"هذه ليست هلوسة عادية."
لم أصدق أنّني رأيت ذلك الحلم، وأنّي خضت غمار هذه الظاهرة الغريبة. أليس هذا ما كان أخي يحاول منعي عنه في الحلم؟
كان "ديون" يحدّق في قدميه صامتًا، ثم قطّب جبينه إذ انبثق في ذهنه خاطر مباغت.
"أيمكن أن تكون... لَعنة الدوق؟"
إنها أوّل نومةٍ منذ أن أطلق الدوق لعنته. لقد لعنتُه وأنا أنزف ما تبقّى من قوّتي السحرية، ولم يكن هناك أي سبيل لأن تؤتي مفعولًا. غير أنّ صُدفة لقائي بهذه الظاهرة في وقتٍ كهذا، جعلت الشكَّ ينهش قلبي.
قد يكون إكسيرًا، ولكن... ماذا لو أنّ ذلك السائل المجهول الذي انبثق من الحلم لم يكن إلا لعنة...؟
"سحقا."
...لو كان الأمر كذلك، لكان أخي قد حاول أن يحميني من الدوق، حتى بعد موته.
اللعنُ يجري في عروق عائلةٍ تتفكك. شعر "ديون" بالاختناق من جديد، فمدّ يده إلى جيبه وأخرج سيجارة.
أشعلتُ النار، وأخذتُ أتمتم بالدعاء، وأُعيد الدعاء.
"أرجوك... لا."
ليتَها لم تكن سوى أوهامٍ جامحة.
لم يكن عبثًا ذلك الخوف الذي غمرني حين اكتشفت أن ذاك الشخص هو أخي الأكبر. ذلك أنّ "ديون" لم يكن مستعدًا لمواجهة "كرول". أدقُّ من ذلك: لم أكن جاهزًا لملاقاة "كرول" الذي "لن يحمل ضغينة" تجاهي.
لربما كان أهون عليّ لو أنه أفرغ حقده عليّ. غير أنّ "ديون" كان يدرك جيدًا أنّ من ضحّى بنفسه لا يمكن أن يحمل ضغينةً لمن حاول حمايته.
"حتى أنا لم أغفر لنفسي."
كم هو بائس أن تسمع الآخر يقول: قد غفرتُ لك... أو لن تغتفر لك خطيئتك أبدًا.
بائسٌ... وسيجعلُك تبغضني أكثر، وتبذل قصارى جهدك كي تمقتني. وربما لا أستطيع أن أغالب عواطفي، فأنتهي بوضع السكين على عنقي.
...فيا أخي.
انحنى "ديون" برأسه.
"أرجوك... لا تفعل ذلك."
لا بأس أن تنهشني الكوابيس. ولا أُبالي أن أُعرض للّعنات.
أمّا ما يفتك بي، فهو تدخّلك. فلا تواصل إعلانك أنّك لا تلومني.
....
ظللت واقفًا على تلك الحال طويلًا. ولمّا همّ "ديون" أن ينهض، متثاقلًا، محاولًا أن يلملم مشاعره المتناثرة، وقد أخذ وعيه ينتشل نفسه شيئًا فشيئًا من براثن اليأس المطحون، التقط أذنه صوتًا يتسرّب من الخارج.
"...صوت؟"
في هذه الساعة؟
لقد اشترطتُ حين التحقتُ بجيش ملك الشياطين أن يكون مقامي أبعد ما يمكن عن الضوضاء. فالغرفة التي كانت مستودعًا جرى ترميمها، ولا أحد يقيم فوقها ولا تحتها. وتحت النافذة ساحةٌ عامة للتدريب، ولكن بعد أن عمّت الفوضى يوم دُمِّرت الغرفة بالسحر، شاع أنّ القائد الصفري يكره الضجيج أشد الكراهية، فلم يجرؤ أحد على المجيء.
بل إن المكان لم يكن باعثًا على المجيء أصلًا.
"أمرٌ يثير الدهشة."
إنها ساحة تدريب للخيول، ولكنها مهجورة، لا تطأها قدم.
أما المقيمون في القلعة الداخلية فهم كبار القوم وأعوانهم، من ملك الشياطين وقادة الفيالق. ولهم قاعات تدريب خاصة، فلا يستخدمون الساحة العامة، وأما الجنود فيتدرّبون في القلعة الخارجية كي لا يثيروا حنق المتكبّرين الحادّي الطبع من علية القوم.
بطبيعة الحال، لم يكن المكان خاليًا تمامًا من الشياطين، فقد يمرّ به نفر خلسةً للتدرّب أو لعقد لقاءاتٍ سرية... لكن منذ أن صرتُ أقطن هنا، لم يطأه أحد.
'...آه، لقد وجد له أصحابًا مؤخرًا.'
أطلق "ديون" تنهيدة قصيرة وهو يستذكر الأمر متأخرًا.
الكلاب الهوجاء... لقد غدت ساحتهم الخاصة.
لقد نسيتُ شأنهم حين ابتعدتُ طويلًا عنهم في عالم البشر.
