"أليس أثقلَ مما تطيق؟ نحن أطعمناه، وأوينا رأسه إلى النوم، وعلَّمناه! أيها الجاحد...!"
"السيِّد هو من أطعمني، وهو من أنامني. كان هو من منحني الفرصة لأتلقى التعليم."
"لكننا نحن من لقّنّاه مباشرة!"
"أقدّر ذلك. غير أنَّ مالكي هو السيِّد."
تجمد القوم المتعنتون شاخصين بلا جواب، ثم دُفعوا إلى الخارج عاجزين.
وقبل أن تُطرد الكلاب المسعورة خارج الغرفة ويُغلق الباب بإحكام، تذكّر أحدهم شيئًا فصرخ بعجلة من خلال الشقّ:
"أيها القائد! لا يمكنك أن تمارس الطبَّ بغيرنا!"
"...".
وكما هو متوقّع، كان أصل هذا الموقف دواءً.
القلق أمرٌ محمود، لكن دان أغلق الباب ببرود واستدار. كان ديون هارت، وقد خارت قواه كأن خنجرًا جمح به، يزحف إلى الفراش.
نظرت إليه فاستفزّني المشهد بغير سبب.
"...إلى متى ستظل على هذه الحال؟"
خرج الصوت ببرودة طفيفة.
استدار ديون الممدد على السرير وحدّق في دان. عيناه الحمراوان الغامضتان تواريان وتلوحان بين جفنٍ ينوء بالنعاس.
خطوتُ خطواتي التي توقفت، واقتربت منه.
"من سلوكك يبدو أنك بلغت غايتك."
"...".
"لا بأس أن تنهار هكذا أمامي، لكن المعضلة إن بلغت حالتك مسامع الغرباء."
ما أراه أنا، لا بأس به. ما دمتُ صامتًا، فلن ينكشف شيء. لكن للآخرين... سيبدو ضعفًا لا يُغتفر.
مددت يدي. عند أطراف أصابعي برودةٌ دون المعتاد، سرعان ما امتلأت راحتي بحرارة جسده الفاترة.
أترى لأنه يدرك أني لا أنوي قتله؟ أم لأنه واثقٌ أنه لن يموت؟ الكارثة الجاثم أمامي سلّم رأسه بلا اعتراض.
"أتدرك ذلك؟"
ضغطتُ بكفي قليلًا، تهديدًا.
"إن طريقتك هذه تثير غيظي. وإن تماديتَ أكثر، فسوف تنقلب بغضًا."
"...".
"تحملتُ كثيرًا. وهذا يكفي، فاضبط نفسك."
حررت يدي ببطء وتراجعت خطوة.
ديون، الذي كان يتابع دان بعينيه وهو يشيح عنه، فتح فاه بهدوء وسأل على غير توقّع:
"كيف حال الدنيا عند البشر؟"
"...".
"أراهن أنك ذهبتَ إلى عالمهم وأنا في غفلة. أخبرني ولو باليسير، كيف وجدتها؟"
"...قمة (اللوفَل) قد دُمّرت تدميرًا. سمعتُ أن تلك العائلة نُكبت جمعاء."
كما شاع، قيل إنها فاجعة. لكن دان كان يعلم. وديون هارت أدرك ذلك لحظة سماعه.
كان ذلك من صنع "ستيغما بريمارو". فمن يخوض غمار الأخبار يستحيل أن يجهل. وكيف يُقتَل المرء بيد ابنٍ غير شرعي احتقره؟
إنه أمر لا يُستهان به، فالخصم قد يغدو في الغد خطرًا لا يُطاق.
(ليس هذا ما أنوي فعله).
ديون هارت، في هذه اللحظة، يتساءل: هل يصنع من أفعاله عدوًا لنفسه؟
نقر دان بلسانه وعاد ليركز على ديون الذي واصل حديثه:
"والآن وقد انهار الخصم، لا بد أن شركتكم صارت تحتكر السوق."
"ثمة ثغرات يسيرة... لكن نعم، يمكن القول ذلك."
"فليكن إذن. احرص أن تديم الأمر كذلك."
"...".
