عاد "ديون" إلى حجرته، فغفا ثلاثة أيّام كاملة كأنّه يستردّ نومًا غاب عنه دهورًا.

ورغم أنّه كان يُظنّ أنّه سيصحو في جوف الليل، إلّا أنّه ظلّ غارقًا في سباته دون أن يفتح جفنًا. فارتاب فرسان العُلا، وراحوا يطوفون ببابه...

"أأنت بخير حقًّا؟"

"سمعت أنّك لم تفتح عينيك قط! إن كان بك داءٌ..."

"هيه أيها الأحمق! لا تنطق بالشؤم! ...أجربت أن تضع إصبعك تحت أنفه؟"

"...إنما هو نومٌ طال قليلًا. إنّه ينام بعمق، فلا تزعجوه، عودوا أدراجكم سريعًا. فما بال الأصوات تعلو، والممرات تضيق بالزحام هكذا؟"

صدّنا جدارٌ من حديد، فعُدنا إلى حجراتنا لا نملك إلّا الرجوع.

دخل "دان" بعد أن طرد الكلاب المسعورة التي تنبح عند الباب، فتقدّم بخطى حذرة، أقفل الباب، ثم استدار ليتهيّأ لمن لم يرضَ بالانصراف.

وقع بصره على "ديون"، الذي بدا غافلًا عن كلّ ما دار بالخارج، مستسلمًا لنومٍ هادئٍ على الفراش، كأنّه بطل من حكايات الأساطير. وإلى جواره على الطاولة صندوقٌ خشبي، بدا كالإضافة الغريبة.

"...ولِمَ تنام وأنت تصحب ذاك الصندوق قربك؟"

أأقول إنّه خيرٌ من أن تضمه إلى صدرك كطفل؟ بل لعلّك وجدت فيه ما يضاهي العناق.

هيئته في نومه، باضطرابه وغموضه، توحي لي برغبة أن أرتمي في حضنه، غير أنّ شيئًا ما يكبّلني عن ذلك. كأنّه لا ينام إلّا وقد وجدني على مقربة منه.

ألقى "دان" نظرةً غامضة على "ديون"، ثم حوّل رأسه برهة، وراح يبعثر أنظاره في الغرفة.

غير أنّه لم يجد ما يُرتّب. فمنذ أن وطئت أقدامهم المكان، وصاحبه لا يبرح الفراش، غارقًا في النوم. فما الذي يُنظّف أو يُمسّ؟

مرّر أصابعه على أطراف الأثاث ليتفقد الغبار، ثم نظر إلى المزهرية على حافة النافذة. ظنّها كما عهدها، نضرة كما الأمس، غير أنّ عينه صُعقت حين لمح الذبول في أطرافها، فعاد يتأملها بدهشة.

"أذبلت قليلًا؟"

حتى حين كانت تظمأ بلا ماء، ظلّت زاهية.

أهو أثر طول مكوثها في عالم الشياطين؟ يستحيل التكهن إن كانت ستظل نضرة أم ستفنى.

"إنها في ظاهرها زهرة عادية من عالم البشر."

رمقها بنظرة شكّ، ثم أعرض عنها. فهي لا تُمسّ دون إذن "ديون هارت"، ما لم تصبح خطرًا بيّنًا. وما كان له حيلة أمامها الآن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مضت ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أفاق "ديون هارت" أخيرًا.

غير أنّه خالف التوقّع: فلم ينهض ليقود غزو عالم البشر بحماسة، بل غشيه فتور، وانغلق على نفسه في حجرته. فكان طبيعيًّا أن تملّك الدهشة الكثيرين.

"والسبب واضح."

في خضم حيرة الشياطين، وقد أربكهم وضع لم يألفوه، كان ثمّة رجل واحد يسير بثبات.

زفر "دان"، وهو يجرّ "ديون" شبه المتهالك، ليجلسه ويطعمه، ثم يدفعه إلى الحمام ليغتسل.

"لقد بلغ غايته العظمى."

فما إن دمّر الإمبراطورية، وانتقم من الدوق، حتى هبّت عليه سحابة الوهن. إذ لا يمكن لامرئ أن يظلّ متّقدًا بالانتقام أو غيره أبد الدهر. بل لعلّه شجاعة منه أنّه صبر كل هذا المدى.

"لو كنتُ مكانه، لانكسرت روحي منذ زمن."

أهو ضعفه الجسدي، أم تلك الحِدّة التي تُشعر الناظر أنّه سينهار في أية لحظة؟

صراحةً، رأى "دان" أنّ صلابة "ديون هارت" النفسية أدنى من المعتاد.

فحالُه الآن أشبه بمن يتمسّك بزجاجٍ أوشك على التهشّم.

"...بل إنّ الأعجب أنّه صمد رغم كل ما مرّ به."

