الأجدر أن نقدّم لهم طعامًا ثابتًا كما نفعل الآن، ونحثّهم بين الحين والآخر على نزهة قصيرة. ومن الحسن أيضًا أن نهدي المرء شيئًا يبعث فيه الرغبة ويشجّعه، كما فعل ذلك الصديق.
لكنّ الأمر ـ ويا للأسف ـ بدا كفشلٍ ذريع.
أشار "بن" بذقنه إلى الأحجية الملقاة فوق الطاولة، ثم نهض يلومني بكلماتٍ مبعثرة لا يُدرى لمن تُوجَّه.
"على كل حال، سيكون الأمر عسيرًا ويحتاج إلى جهدٍ جمّ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا بد أنّ ذلك كان بداية التحوّل.
إنّ الشياطين الحقيرة قد شرعت تُثقلني.
"أيها الأوغاد الزناديق."
حتى وإن كنت ملقى على فراشي وقت الطعام، فإنّ "دان" يرغمني أن أنهض كي أتحمّل. فما دمتَ تريد البقاء حيًّا، فالأكل ضرورة لا بد منها.
لا بأس إن أثقل الطعام معدتك قليلاً، فالمسألة لا تقف عند الحِمْل النفسي وحده؛ فالطاهي يبذل جهده ليجعله لذيذًا، والموائد عامرة بالأطباق المختلفة.
ولا بأس كذلك أن يقسّم أولئك "الكلاب المسعورة" أدوارهم، فيزوروني بالتناوب. إذ لم يجيئوا إلا من أجلي، وليس لي سند سواي، فالأجدر أن أوسّع صدري وأتقبّلهم كوليّ.
لكن... ليس هذا.
"ديون، ما رأيك أن نتمشّى قليلًا في البستان، بعد طول انقطاع؟"
"..."
ماذا تظن؟
ألقى "ديون" بنظره إلى بستان غريب غطّته غلالة من نور القمر، وإذا بنبتةٍ بعينين تهزّ أوراقها كأنها تستعد للهجوم.
رمقتُ تلك العيون المشتعلة نحوي بصمت، ثم مددتُ يدي نحو "هين".
"المشعل."
"ماذا؟ آه، نعم!"
لطالما التبس عليّ الأمر قديمًا، إذ كان هو من يحمل المشعل بنفسه.
أطرق "هين" لحظة، متحيّرًا لطلبي المفاجئ، ثم تنبّه أنّ المشعل في قبضته، فمدّه على عجل. تناوله "ديون" وتقدّم نحو النبتة ذات العينين. هنالك تبيّن لي أن الورقة المرتجفة كانت تحمل فمًا.
"دي... ديون؟"
انقضّ الفم الكامن في الورقة كمن يهمّ أن يعضّني، فمزّق "ديون" الورقة، ألقاها أرضًا، ورفع المشعل بيده الأخرى. ثم دوّى صوت الشوي والاحتراق.
"سألتني عن رأيي؟"
"..."
"إنه بغيض، بل مثير للغيظ. فلتكفّ إذن عن اقتراح تلك النزهات."
تخيّل كيف سيكون وقع الأمر إن عرضتَ على رجلٍ مرهقٍ، ضجرٍ من كل شيء، نبتة تُثير فيه القلق.
ارتجف "هين" من جفاف صوته، وألقى بصره بعيدًا. وهناك، رأى نباتاتٍ بلا عيونٍ تحتضر.
لو كانوا بشرا أسوياء، لما اقتربوا في هذا الموضع أصلًا... لكنّ تفاؤل "هين" اللامحدود، إزاء "ديون هارت"، كان يسطع حيث لا حاجة له.
"تريد أن ترى أزهار عالم البشر!"
وهنا ارتسمت على محيّاه ابتسامة مشرقة، كأنما قد زال رجفه.
"المشي يقوّي النفس والجسد، لكنه يصير وبالًا إن أورثك كدرًا. لديّ هدية أودّ أن أهديها لك، فما رأيك أن ندخل الآن؟"
"...هدية؟"
لا بد أنها وحش.
بدا الذهول على ملامح "ديون"، وكأنه يودّ أن ينسحب إلى غرفته ويستلقي. فآثر أن يتجاوز المسألة، وانصرف دون تعليق.
حين بلغ غرفته، لم يهرع إلى الفراش الذي يفتقده، بل جلس على الأريكة يتأمّل صدق "هين"، منتظرًا هديته.
فما لبث أن ندم.
"تفو."
"اخرج."
إذن... وحش نباتي.
نبتة رأيتها من قبل، تهزّ ساقها كأنها تلقي التحية. لم أعرها بالًا، طردت "هين"، ثم ارتميت على السرير.
لقد أهدرت طاقتي الذهنية في نزهات لا طائل منها، ونباتات لا أرغب برؤيتها. رفع "ديون" ذراعه يحجب عينيه من إرهاقٍ متراكم، ثم خفضها ببطء.
"...حقًا."
لا يمنحون أحدًا فسحة للراحة.
انزلقت عيناه القرمزيتان نحو الخنجر المغروز بجوار رأسه، فنادى باسم مألوف، كمن يكرّر مشهدًا عايشه مرارًا.