توقف دان وحدّق في ديون. العينان الحمراوان المنحنيتان بكسل التقتا ببؤبؤيه المرتجفين. وصوتٌ جليّ، على غير عادة، ملأ الغرفة:
"قلتَ إنك بلغت غايتك من خلال سلوكك؟"
"...".
"ذلك غير ممكن."
ذلك لن يكون أبدًا.
لستُ مُتعَبًا. ولو أردت التعب ما استطعت، فما زال أمامي طريق طويل.
"مجرد انتظار."
أترى أن ملك الشياطين سيتحرّك حين يعلم بحالي؟
فلينفق مزيدًا من طاقته السحرية في الطريق.
بل حتى إن لم يُفرغ قواه، فلن يخسر، لأنه يقاتل وهو يستريح. ثم...
وثب ديون كالصاعقة، وأطبق على عنق دان ودفعه بعيدًا. كأنه يرد الصاع بالصاع، شدّ على رقبتي بقدرٍ لا يُميت.
"قلتَ إنك صبرت كثيرًا؟ للأسف... ستصبر أكثر."
"...هاها."
زاد الضغط، تحذيرًا ألا أتجاوز الحد.
قلقت بلا داعٍ. رفعتُ يدي مستسلمًا، وارتسمت على فمي بسمة عصية على الكتمان.
"إن كان ذاك السبب، فلا بأس."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يوجد ملك يرضى أن يرى قائده الأعلى يركن للكسل أسبوعين. وفي النهاية استدعى ملكُ الشياطين ديون هارت.
(لقد طال أكثر مما توقعت).
صبرتُ أسبوعين كاملين.
أهو أول لقاءٍ وجهاً لوجه منذ عدتُ إلى قلعة ملك الشياطين؟ بماذا أفتتح؟ ارتسمت ابتسامة واهنة على محيّا ديون وهو يعبر الرواق نحو مكتب الملك.
قطرات...
"ادخل."
ما إن أُذن لي فتحت الباب ودلفت، واقفًا أمام مكتب الملك. لم يتغير مكتبه منذ عهدٍ طويل، فلا حاجة لتأمل جديد.
رفع ملك الشياطين رأسه عن قلمه، وحدّق بديون. خرجت الكلمات الأولى، ولم أصدق أنها تُقال لرجلٍ آثر أن يترك كل شيء وينغلق على نفسه:
"أأنت هنا؟"
أأقول كانت كما توقعت، أم لا؟ لقد كان صوتًا بسيطًا، نقيًا، لا غضب فيه ولا ضيق.
لكن ذلك تبدّد بالكلمات التالية:
"لعلّك صرتَ محاربًا، حتى غاب وجهك عن الأنظار."
"...".
"ما عساي أفعل؟ إنك لفارس نبيل، أليس كذلك؟"
آه، لم يخطر ببالي هذا. لم أتوقع أن يكون سخرية لا غضبًا.
فتح "ديون" فاه متردّدًا.
"أنت لم تنادني."
"ذاك صحيح."
ومع أنّ العذر كان واهيًا، إلا أنّ ملك الشياطين تقبّله مطواعًا، وأشار بقلم في يده نحو أريكة في زاوية المجلس. جاء صوته رقيقًا إلى حدّ أن "ديون"، وقد اعتراه بعض القلق، شعر بالخجل.
"لا يزال أمامي عمل، فانتظر قليلًا."
كلّما استدعيت أحدًا جعلته يترقّب. أترى هذا انتقامًا؟
جلست كما أُمرتُ، أرقب ملك الشياطين ينهمك في أوراقه. ما إن وقع بصري على وجهه حتى ساورني الخوف من أن تضمر ملامحه نية قتل، غير أنّ الأمر بدا أبعد من الحقيقة، فكان أهون ممّا توقعت.
(لم أرَ هذا من قبل.)
فـ"ديون" لم يسبق له أن شاهدني منهمكًا في عملي؛ إذ كان يوقف معاملاته كلّما قصدتُه. ولهذا، وإن سنحت لي الفرصة أن أتأمل بارتياح، لم أظفر بالكثير من المعرفة، غير أني أدركت أنّ الوثائق تضاعفت عما مضى.
لعلّ السبب أنّ الحرب جرت وراءها همومًا أعظم.
(...إنني أغفو.)