منذ الرابعة عشرة، والمطرقة تنزل على روحه نزول الصواعق. لم تكن تدغدغه، بل تهوي بكامل ثقلها، طرقًا متتابعًا لا يرحم.

وما بقاء روحه حيّة حتى الساعة، إلا بفضل قوةٍ داخليّة نادرة. وربّما كان أعتى الأرواح هو روح "ديون هارت" نفسه.

"غير أنّها بلغت حدّها... الآن يبدو أنّها ستنكسر إن هُزّت قليلًا."

ألقى "دان" نظره إلى "ديون"، وقد خرج مرتديًا رداءً، يتثاقل نحو الفراش. فسارع قائلاً:

"عليك أن ترتدي ثيابك."

"متعب."

"سيدي... آه."

تمدّد "ديون" على الفراش، وجهه في الوسادة لا يتحرّك. خطر لـ"دان" أنّه قد يختنق ويموت، لكنه استبعد ذلك: فكيف يهلك محاربٌ بهذا؟ فأعرض عن خوفه وتابع:

"قادة الفيالق حضروا مجددًا."

"لقد قابلتهم مرة. وماذا يريدون بعد؟"

تمتم بصوت خافت مبحوح.

نعم، لقد قابلهم. جلس متكاسلًا أمامهم على مقعد، وتحدّث بلا مبالاة. وكانت خلاصة كلامه:

"أنتم أهلٌ لهذا. إن أسقطتم العقبة الكبرى، الإمبراطورية، فسوف يُساق الباقي وحده."

"لكن..."

"لقد زال الحظر عن السحر، ألا تستطيعون بعد هذا؟"

"..."

"أه؟"

صمت الجميع، ثم انصرفوا، إذ لم يجرؤ أحد على مخالفة القائد الأعلى للمحاربين، وزعيم الفيلق الصفري، ورفيق الشيطان المقرّب. ومع ذلك، لم يخلُ الأمر من تذمّر مكتوم.

وماذا لو تفجّر خصامٌ داخل قلعة ملك الشياطين؟ تساءل "دان" وهو يرمق "ديون" بعينٍ حائرة، حتى قطعه صوت طرقٍ على الباب.

"إنه (إد)، يا ديون."

"...آه."

وكأن الكلام صار عبئًا، رفع سبابته، مرفقة بصوتٍ أنفيٍّ مبهم. لم تكن إشارة يدٍ كاملة، بل إصبع لا غير. فابتسم "دان" بدهشة، ثم فهم مراده، ومضى يفتح الباب.

"تفضّل."

"..."

دخل "إيد"، وهو يرمق "دان" بازدراء، ثم ربت على كتفه، وتجاوز ليدنو من سرير "ديون". كان يحمل شيئًا في يديه.

"جلبتُ لك أحجية جديدة."

"آه."

"بحثت عن شيء قد يُسكّن روحك وجسدك..."

"آه."

"...لعلّي أهدرت وقتي."

"آه."

"..."

ارتبك "إيد" ولم يجد في جعبته قولاً، فالتفت بعينيه إلى "دان" كأنّه يستنجد بجواب. فأجابه دان، وقد واجه العيون الزرقاء بثبات، وهز كتفيه في هدوء:

"هذه كلمات جوفاء، قيلت بغير روية. لا تُصب بأذى."

"...لم يُصبني أذى. وأيُّ لسانٍ هذا أمام ديون؟"

"كان محض توضيح لا أكثر."

لم يكن "إيد" في مزاج يجادله. همّ أن يقول شيئاً، ثم هزّ رأسه وتنهد، كأنّه سلّم للأمر. وضع الصندوق الذي يحوي الأحجية على الطاولة في وسط الغرفة.

"...ديون." "آه." "أما تشرح لي على الأقل لِمَ تفعل هذا؟" "آه."

سواء كان "إيد" يجرّ الكلام عبثاً أم لا، فإن "دان" ألقى نظرة سريعة على الأحجية فوق الطاولة. فتملّكه الذهول.

"لقد استُعملت صور رفيعة الجودة في هذه الأحجية."

فإذا اكتملت، أظهرت لوحة طبيعية فاتنة. وكنتُ كلما أبصرت اللوحة المعلّقة في الغرفة تساءلت عن صاحبها، ولم يخطر ببالي قط أنّها للنائب.

بل إن جلبها من عالم البشر الممزّق بالحرب عسير المنال، فجدير أن يُقال إن اليد التي جلبتها يد بارعة.

"أرجوك يا ديون." "...حقاً."

أخيراً، إذ لم يستطع تجاهل نداء "إيد"، انطلقت في الغرفة نبرة ضجرة. كان ديون مضطجعاً، نصف وجهه مدفون في الوسادة، حاجباه مقطّبان.

"أنا مرهق لا غير، أرغب ببعض الراحة."

"لكننا الآن في حرب..."

"حتى سيد الشياطين لم ينطق بشيء، فترى أهو ميدانك لتتكلم فيه؟"

"..."

