"إنّ فرسان العُلى خاضعون مباشرة لـ "ديون هارت". وهم قوّة ملتبسة لا يصحّ أن تُعَدّ جيشاً كاملاً لملك الشياطين، إذ لم يطأوا بعدُ عتبة الانتماء الكامل، بل يُحسبون من أتباع "ديون هارت"."
"كيف يجرؤ قائد فيلق على تصرّف شخصي، في وقتٍ حتى الشيطان الأعظم نفسه لا يجرؤ على مسّه؟"
"لو انكشف الأمر، لكانت الطامّة، ولا عذر ولو هلك كل شيء. ولا مجاز هنا."
"إنه لأمر سخيف أن تُطلَق الأوامر على هذا النحو... هه."
"..."
"إن متَّ، فمتْ وحدك. أَتجرّ أولادنا إلى حتفك؟"
ولعلّ لهذا أطلّت في عيني "ديون" غضبة باردة.
ارتاع "دارنيفان" إذ لمح الجنون المكمون تحت تلك الغضبة، جنوناً يُكبح قسراً بالعقل. وضعٌ مهول قد ينفجر عند أي خلل.
"أجننت؟"
"المعذرة."
"أتظنّني هيناً إلى هذا الحد؟ غبتُ طويلاً عنكم، والأمر أقرب إلى السخرية."
كان صوته يتثاقل بمزيد من نذر الموت.
أما "أويل" التي اضطربت، فقد همّت بالنهوض، غير أنّ "دارنيفان" ضغط بكفّه على يدها يمنعها، وأجاب بهدوء:
"لا. المعذرة."
"فما الأمر إذن؟"
"ذاك—"
"واااه! القائد!"
تبدّدت حدّة الموقف، التي كانت توشك أن تُراق فيها الدماء، بصيحات الفرسان المفاجئة.
ارتجفت "أويل" مذعورة، ورفع "دارنيفان" عينيه رويداً نحو أولئك "ذوي الأكباد المنتفخة". أما "ديون" فقد صرف بصره عنهم مذ بدؤوا يصرخون.
وإذا بالكلاب الهوجاء تهتف بأصوات مرتجفة مؤثرة، إذ استشعرت البأس الذي ما زال متلألئاً في عينين لا تعبآن بهم:
"أأنت قلق علينا؟!"
"لقد تأثّرت!"
"يقول إننا أولاده!"
"لا أصدّق أنك كبرت حتى صرت تقلق علينا...! متى غدوتَ بهذا الحجم؟"
"الدمع يحجب بصري...!"
"...هه أنتم..."
لا تدعون للجدية مجالاً.
وضع "ديون" يده على جبينه متنهّداً. الفرسان، وقد لمحوا ليونة في ملامحه، تبادلوا النظرات وابتسموا، ثم هتفوا بصوت واحد كأنما بعهد:
"أيها القائد، لا تؤاخذهم!"
"لم يكن الأمر مجاناً، بل صفقة عادلة! لقد قبضنا الثمن!"
"...ثمن؟"
"نعم! لقد كانت صفقة مرضيّة!"
"وماذا أخذتم؟ ...لا، لا حاجة."
"أعيدوا ما أخذتم، وانسحبوا من الصفقة."
"هاه؟!"
ارتفع حاجبا "ديون" متعجباً من ردّ الفعل المبالغ فيه. أما "ميلان"، فالتقت عيناه بعينيه الغاضبتين المرتابتين، ففاض منه عرق بارد، وأشاح بوجهه. ثم تمتم كالمعتذر:
"ذلك... ليس مما يمكن ردّه..."
"...هكذا؟"
في الماضي، لكان قبض على تلابيبه ليسأله: ما الذي قبضتَه بحقّ الله؟ وكانوا سيجتهدون في افتداء ذلك بما يعادله.
لكن الحال تغيّر الآن.
خرج صوته هذه المرّة هادئاً، بارداً، حتى استحى الفرسان من أنفسهم وقد أغمضوا أعينهم استعداداً لصياح جديد:
"إذن لا حاجة لردّه."
"...؟"
وما لبث أن رفع نظره الغائر بهدوء نحو "دارنيفان" و"أويل".
"أحسب أنّ رعايتي لكم بلغت الحدّ الكافي. أليس كذلك؟"
"...نعم، هذا صحيح."
فحتى قبل الصفقة، هم خطأة.
إذ جلبوا بشراً إلى قلعة الملك الشيطان بلا إذن، سواء كان صغيراً أو كبيراً. ولو هلكوا هذه اللحظة، ما كان لهم أن يعتذروا.