"ديفيلانيا."
"نعم، ديون."
زفر "ديون" ونهض.
لم يبدُ عليها أي أثر للمفاجأة، فهي تعلم سلفًا.
فهو لم يكن يضمر قتلًا، وكان واثقًا أنّ الخنجر لا يستهدفه، لذا بقي ساكنًا. أما لو شعر بأدنى نية قاتلة، لكان الخنجر ارتدّ في يده وصوّب صوب عنق "ديفيلانيا"، لا هذا السرير.
انتزع الخنجر العالق في الفراش، وأخذ يقلّبه بمهارة.
"أأعدّ هذا دليلًا على أنك أنجزتِ ما أوصيتك به؟"
أمرٌ بالبحث عن جثة "كرويل هارت".
فتأوّهت "ديفيلانيا" على الفور.
"لم أرغب بالمجيء، فقد توقّعت هذا..."
"...إذن ما زال هناك."
"عذرًا. غير أننا نحشد رجالنا في البحث، وسنظفر به عاجلًا."
"همم."
لكنه تأخّر عليّ كثيرًا. امتلأت الغرفة بنبرة ضجر.
راح الخنجر يدور بين أصابعه انسيابًا. وبعد أن لعب به مراتٍ، قطع "ديون" الصمت الغريب بصوت بارد:
"لا أنوي الانتظار. اكتبي تقريرًا بما بلغ بحثكم وتعقّبكم، وأرسليه إليّ."
"نعم..."
وكادت "ديفيلانيا"، التي جاءت عبثًا وعادت محمّلة بأعباء، أن تدمع. أما "ديون"، فلم يلتفت، بل سألها:
"فلِمَ جئتِ إذن؟"
"قلتَ إنك صرتَ محاربًا، فكيف لا أحضر؟"
عجبًا... كم يثير فضولي ذلك.
في الجملة، شياطين الجنّ لا يملكون صبراً طويلاً، ولا سيّما قادة الفيالق الذين لا يُلزمهم الصبر على شيء. حتى «ديڤيلانيا» ــ التي كان دَيدنُها التسلّل والصبر طويلاً ــ لم تستطع كبح فضولها في هذا الأمر.
إن كان بين القادة مَن لم يزر «ديون»، فإمّا أنّه غارق في شُغله، أو أنّه لا يراه قريباً بحيث يخشى جرح خاطره.
اليد التي كانت تُدير الخنجر توقّفت فجأة.
رفع «ديون» رأسه، وجهه خالٍ من كلّ تعبير، وفي اللحظة التي ساورت «ديڤيلانيا» فيها ريبة من تلك العيون الغامضة التي لقيتها...
ـ فُويش! ـ
مرّ شيء بمحاذاة وجهها.
"...!"
"إذن."
اتّسعت عينا «ديڤيلانيا».
بغضّ النظر أكانت متجمّدة في مكانها أم لا، ابتسم «ديون» بتكاسل، يطوي حواف عينيه في ذات الموضع الذي قذف منه بالخنجر.
"ما شعورك لو رأيتِني أصير بطلاً؟"
"...."
صرير...
خطّ غليظ ارتسم متأخّراً على وجنتها، وسال الدم.
ضحكت بخفوت: "...لعلّي أفهم الآن مشاعر «سيلوا».
تفهم قليلاً تلك المجنونة، قائدة الفيلق السابع، التي تعشق الخناجر وتغرسها حيثما شاءت. فيه من السحر ما يجعل المرء يتوق إلى رؤيته ثانية، ولو على حساب أرواح أبرياء. وفوق هذا، صار أجمل هيئةً وأوسع وقتاً، فلا شك أنّه سينتشي.
«ليس أنا ذلك.»
كانت دهشة عابرة. سرعان ما استعادت «ديڤيلانيا» رباطة جأشها، وأعرضت عن حديثٍ عقيم:
"سمعت أنّك تنصّلت من العمل كلّه؟"
"ذاك كان الغرض من البداية. إنما أستريح."
"أحسب أنّك قد استرحت أكثر ممّا يليق..."
"هي عشرة أيّام ويوم، أترينها دهراً؟ أما قادة الفيالق فليسوا بالعاجزين."
حين قال ذلك، لم تجد ما تردّ به.
غير أنّه لا مهرب من حقيقة أنّ القادة يستصعبون التكيّف مع تحوّله؛ فقد كان أشدّهم حرصاً، يتولّى كلّ صغيرة وكبيرة، كأنّ ترك يوم واحد يهدّد الكون، فإذا به يخلد إلى الدعة.
راح «ديون» يعبث بفمه، ثم أخرج من جيبه سيجارة.
"أما آن لكِ أن تكفّي عن مضايقتي؟ اذهبي، فقد أنهكني التعب."
"وعلى حدّ علمي، لم تفعل اليوم شيئاً سوى..."
"إن وجدتِني متفرّغاً، فهل ستُلقين إليّ بمهمّة أخرى؟"
"معذرة. أنت مرهق. خذ قسطك من الراحة."
وغابت «ديڤيلانيا» كما جاءت، ساكنة الخطى.