حدّق "ديون" في "إيد" بعين ملتوية، ثم أدار رأسه للجهة الأخرى.

"اذهب. أنا متعب، فلا تعكّر عليّ."

"..."

"مولاي، أتراك تنام مجدداً؟"

كان "دان" هو من اخترق صمت "إيد". "ألم تنم ما يكفي؟"

مرّ دان إلى جوار "إيد" وكأنّه لا يراه، وبدأ حديثه بطبيعته المعتادة. أما "إيد" فألقى نظرة على يديه، كأنه يتساءل: هل صار شبحاً لا يُرى؟

"ما زلت متعباً." "لم تصنع اليوم سوى أن تأكل وتذهب إلى الخلاء." "وما ذنبي إن غلبني النعاس؟" "حتى وأنت تقضي جلّ أيامك نائماً؟" "...سأستدعي "بن"."

لم يكن "إيد"، رغم ما يلقاه من دفعٍ على يد دان الوقح، بالهشّ الذي يرضى أن يُمحى وجوده. رفع صوته قائلاً:

"الوسن الدائم، حتى بعد نومٍ طويل، قد يكون علامة على عِلّةٍ في الجسد. يحسن أن تخضع لفحصٍ مفصّل."

"لكن..."

حينها فقط التفت "ديون" إلى "إيد"، وتلعثم طرفاً. دارت عيناه الحمراء بتثاقل، كأنّها منزعجة.

"ألستُ بطلاً؟"

"حتى الأبطال بشرٌ في نهاية المطاف. وما الإفراط في الثقة بقوة الفارس بخير."

"...حسناً، كما تشاء. افعلوا ما بدا لكم."

لم يكن الجواب عن طيب خاطر، لكن الأحداث توالت سريعاً.

إذ وصل "بن" إشارة "إيد"، هرع بخطاه المسرعة، وأجبر "ديون" الممدّد أن يجلس، وشرع في فحوص شتى. أما ديون، فظل متراخياً، يحاول العودة إلى الوسادة، لكنه زأر حاداً في وجه "إيد" و"دان" أن يكفّا عن إعانته.

وكان "دان"، وهو يسند جسد "ديون" المتثاقل، يمزح قائلاً: "مولاي، هل ذاب عظم ظهرك؟ جسدك صار كالأخطبوط..."

"يا لك من سليط لسان. لا أدري لِمَ يُبقيك ديون حوله."

قطّب "إيد" حاجبيه ضيقاً، وأعاد "ديون" بلطف إلى موضعه. ضحك "دان".

"لعلّه يعجبه هذا فيّ." "لا، ليس كذلك."

"..." "..."

وكلما ثقل الكلام، جاء الجواب قاطعاً.

تنحنح "إيد"، يخفي ابتسامة كاد يطلقها، فتنبه "دان" من شروده، وحدّق في "ديون" مستنكراً:

"مولاي..." "...فما نتيجة الفحص؟" "جسدك سليم، غير أن..." "أرأيت؟"

لا عِلّة.

غمغم ديون بضيق، ونفض يديه من قبضتهما، وعاد يزحف تحت الغطاء. لقد آن للجميع أن يلزموا الصمت، غير أنّ "بن"، المدفوع بروح عمله، لم ينهِ قوله:

"يبدو أنّها مسألة نفسية." "...ماذا؟"

انتفض "ديون"، لا يقوى على تجاهل القول. انطلقت عيناه الحمراوان، تتقدان حدةً، صوب "بن".

"أتزعم أني مجنون؟ أني عليل العقل؟" "لا! ليس ذاك ما أعنيه!"

ارتعد "بن"، وشعر بظلال الموت تلاحقه.

"لقد خضتَ، يا ديون، حروباً طوالاً. وبحكم ساحة القتال، تراكم التعب النفسي، ولم تجد سبيلاً لتفريغه."

"...قهوة مثلجة."

فهمت مرادك.

رمش ديون بعينيه المثقلتين، ثم انسحب ليستلقي مجدداً. تابع "بن" صوته مؤكداً ما ارتسم في خاطري:

"أظن أن التعب العقلي المتراكم وجد له متنفساً حين نلت قسطاً من الراحة."

"لكن الراحة يفترض أن تُسكّن لا أن تُفجّر! فَلِمَ...؟"

"لا، بل إذا ثُقِب السدّ بثغرة صغيرة، ألا ترى الماء ينهمر؟ ثم سرعان ما ينهار البناء بأسره."

لكن لا سبيل إلى راحة أبدية. ومن الخير أن يحدث هذا الآن، إذ اجتزنا مفترق التحول إلى إمبراطورية، وامتلكنا شيئاً من الوقت.

تنهد "دان"، وقد نظر إلى بياض رأس "ديون" الساكن.

"فما العمل إذن؟"

2025/09/11 · 30 مشاهدة · 1411 كلمة
نادي الروايات - 2026