"ماذا يفعلون الآن؟"
ألا يعرفون النوم؟! أطفأتُ سيجارتي التي بالكاد اشتعلت، وسرت نحو النافذة. ومع كل خطوة، كانت برك الدم تحت قدمي تتناثر كأنها تستصرخني، غير أني تجاهلتها.
ولما مددت يدي لأفتح النافذة، وقعت عيني على مزهرية. بالأحرى، لاحظ "ديون" شيئًا غريبًا في أزهارها. فتراجع قليلًا وانحنى ليدنو منها.
"ماذا؟ لقد كانت بخير حين غيّر (دان) ماءها."
فلماذا ذبلت قليلًا الآن؟
لم يكن وَهمًا ولا خطأ نظر. زهرةٌ كانت نضرة دومًا بدأت تذوي.
ولم يمرّ سوى زمن قصير، قدر النوم واليقظة.
"لا أستطيع إدراك الأمر."
هل عليّ أن أراه إعجازًا أني صمدت حتى الآن؟
حدّقتُ في بتلاتٍ يبست أطرافها واسودّت، ثم صرفت بصري وفتحت النافذة. فذلك ليس ما يهم الآن. ينبغي أن أعرف ماذا يفعل أولئك الكلاب الهوجاء.
"بل إنه لأشد ريبة أن لم يقع اضطراب في غيابي."
ذلك محال. لا بد أن أمرًا يُدبَّر، وهم يخفونه.
دخلت نسمة باردة عبر النافذة، ومعها انكشف الصوت الخافت أكثر فأكثر...
"آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ!"
...صراخ رضيع؟!
"شش! لا تبكِ! إن رآك أحد في هذا الحال فالهلاك نصيبنا. هل أنت طفلٌ مطيع؟ هيا، لنكفّ!"
"إن بكيتَ فلن تهلك وحدك، بل نهلك جميعًا...! كفّ عن البكاء! انظر... (بيكابو)!"
"بوآآآآك!"
"آآآخ! أذناي!"
"إنما يزيد بكاؤه لقبح وجهك! أزِل وجهك من أمامه! أسرع!"
...
كان "ديون" واقفًا في حيرة، لم يستوعب الموقف تمامًا، حتى أفاق فجأة وأسند نصف جسده على النافذة، وقد وجّه نظره الشفوق نحو أصحاب تلك الضوضاء.
"ما الذي تفعلونه...؟"
أما زلتُ أصبح لهم مربية أطفال، وأنا لم ألقهم منذ زمن؟
"آه، أيها القائد!"
"هل استيقظت؟!"
"لقد مر وقت طويل!"
"بوآآآآآك!"
"آه، سحقًا!"
ليس ثَمّة فوضى كهذه.
لم يستوعبوا الحال، واكتفوا بالتلويح بأذرعهم. والصبي يجهش بالبكاء كأنما يستعرض عذابه. أدركوا الأمر متأخرين، فتهافتوا إلى تداركه. ضحك "ديون" ثانيةً إذ لم يُرفع دعاء، ثم رفع قدمه ووضعها على حافة النافذة.
تجمّد أولئك الذين كانوا يلوّحون، أمام هذه الحركة غير المتوقعة.
"أيها...!" "أه... أهه...؟" "الآن يا قائد!" "اهدأ! الحياة جميلة... لا، ليست كذلك! الحياة أثمن من أن نستهين بها... إن فعلنا ذلك هلكنا! القائد عزيز... أظنّه لن يرضى بهذا، سحقاً!"
"...ما الذي تهذي به؟"
وكما يُنتظر من قلعة، فقد كان سقف "ماوانغ سونغ" عالياً، والفجوات بين طوابقه واسعة. فالطابق الثاني وحده يعادل ارتفاع الثالث في بناء عادي، وغرفة "ديون" في الرابع.
والقفز من هناك، لا يعني إلا الانتحار. ومن الطبيعي أن ترتجف قلوبهم، إذ كان زعيمهم هو الواقف على حافة الموت.
نقر "ديون" بلسانه متحسّراً على جلبةٍ في غير أوانها، ثم قفز.
"وااه!" "التقطوه! التقطوه!" "يا لقائدنا! أترمي بحياتك طعماً للعدم!" "عِش قليلاً قبل أن نموت نحن!"
كانوا يعلمون أنّ الاصطدام بجسدٍ ساقطٍ من ذاك العلو قد يفضي إلى موت محقّق، ومع ذلك اندفعوا نحوه، يصيحون بأنهم سيحتضنونه، وكأنهم يندفعون لحتفهم.
قطّب "ديون" جبينه لما رآه، وأدار جسده في الهواء بخفة، متفادياً ذراعي "ميلان" الممدودتين لالتقاطه، ثم هبط برشاقة على الأرض الحرام. فتنهّدت الصدور بارتياح لحظة.
"بحق الله، لا تكسر قلوب الناس هكذا!"
وتعالت الصرخات.
وفي اللحظة نفسها، عاد بكاء الرضيع الذي كان قد هدأ للتو.
"واااه!"