ولو كانوا أذكياء، لزعموا أنّ "ديون هارت" شريكٌ أو رهينة، بذريعة تعاملهم مع "الكلاب الهوجاء". لكنه ما كان ليذرهم يرحلون بسلام. وهم يعلمون هذا، لذلك لم يتهوّروا.
سواء تورّطوا كأعوان، أو قُتلوا، فإنّ الشيطان سيقف إلى صفّه. فالمحارب كان واثقاً.
"إن قُبض عليّ كمتواطئ... فلن يستطيعوا قتلي، بل سيستخلصون من أقوالي حُججاً لإخراجي على الأقل. وحتى لو قتلتهم لاحقاً، أو قبل أن يصنعوا شيئاً، سيقدّمونني أولاً."
أهو القائد الميت للفيلق الخامس ومعه نائبه، أم المحارب الحيّ في جيش الملك الشيطان؟ النتيجة جلية. ما دام الفارق في المنزلة والقوة ساحقاً، فلن يمدّ أحد من الشياطين يداً نحوي.
وبدا "ديون" مستريحاً بعض الشيء من طاعتهم، رغم غرابة الأمر أنّ "الكلاب المسعورة" أنفسهم يرون في ذلك خلاصاً، بينما الغضب يزداد هنا.
لقد أدرك أنّ ضجّتهم المفاجئة لم تكن إلا لتلطيف الأجواء، فسكّن غضبه، وقال بلهجة هادئة:
"أمّا ذاك الطفل البشري..."
ارتجفت "أويل" مذعورة.
"...فلن أسأل عن شيء."
"...!"
قال: "صدقاً، لا يعنيني الأمر. التقطوا البشر أو افعلوا ما تشاؤون، ما دمتم لا تقرنونهم بي ولا برجالي."
بمعنى آخر: سأغض الطرف، لكن لا تُسلِّموا تلك القنبلة الموقوتة إلى "فرسان العُلا" ثانية.
حين أدرك "ديرنيڤان" مغزى الكلام، خفض رأسه بصمت. أما "ديون" فرفع بصره نحو السماء. كانت الأقمار الثلاثة توشك أن تتراكب، مما يعني أنّ الصبح لم يزل بعيداً.
"...إنني مُتعَب."
لنَعُد إلى الغرفة. كنت قد غرقت في نومٍ متقطع في وضعٍ غير مريح، وأفقت على أثر حلم غريب. ولا سبيل أن يزول عني هذا الإرهاق.
وبينما كنت أمشي غافلاً، أحسست بلل الأرض تحت قدمي الحافيتين، فانخفض بصري.
"...آه، أنتم."
قالوا: "كولون؟ أما كنت على شفير الموت؟"
أجبت: "سأعود. تعالوا قبل أن يحدث ذلك."
كنت واثقاً أنّ ما أراه وهم، غير أنّ تلك البركة الدموية تبدو حقيقية لعينَيّ.
أهو طيفٌ لا أراه إلا أنا، أم لعنةٌ تقع في عيونهم أيضاً؟ كنت بحاجة إلى يقين. فأشرت إلى قدمي.
"أترون هذا؟"
قال "ميلان": "هاه؟ ما هذا... ها!"
حدّق حيث أشرت، واضطربت عيناه.
إذن يرونها؟ لستُ وحدي؟ ضاق جفن "ديون" وهو يهتف:
"ألستَ حافياً؟!"
"...."
عندها فقط انتبه "ديون" إلى قدميه العاريتين غارقتين في الدم. لقد هرع من الغرفة بلا انتعال.
"ليس الأمر مجرد أثرٍ تحت قدمي..."
"أأصبتَ قدميك؟!"
"لو ارتديت حذاءك، ونزلت الدرج كما ينبغي، لما فررنا هكذا!"
صرخ ميلان: "اسمعوا القائد!"
"حسناً!"
...تأمل "ديون" وهو يُرفَع دون اعتراض.
"إذاً هذا الدم لا يراه سواي."
فلو أبصره غيري لثاروا في اتجاه آخر.
وإذ تبيّن لهم أن قدميه خاليتان من الجراح، لمَ لا يتركونه؟ لكن أحدهم الذي كان يفحص قدميه بدقة رفع رأسه وقال:
"الحمد لله ما من جرح. لكن قد تتأذى في الطريق، لذا سنعيدك إلى غرفتك."
قال "ديون": "...ألا أذهب وحدي؟ وإن أصبت، فسرعان ما أتعافى. ثم إنّ الليل هادئ، ولا ينبغي إثارة الضوضاء."
قالوا: "سنكون هادئين!"