الآن أستطيع أن أرتاح كما ينبغي. أنام مباشرةً؟ أم أدخّن ثم أنام؟ وبينما كنت أقلب السيجارة في فمي... طرقٌ يعصف بالباب، فانفتح فجأة.
لم يكلّف «ديون» نفسه الالتفات. فما ثمّة في قلعة ملك الشياطين مَن يجرؤ على مثل هذه الوقاحة إلاّ زمرة بعينها، وقد جُنّت أكبادهم.
وبالفعل.
"قائدنا! جئنا! هل تريد دواءً آخر؟"
"ماذا؟ بأيّ حق؟"
"دواء قولون! لااا!"
وانكسر سكون المكان.
غابت السيجارة من فمه، وحلّت محلّها حبّة حلوى. تلقّاها طائعاً، ثم بدا عليه الارتباك.
إلى حدّ ما، يُحسب هذا من قلّة ذوقهم التي لا تنقطع. غير أنّهم بالغوا... أكثر ممّا يُحتمل.
"ما بكم؟"
"بُهُه!"
"أأنت تريد الموت؟"
"هاهاها! ما هذا النطق؟ كياهاهاها!"
تكفي حبّة واحدة، فما بال كلّ منهم يحشر في فمه حبّة؟ لا مكان للبصق، فأمسك معدتي، والحلوى في فمي، أحدّق فيهم بغلّ وهم يتقلبون ضاحكين على الأرض، وأقبض على الخنجر عند الصندوق.
"ها؟ أتريد أن تستعمله حقاً؟"
"سنُجرح يا رجل!"
"اهدأ، حتى لو كان مضحكاً لن أضحك!"
"أيها الأحمق! أتعلم أنّ قولك هذا أشدّ إيذاءً، كمن ينعت أصلعاً بالصلع؟"
"آه!"
انطفأ ما بقي من صبري.
استشعروا الخطر، فلوّحوا بأيديهم يسترضوني، لكن هيهات. اتفاقاً كان اسم الخنجر «جينجيونغ». قبضت عليه وأوشكت أن أهوِي به.
"سيّدي...؟"
صوت واهن، لا يكاد يصدّق.
توقّف «ديون» واستدار. لمّا أبصر «دان» وجنتيه ممتلئتين، فزع وأشاح ببصره. ثم جال بعينيه بين أولئك الكلاب الهوجاء، البيض كالأموات، فعرف.
"أعجب لأمركم. أتحرّكون مشاعر سيّدي إلى هذا الحد؟"
"لا كلام!"
"ذاك ليس مدحاً. إنما تُخرجون حياةً وجموحاً لا داعي لهما."
"أشعر أنّني ممتلئ حياة."
"بل مختلف تماماً."
أخرج «دان» منديلاً، واقترب.
حين وضعه عند فمه، حدّجه «ديون» بعينين حمراوين تسألانه: ما هذا؟ فأجابه «دان» بهدوء: "لهذا السبب، لا بدّ أن تملك منديلاً واحداً على الأقل. أنظر إليك الآن... أليس المنظر فاضحاً؟"
"..."
"افعل."
اشتدّت النظرة، كأنّها تحمل نيّة قتل. لكن «دان» لم يُعرها اهتماماً. في النهاية، سيتحتّم عليه أن يبصق.
"هاهاها! أسرع!"
"هيا، سيّدنا!"
"بوهاهاها!"
فجأة، طار الخنجر بعيداً.
أطرق «ديون» رأسه، مستسلماً، والحلوى المذابة تتساقط حبّة حبّة فوق المنديل.
واحد... اثنان... «دان» يعدّ في سرّه. كم حشوا فمه بها؟
"يكفي الآن."
أعاد «ديون» رأسه للخلف، وفي فمه قطعة بقيت. لفّ «دان» المنديل على عجل، وأخرج آخر أبيض نظيفاً.
"هذا جديد."
"...؟"
"ما دمتَ أدركت الحاجة إليه، فاطلبه متى شئت."
أخذ «ديون» المنديل، يمعنه النظر كأنّه غريب بين يديه. قال بصوت متهدّج: "...إنه أبيض."
"فلو لطّخته دماءك لبدا واضحاً."
وليس ثمة حاجة أن تبصق دماً بعد الآن.
هذا ما قالته عيناه. حدّق في «دان» لحظة. رغم وطأة النظر، لم يتراجع «دان» عن مواجهته.
حتى الكلاب المجانين كتموا أنفاسهم. ثم دوّى صوت خافت، حين ارتطمت الحلوى بأسنانه. ابتسم «ديون» بخفوت، وأدخل المنديل في جيبه.
"صحيح... بل..."
"..."
"اطرد هؤلاء الحمقى."
أنا مجنون.
أشار بأصبعه الأبيض إليهم.
"ها؟ أكنتُ ساكناً، أفتطردنا؟"
"الآن."
"قائدنا!"
... ما عدتُ أرى أنّهم أخرجوا حياةً فقط.
ابتسم «دان» قليلاً وقد هدأ الجوّ، وخطى نحوهم:
"أما سمعتم؟ أخرجوا."