ما لم يكن عليه أن يحمله أصلًا.
كان عليّ أن أقول له حينها: "لا ذنب عليك."
[إنها غلطتي. سأتحمّلها كاملة.]
لكنها لم تكن غلطته.
لماذا اعتذر؟ لم يكن قاتل والدي. كل ما فعله أنّه لبّى رغبة أبي. كبَتَ هواجسنا الشريرة، وتشبّث بنا، ثم أرسله إلى حتفه.
كنت صغيرًا، فلم أقل له: "لا بأس"، بل رمقته بعينين ساخطتين، وأعرضت عنه...
"آه..."
تنفّس إلبيديوس بحرقة، وكأنّ صدره قد ضاق: "صرنا نحن الخطاة الآن."
تركتني هذه الحقيقة مع ذنبٍ لا يزول.
لو أنّني، يوم أخبرته أنّي سأتحمّل الذنب نيابةً عنه، قلت له: لا حاجة لذلك. لو أنّني طيّبت خاطره، وحاولت أن يعيش في سلام، بدل أن أتركه يستسلم لعناده... لو أنّني اقتربت أكثر، مددت يدي، وأمسكت بيده، ورجوته...
لو أنّني، على الأقل، اعتذرت عن نظرات حقدي يومها.
"هذا الحمل وحده يا عمّي... كيف احتملته؟"
لقد عاش وهو يظن نفسه آثمًا بحقّنا. وأنا، برغم علمي، كنت أواسي نفسي بأوهام: "سيزول مع الوقت"، "لقد مرّت أعوام، فلا بأس"، "هو رجلٌ قويّ بطبعه"... حتى صار الحمل أكبر من أن يُحتمل."
"لقد تبدّل الموج، وانعكست الريح.
صار المذنبان اليوم «إلپيديوس» و«أليثيا»، وأضحى الهدف ليس سوى «إدواردو».
كيف للمرء أن يكفّر عن موتى طواهم الردى؟ كنتُ أظنني نضجتُ باكراً، فإذا بي أكتشف أني لم أفعل. لم أولِ أقرب الناس إليّ عنايةً، فأيّ صِبا هذا إن لم يكن طيشاً؟
"لقد نشأنا مترفين، في كنف عمٍّ كان سياجاً يحمينا."
كنتُ أحنو على الأطفال الذين لا يقدّرون كدّ آبائهم، ولم أظنّ يوماً أني سأكون واحداً منهم.
فالطبيعي أن يبدو الحامي القوي أكبر من كل شيء، خالدًا لا يزول. لكنني خُدعتُ بتلك البديهية؛ وما إن أدركت الوهم حتى كان الأوان قد فات.
طأطأ «إلپيديوس» رأسه، وغاص وجهه بين كفيه.
"كيف ربّيتنا بهذه السذاجة؟"
أنتَ جبان... نعم، لا يليق بي أن أنعتك بالجبان، لكنك كذلك حقاً.
كيف تتركني مثقلاً بالذنب؟ التاج الأصفر وحده كفيل بأن يطحن الكتف، فكيف إذا باغتني هذا البلاء؟ كيف تُطالبني بالثبات؟ إنه أمر مهول يا عمّي... يفوق طاقتي. فما بقي لي من عائلة في الدنيا غير واحدة، عائلة لا أستطيع أن أتكئ عليها وحسب، بل أن أحرسها كذلك.
"أريد أن أفرّ."
تدريب على الخلافة؟ تسليمٌ وتوارث؟ حتى وإن أعددت له مقدّماً، فلن يداوي هلعَ فقدان السند في لحظة، ولا رهبة الوقوف على أرضٍ غريبة. عينان ذهبيتان، بين أصابعه، تلمعان بالهشاشة وترتجفان كما لو كانتا توشك أن تنكسر.
نعم... أريد أن أفرّ. أن أترك كل شيء وأعدو بعيداً، إذ تثقلني المسؤوليات، لكنها متناقضة ـ وكم هي قاسية ـ ذاتها تمنعني من الهرب. وفوق ذلك كله...
"أفظع من أن يُذكر أن يُحفر اسمي في سجلّ الملوك كآخر أباطرة دولةٍ خربت، أو أن تُمحى آثاري فلا يبقى لي ظلّ في التاريخ."