فألقى عليهم نظرة ريبة، جعلتهم يصمتون كمن أُحرج. وبينما كان يرمقهم بشفقة، تقدّم "كليتور"، وقد سلّم الطفل إلى "ديرنيڤان"، وقال:
"نعم، إن هرجتم سيفسد الأمر. ميلان، دعه وشأنه."
"حسناً!"
وإذا بـ"ديون" يُرفَع بين ذراعيه، متحيراً للحظة قبل أن يقطب جبينه.
لم يكن ليستمعوا لطلبه أن يُترك، فآثر الصمت.
"...أخشى أنّ هذا سيكون أكثرهم ضجيجاً."
"لكنّه الأقوى. استرح يا قائد، فأنت متعب."
"لا، أنا—"
قاطعه: "سأوصلك دون صوت واحد! إيييه!"
"مهلاً يا هذا..."
...أجل، ما دام يصرخ ويجري، فلن يسمع وقع خطواته.
أما "كليتور" فمضى، متجاهلاً صراخ رفاقه.
وعلى الطرف الآخر، وقعت عين "أويل" على "ديرنيڤان"، فنادته بهمسة حادة:
"عاد أسلوب ديون في الكلام..."
"صَه."
وضع "ديرنيڤان" إصبعه على فمها، يرقب الاثنين المبتعدين. لم يتكلم حتى غابا عن الأنظار، ثم قال ببطء:
"ليس في الأمر غرابة."
قالت: "لمَ؟"
"منذ البدء، لسان ديون يتبدل."
"أعلم. لكن لِمَ يُسكَت الكلام؟"
"يُقال إنه حين غيّر أسلوبه أول مرة بعدما تولى قيادة الفيلق الصفري، اعترض شيطانٌ صراحة، فاستفزه."
"وأعلم أنّه لم يقتلني، لكنه وضع خنجراً على عنقي وقال: اخرسي. لكن أليست نبرته اليوم مغايرة لتلك السابقة؟ هناك كانت متغطرسة أو شبه متملقة، أما الآن فهي رفيعة مهذبة."
قال: "الفارق في نوع الخطاب لا أكثر. والحيطة خير."
نظر "ديرنيڤان" إليها، بينما اتسعت عيناها كأنها ستسأل، لكنها صمتت حين دوّى صوت ضحكة صغيرة.
"كياا!"
كان الطفل ممسكاً بطرف ثوب "أويل". ولعين البشر، كانت عيناها المركبة أشبه بعيني حشرةٍ منفّرة. غير أنّ وجهه أشرق مبتسماً حين التقت العيون، فقالت "أويل" ذاهلة:
"...ديرنيڤان، الطفل أمسك بثوبي."
"نعم."
"وضحك."
"أحقاً؟"
"لكن لِمَ يضحك؟"
وسرعان ما نُسي الحديث عن أسلوب "ديون هارت". وبقي "ديرنيڤان" مبهوتاً أمام عينيها الكبيرتين، إذ لم يكن فيهما فضول فحسب.
وقبل أن ينطق، كان "كليتر" الذي يرقب المشهد بمرحٍ قد سبق قائلاً:
"لأنّ أويل طيبة."
سألت: "أتحبني؟ لمَ؟"
"أليست محبة الوصيّ لمَحروسِه؟"
قالت بدهشة: "وصية؟ أنا؟"
"أويل."
ناداها "ديرنيڤان"، لكن فوات الأوان قد وقع. مدّت يدها، ورفعت الطفل، تنظر في وجهه وكأنها تراه لأول مرة.
"...أجل. أنا الحامية."
"...."
"فهل أصير إذاً أمّاً؟ وديرنيڤان أباً؟"
لكنها ما لبثت أن أشارت إلى خدي الطفل، حيث بقي أثر دموع.
"أبكى الطفل؟"
أجاب: "سقط وهو يتدرّب على المشي."
قالت: "يتدرّب على المشي؟"
"من دون سند، لا يقوى على الخطو. كنت أمسك بيده وأعلّمه، لكنه شرد بنظره..."
فقاطع آخر: "وأنت اندفعت تقول ستفعل مثله!"
أي أنّه أفلت فسقط.
شعور غريب، لم يُعجبها. حَضنت الطفل وهي لا تدرك كنه إحساسها.
قال "ديرنيڤان": "سأحمله."
فأجابته: "أشعر بضيق عجيب. أتدري لِمَ؟"
"...."
هو، على جفائه، تعلم بعض المشاعر بصحبته لها. فعرف حينها:
ــ هذا ليس فألاً حسناً.
ولهذا أخذ الطفل منها بصمت.