[...أتتحدث عن ريممبر؟]
[نعم، إنّ الرسالة التي سلّمني إيّاها الدوق كانت تقول: "ريممبر".]
ولكي أكون دقيقاً، فقد حملت الرسالة ختم الدوق، واسم "ريميمبر" وتوقيعه بخطّه.
ألقى "أردال" نظرة على الرسالة التي ناوله إيّاها "إلبيديوس"، ثم خفض رأسه. كان واحداً من أولئك النجباء الذين جاء بهم الإمبراطور الراحل "إدواردو ديزرت"، غير أنّه اختار أن يخدم "الإمبراطورية القائمة"، على خلاف "نيميسيوس" الذي مات مُخلصاً لإمبراطوره. ذلك أنّه لم يخدم الإمبراطور يوماً، بل كان ولاؤه للإمبراطورية ذاتها.
ولهذا، ها هو ينحني أمام "الإمبراطورية الحاضرة"، ويجيب بأدب:
[سأتّبع أوامركم.]
ما دام "إلبيديوس" لا يتخذ قراراً يضر بالإمبراطورية، فإنّ المستشار "أردال" سيبقى له مُطيعاً، ثابتاً في ولائه كما كان من قبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد عاد "ديون هارت" إلى عالم الشياطين.
ورغم أنّه قدّم أعظم القرابين حين قتل الإمبراطور، لم يكن هناك استقبال حافل، إذ إنّ صاحب الفضل – بعينيه الحمراوين المتقدتين – صرّح أنّه لا يهوى الضجيج.
وبعد أن صرف الجنود الشياطين عن البوابة، مضى "ديون" صامتاً، يواجه نظراتهم دون أن يعبأ بها، حتى بلغ القصر الداخلي. هناك أمر حتى "الفيلق الصفري" بالتفرّق، ثم ولج المبنى.
كان "بن"، الذي تبعه في صمت، يراقب الاتجاه، ثم مال برأسه متسائلاً:
"المعذرة... لكن هذا ليس طريق مقرّ الملك الشيطاني."
"أتعني السيّد؟ إنّي ذاهب إلى غرفتي."
"هاه؟ ما معنى هذا... دون أن ترفع تقريراً؟"
"نعم، لقد تعبت."
أي أنّه ينوي الاستراحة فوراً دون لقاء ملك الشياطين.
لكن ماذا لو أثار سخطه؟ "ديون" الذي ظلّ يمشي بطمأنينة، تاركاً "بن" قلقاً خلفه، ضيّق عينيه حين لمح شخصاً واقفاً في وسط الممر. الضوء من خلفه أخفى ملامحه، غير أنّ بصر "ديون" المرهف بحكم كونه محارباً مكّنه من تمييزه بسهولة.
فمن ذا الذي يجرؤ على الوقوف في منتصف الممر، شامخاً، كأنما ينتظر قدومه؟
"...إد."
"سيدي..."
تجمّد "إد" حين التقت عيناه وجه "ديون"، وقد تردّد الاسم المألوف على مسامعه.
"...مولاي."
"يبدو أنّهم أرسلوك للقاء من جديد. قلتُ من قبل إنّ لا حاجة لذلك."
"بوصفي نائباً، فذلك فعل طبيعي... غير أنّ..."
اقترب خطوةً، مدّ يده، ثم أدرك متأخراً أنّها حركة وقحة، فتراجع مرتبكاً، وصوتٌ متلعثمٌ يهمس:
"هل... هل أصبحتَ بطلاً؟"
"بلى، هذا صحيح."
"أها... لقد سمعت باستيقاظ بطلٍ جديد، لكن ما ظننتُ قطّ أنّه سيكون "ديون"..."
أكان وقع الخبر عليه بهذه الفداحة؟
غير أنّ "إد"، وقد استعاد رُشده سريعاً كمعاون كفؤ، أطرق رأسه مبتسماً:
"أبارك لك، فقد بلغني أنّك قدّمت أعظم إنجاز، ولا تأتيك إلا البشائر تِباعاً."
"بشائر، تقول؟..."
لعلّ الشياطين يرون الأمر كذلك.
قهقه "ديون" بخفوت، ثم مضى بعدما توقّف لحظة. وحين رأى "إد" اتّجاهه، قال متردّداً:
"هلّا أخبرتني... إلى غرفتك أنت ذاهب؟"
"نعم."
"لكنّي سمعت أنّك وصلت تواً... ألم تلقَ الملك الشيطاني بعد؟ أسرِع..."
"لم ألقه."
ذلك الحقير...
مع أنّي لم أذق النوم، والوجوه التي قتلتها هذه المرة كانت وجوهاً أعرفها، وقد استنزفتُ من نفسي قوىً مضاعفة، حتى توتّرت أعصابي... فما بالهم يصنعون ضجّة من لا شيء؟
انفلت صوته حادّاً، فأربك "إد":
"ماذا؟"
"قلتُ لم ألقَه. إنّي مُرهق، وسأنام الآن."