"أوه، صحيح." "أيها الـ..." "المعذرة."
زفر "كليتر"، وقد كان يرمق ذاك الرجل وهو يحكّ رأسه بخجل. لو زدتُ الكلام لطغى عليهم الضجيج من جديد، ولترسّخت شجاعة ذاك الطفل أكثر. أزمجر بين أسناني، وأبتعد بهم حاملاً الصغير.
أما "ديون"، وقد كان يتابع المشهد، فأمال رأسه مستفهماً:
"أأنت كليتر؟ ومتى رزقت طفلاً؟ وهل أحسنت رعاية نفسك؟"
"قائد... جميلٌ منك أن تخلو من الأحكام المسبقة، لكنّ الرجال لا ينجبون. هذا ليس طفلي."
{م.م:؟؟؟؟... بعمل نفسي ما شفت شي.}
"لا أرى الأمر مستحيلاً في عالم الشياطين."
{م.م: أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ملناش دعوة بهذا الكلام.}
"ذاك...! ليس الآن أيها الزعيم! ولمَ القفز من النافذة، وترك الدرج الآمن وراءك؟"
كدت أسقط من فرط الدهشة. لقد حاول القفز فوق لبّ القضية.
فتح "ميلان" عينيه غاضباً، لكنه إذ حدّق في وجه "ديون" من قرب، تلطف تعبيره كأنّه فوجئ. ذاب سيل الجدية من ملامحه، واتسعت عيناه، محدّقتين في القائد.
"يا قوم! وجه القائد يلمع... أتراني أتوهّم؟" "أيّ شيء هذا... هه؟ قائد، ماذا صنعت بوجهك؟ إني أرى هالة تحيط بك..." "ما ذاك النور في محيا القائد؟"
وفي طرفة عين، ازدحم الفرسان الساميون حوله.
تنهد "ديون" لهذا المنظر المألوف المرهق، لكنّ من اقترب منه وأمعن النظر، لم يملك إلا أن يهمس بإعجاب. تقدم أحدهم، مسح ذقنه، وزفر قائلاً:
"ما عساني أقول... وجهك لم يتغير كثيراً... لكنك كنت ممّن يبكون النساء لرؤيته، أما الآن فأظنّك تبكي القارة بأسرها."
"لا، بل الأعراق جميعها. ملامحك قادرة على إغراق أممٍ في الدموع."
"إذاً، يا قائد، ماذا فعلت بوجهك؟"
قطّب "ديون" وهو يستمع لكل كلمة تُضاف إلى حديث فارغ.
"...ماذا صنعت؟ كل صار أني أصبحت بطلاً، ليس إلا."
"بطلاً؟!" "يا للعجب! قائدنا بطل؟" "هذا جنون! حتى الكون شارك في الجنون!" "لكنّه جنون جميل." "جميل... فلن نخشى على القائد بعد اليوم." "لهذا قفزت، واثقاً أنك لن تُصاب بأذى." "لكن كُفّ عن ذلك! كاد قلبي يتوقف!"
ولم يكن لهذا أن ينتهي.
صفّق "ديون" بأصابعه يجذب الأنظار، وأشار إلى الطفل بين يدي "كليتر".
"فلمن هذا الطفل؟"
"ليس لنا... شيطان آخر عهدا به إلينا."
...شيطان؟
التفتُ إلى الصغير مرة أخرى.
"لكن ملامحه بشرية... شيطان يأتمنكم على رضيع آدمي؟"
"نعم، نظنّه شيطاناً فريداً."
"ها هو قد خرج الآن ليجلب له طعاماً."
شيطان غريب، يلتقط أطفال البشر ليربيهم. قطّب "ديون" حاجبيه، فقد تبادرت إلى ذهنه صورة واحدة لا غير.
ما من شيطان يفعل هذا، إلا ذاك الواحد.
"...قائدة الفيلق الخامس؟"
"!"
"أجل."
لقد عادت.
عيون حمراء تخترق الحشود. انفرج الجمع تلقائياً، ليتيح لـ"ديون" أن يواجه "أوريل" و"ديرنيفان" الواقفين في المؤخرة.
كانت "أوريل" ساكنة، كأنها تمثال، حتى إذا حرّكت أصابعها، تمتمت قائلةً بتردد:
"آ... سيدي ديون..."
هيئة طفلة ضُبطت متلبسة. من ذا الذي يراها فيحسبها قائدةً لفيلق؟
لكنّ نائبها "ديرنيفان"، وقد كان يحمل بيدٍ مكونات طعام الرضيع، تقدّم خطوة، كأنما يحمي كرامة القائدة.
"سيدي ديون."
أمال ديون رأسه، وشبك ذراعيه ينتظر، عيناه تضيقان وهو يصغي. لكنّ الآخر أجاب بثبات:
"أما عن تهريب طفلٍ بشري..."
"لا شأن لي به."
"..."
قاسٍ في قوله، بيد أنه يملك بصيرة. فانتقل الرجل مباشرة إلى موضوع آخر.
"أعتذر لإسناد الأمر لفرساني دون إذن منك."
"أعلم."