سمعتُ همساً يقول: "كان خيراً له لو انسحب." لكن «إلپيديوس» لم يكن وقحاً حدّ الفرار لمجرّد أن الحمل فوقه أثقل.
لذلك كبحتُ قلبي الصارخ بالهرب، وأجهدت فكري كي أجد سبباً يحفّزني على الذود عن العرش. دون أن أشعر، تولّدت بي مشاعر غامرة.
"...الثأر."
لقد وجدتُ علّةً أبقى من أجلها. فعضضتُ على النواجذ.
"لن أفرّ، ولو من أجل الانتقام لعمّي."
فـ «ديون هارت» هو من قتله.
أدري أن اختيار عمّي كان أصل الحكاية، لكنه حتى لو اختار الحياة لظلّ يطاردني كظلي، راغباً في قتلي. ثم إني إن لم أتشبّث بالعرش، سأترك كل شيء وأمضي هارباً.
رفعتُ بصري، فإذا التابوت أمامي أجوف، تحفّه الزينة. جثمان «إدواردو ديزرت» ليس فيه. أردت أن آمر بإرساله لدفنه، غير أن الوزير الأعظم حال دون ذلك.
[لعلّ جند ملك الشياطين ما زالوا هناك. ولو بعثنا رجالاً فمصيرهم الهلاك ككلابٍ ضالّة...]
[إنها جثة جلالته! كيف تُقال مثل هذه الكلمة؟]
[بل هذا ما أوصى به بنفسه!]
[...ماذا؟]
[قال جلالته: لا قيمة للجسد بعد أن تغادره الروح. ولا يريد أن تُزهق أرواح رجاله من أجل قطعة لحم.]
كلمة "قطعة لحم" قاسية توجع السامع، لكنني لم أملك ردّاً؛ فهي بالفعل تشبهه. هكذا كان، قادراً على انتزاع الإعجاب حتى من تحت تراب الموت.
...
التفتُّ بعد وداع جنازة بلا جثمان. وعند باب القاعة التقت عيناي بالأميرة «أليثيا»، واقفةً تنتظر.
"أخي..."
رأيتُ عينيها غارقتين بحمرة البكاء، والدموع تسيل بلا صوت.
انتظرتُها بصمت، ثم همستُ:
"سأجعل ثأر عمّي فوق كل أمر."
"..."
"سأصون وصيته، وأبقي الإمبراطورية أساساً، لكن ما وراء ذلك فالثأر مقدّم عندي على العرش والشعب."
أي إنني ما لم يمسّ ذلك بقاء الإمبراطورية، فالانتقام يعلو.
أدركتُ أن الإمبراطور ينبغي أن يُؤثِر الرعية والبلاد على نزعاته، وأن في ساعة اضطراب الناس يحتاجون ملكاً عاقلاً حكيماً، يكبح رغبته في الثأر. لذا التفتُّ إليها قائلاً: "إن اختلف رأيكِ عن رأيي، سأدعُ لكِ العرش."
لكن «أليثيا» قطعت الكلام، وبسمة ممزوجة بالدمع ترتسم على شفتيها:
"بل نحن على سواء. وهل كان عندنا شيء أسمى من العائلة؟ أنا أيضاً أريد الثأر. سأقف معك."
...
انتهى الحديث، وأمسكتُ زمام نفسي. غير أن عرش الإمبراطور لا يجوز أن يبقى خالياً. وقفتُ يومها أمام الأشراف، وصوتي خفيض متهدّج:
"كما تعلمون، لقد ارتحل مولانا بعيداً..."
الجميع التزم الصمت حين رأوا عيناي المحمرّتين.
"ولأن الوقت لا يسمح بمراسم التتويج... فليكن معلوماً أنني من الآن... أتولّى كل الأمر."
تصلّب الجمع تحت نظراتي الحادّة، فإذا بـ «أليثيا» تنحني فجأة وتقول:
"المجد للإمبراطورية."
ثم تبعها الوزير «أردال»، وانحنى هو الآخر. عندها لم يملك الأشراف إلا الركوع بدورهم.
فلم يكن أحد يعترض؛ الكلّ يعلم أن وليّ العهد كان صاحب القرار منذ زمن بعيد، وأن ما يحتاجه الناس الآن هو "الاستقرار".
"المجد للإمبراطورية."