"آه..."
لم يلتفت "ديون" إلى تغيّر نبرته، فذلك أمر معهود. ما كان يُقلق "إد" هو الجوهر:
كيف يخلد إلى الراحة مباشرة وقد قتل الإمبراطور، عدوّ "نهضة الأبطال" الأكبر، دون أن يرفع تقريراً أو يقابل الملك؟ في زمن الحرب، حيث لكلّ خبر قيمته، ولكلّ لحظة ثمنها... ومع ذلك، "ديون هارت" ليس مجروحاً، بل مُجرّد متعب.
"...هَه."
ومع نفحة ضجرٍ ارتسمت على وجهه، مرّ "ديون" بجانب "إد"، غير مبالٍ. ناداه الأخير: "مولاي ديون؟" لكنه لم يجبه.
ظلّ يمشي حتى بلغ الباب، ففتحه بثقة، غير متوقّع أنّه سيجد أحداً. لكن، على غير ظنّه، كان ثمّة نفر بالداخل.
...بل عمّال، لا ضيوف.
كان "دان" عند النافذة يبدّل ماء مزهرية، ممسكاً بزهرة ما تزال نضرة. وما إن وقع بصره على "ديون" حتى أسرع يُنهي عمله، واقترب بخطى واثقة. نبرته، كعادته، هادئة:
"مولاي."
"ما طلبتُ منك إنجازه... أراه قد أُنجز كما ينبغي."
كنتُ أستشعر ذلك من سكونه الماكر، لكن رؤيته بعيني جعلت الأمر أثقل وقْعاً.
عيناه القرمزيتان استقرّتا على صندوق خشبي فوق المكتب. لحق "دان" بنظراته، وابتسم ابتسامة خفيفة، كأنّما يُعلن أمراً بديهياً:
"ذاك أمر واضح لا يحتاج إلى قول."
"..."
لم يُجب. بل ربما لم يسمع أصلاً.
ومع أنّ ملامحه كانت صلدةً لا حراك فيها، بدا أنّ "دان" أدرك ما يعتمل في صدره، فتنفّس بأسى، وقال:
"سأنصرف الآن، فأنت تبدو مُتعباً. نَم هنيئاً."
مضى دان دون أن يلتفت، وأُغلق الباب بوقع خافت.
لمّا خَلَت الساحة من كل أثر، وانفرد "ديون" بوحشته، خطا خطواتٍ وئيدة، مترددة، نحو الصندوق الخشبي.
وضعتُ كفّي على غطائه، وأخذت نفساً عميقاً.
"عليَّ أن أتأكد."
كان لا بدّ من التيقّن: هل نُقل دون أن يلحقه أذى؟
لكن الشجاعة خانته، إذ لم يستطع مواجهة رأس أخيه ثانيةً. ظلّ يضع يده فوق الغطاء، متردداً، ثم عضّ شفتيه وفتحه.
لمّا لم يكن متعفناً، باغت أنفه وخزُ رائحة الدم القانية. ارتجّت عيناه الحمراوان لحظة، ثم استعادت سكونها، وراحت تفتش الداخل بحذر.
"...على الأقل، ما يبدو من هذا الجانب... بخير."
لم يجرؤ على رفع ما لا يُرى أو تفحّصه بيده، ولا استطاع أن يُفوّض الأمر إلى غيره. مدّ يده إلى الصندوق مراراً ثم سحبها، حتى استسلم أخيراً وأعاد الغطاء.
وعلى وجهه الهادئ مرّ طيفٌ عابر بدا كهوّةٍ لا قرار لها من اليأس.
"...أخي."
قالها هامساً.
"إنما هو الإرهاق. لقد أنهكتني الليالي، ولم يغمض لي جفن، وتلاحقت عليّ الهموم حتى غاب رشدي."
"أكاد أختنق."
خرجت من فيه كلمات ما كان يُسمح له بالبوح بها.
رفع يده ببطء، ووضعها على عنقه، يخدشه كما لو كان يُمسكه ليخنقه. خمسُ خطوطٍ حمراء تركتها أظفاره سرعان ما تلاشت بقوة جسده العجيبة. تناثر الدم في مواضع، لكنه لم يُدرك.
أفاق بفعل ألمٍ لاذعٍ لحقه بعد لحظة.
"...سافل."
ما أوقح الجاني يشكو بين يدي ضحيته!
كان ينبغي أن يتناول دواءه قبل أن يصل إلى هذا الحال. لكنه ما لمس السيارة المخصصة له، إذ بقيت متوقفة طوال الطريق، حتى آل به الأمر إلى ما هو عليه. سرعان ما أخرج سيجارة من جيبه، أشعلها، وسحب منها نَفَساً طويلاً.
وإنما تلك السيجارة ليست إلا مخدّراً. وكان أثره سريعاً.
"الآن أفضل."
انفرج اختناقه، وعاد إليه بعض السكون.
بمجرد أن شعر بتأثير المخدر، ضغط السيجارة على فخذه ليطفئها، ثم أسرع إلى الأريكة، جاثماً على الصندوق الخشبي بين ذراعيه. شدّه بكلتي يديه، أمال رأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه...
ـ فانسكب عليه النوم المؤجَّل كمدٍّ جارف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجدتني بين ذراعي أحدهم، في ظلامٍ دامس لا يلوح فيه نور.
كانت ذراعاه متماسكتين، كما لو عاهدا نفسيهما على حمايتي من خطرٍ ما، لكن ارتجافهما الخفيف فضح خواء القوة. عندها أدركت بفطرتي:
مهما فعل، سينكشف أمري لتلك الهاوية المقبلة.
هو أيضاً يعلم أنّه عاجزٌ عن حمايتي، ومع ذلك، كان يُمسكني بيأس، يحاصرني بذراعيه.
"مَن...؟"
انفلت السؤال من لساني.
إذ ليس في عالمي أحدٌ يُبالغ في أمري إلى هذا الحد، فمن يكون؟
"...."
"إنه لخانق..."
لم أعلم لمَ أفعل هذا، ولا مَن هو، فطفقت أتحرّك بقلق. لكنه لم يتركني، فلم أفلح في الإفلات. بالكاد رفعت رأسي، وأسندت ذقني على كتفه، فعاد إليّ بعض الهواء.
حاولت الالتفات لرؤية وجهه، فإذا به يضغط مؤخرة رأسي بقوة، لأُجبر على النظر من فوق كتفه.
وهناك، رأيت.
"...ما هذا؟"
سوادٌ سائل يتدفّق من كل الجهات.
يتحرك كأنه ذو إرادة، يعلو أحياناً كما لو يوشك أن يتجسد، ويتجمع أخرى ليصير موجاً عارماً. واضح أنّه يقترب نحونا بشرٍّ صريح.
أهو حقاً يحاول حمايتي من ذاك الطوفان؟ وهو يعلم مسبقاً أنّ الحماية مستحيلة قبل أن يمدّ يده أصلاً؟
ورغم ذلك، لم يستسلم. وبينما كنت أبحث بعيني عمّن يكون، تحرّك لسانه.
"...─."
"هاه؟"
"──."
"ماذا؟"
"ـأي ذنبٍ هناك...."
كانت كلماتٍ مبعثرة، خرجت للفراغ لا إليّ.
"أتقولون إن هذا الطفل الضعيف مذنب؟"
طفل؟ ضعيف؟
وقبل أن يثور في نفسي شعور السخرية، باغتني وعيٌ آخر.
صدمة... حنين... ذنب... ثم خوف.
"لا... لا يمكن..."
كأنني أدركت هويته.
انفرجت شفتاي تلقائياً، لكن الكلمة التي أوشكت أن تخرج كأنما تحجّرت في حلقي. ومع ذلك، لا بدّ أن أنطقها.
"...أخي؟"
توقف الآخر.
وانفجر نورٌ أبيض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يا إلهي!"
ارتعش "ديون" وصحا. كان قد غفا جالساً، لكنه وجد نفسه ممدداً على الأريكة، متكوّراً. رمش بعينيه طويلاً غير مستوعب لما جرى. عاد المشهد الهادئ لغرفته، ورأى الصندوق بين ذراعيه.
حينها أدرك أنّ ما مضى كان حلماً.
"...حلم."
ومنذ أن طُرد من كوابيسه، لم يَرَ في هذه الغرفة واحداً.
ألقى بالصندوق جانباً على الأريكة، ووضع قدميه على الأرض. لكن فجأة شعر بشيء مغاير. أطرق ببصره.
"ما هذا... دم؟"
بدت الأرض مُلطخة، كأنما الدم تجمع فيها. التفت نحو الصندوق، فلم يجد أثر تسرب.
انحنى ليتحقق، غمس أصابعه في تلك البقعة، فازدادت الرائحة الحديدية وضوحاً، ولَزِجَت أنامله. وحين اعتدل ثانيةً، لم يجد على يديه شيئاً.
مع أنه لم يمسحها.
"...آه."
لقد فهم.
الدم يتجمع عند قدميه حصراً. يداه التي لامسته نظيفة كأنها لم تُدنّس.
مسح بأصابعه، ثم تقدم خطوة. خطا على مكانٍ جاف، فإذا به ينقلب إلى بركةٍ جديدة، وعاوده الإحساس بالرطوبة.
"إنها هلوسة..."