فركت عينيّ المثقلتين.
يبدو أنّ الجسد قد تكيّف مع هذا المقام، حتى امتدّ خدره في أعضائي. وليس للأمر علاقة بالنفس أو بالذهن.
(منذ كم استيقظت؟)
النعاس يغمرني حقًّا... حتى كدت أستسلم له هنا. بيد أنني أكره النوم بعيدًا عن غرفتي، إذ لا يزورني حينها إلا الكوابيس. فمتى تفرغ من أوراقك وتلتفت إليّ؟
أما "ديون"، فقد اقتنع بأن يمدّ يده إلى ما على المائدة من فواكه وحلوى ليقاوم غفوته، فكان جليًّا أنّ هذا انتقام. ثم غرق في النوم.
وإذ به يفتح عينيه فجأة، يقبض لا شعوريًّا على يد امتدت إليه، ويحدّق مذهولًا. لم يعلم متى غلبه النعاس حقًّا.
رغم حرج الموقف، أحسّ بدافع غامض أن ينطق، فرفع رأسه وفتح فاه متأخرًا قليلًا.
"...ما الأمر؟"
"أشعر كأني أغرق في كابوس."
"آه..."
عجيب. لم أتذكر أني مررت بأي كابوس. بل نمت نومًا هانئًا، كأنني كنت في غرفتي، بل ربما أعمق.
"أظن أنّك بات مستعدًّا للكلام، أليس كذلك؟"
"...كنت مستعدًا أصلًا."
الآن ليس مقام التفاهات. نزعتُ أفكاري عنّي، ونهضت من حيث لم أدرك متى ارتميت. وإذا بغطاء يسقط عن كتفي.
(...غطاء؟)
ابتسم ملك الشياطين، وقد وقعت عيناه عليّ. نظر "ديون" إلى الغطاء ثم إلى الملك، ثم آثر أن يتجاوز الأمر.
"أيها الملك، أحقًّا لديك فسحة لتحدثني الآن؟"
"الوقت كان موجودًا منذ البدء، لكنني أرجأته، شعورًا أنّك أحوج إلى التريّث مني."
"...؟"
"حين جئت أوّل مرة، لم أكن أملك وقتًا واسعًا، أليس كذلك؟"
هل أسميه دهاءً أم بصيرة؟ ملك الشياطين كان يعلم.
لقد عاد "ديون هارت" إلى قصر الملك محطّم النفس، محتاجًا إلى التئام روحه. لهذا، مددت له بعض السكون.
ظننت أنّ الحال قد استقام بعض الشيء، فاستدعيتُه، فإذا به يدخل متحفّزًا حادّ الملامح. والكلام في تلك الحال لا يجلب إلا مزيدًا من المرارة.
لهذا أعطيته وقتًا.
"...دع عنك المقدمات، وهات لبّ الكلام."
ما زال الحذر يسكنه. غير أنّه، بالمقارنة مع لحظة دخوله، بدا أخفّ توترًا.
{م.م: يحسسني كأنه يهتم. ناه، العب غيرها. مش حصدق 🚶♀️.}
فقال الملك وهو يهز كتفيه باستخفاف:
"أرجو أن نعود إلى العمل قريبًا."
"..."
"سيصعب الأمر إن نحن تخلّينا عن غزو عالم البشر تمامًا كما نفعل الآن. أليس اتفاقنا أن نخلص في المعونة؟"
"..."
"ثم إنّ أعداد الشياطين تناقصت في حربنا مع الإمبراطورية، فيما أعداد البشر تزايدت. وباختصار: نحن في عجز من الجند."
رفع "ديون" رأسه عن الغطاء الذي كان يعبث به. تلاقت النظرات، وعينان حمراوان تلتمعان في مقلتين ضيّقتين.
"كنت فكرت في ذلك من قبل."
ما إن تأملت وجهه عن قرب، حتى عاد ذلك الإحساس القاتل يتدفق. لكن يجب ألّا أُبدي شيئًا، ولو مقدار لحظة. فالكائن أمامك لا يفوته طرف خيط.
كتم نيّته بالقتل، وأخفى ملامحه تحت ابتسامة جامدة. شدّد على قسمات وجهه وقال:
"إن استعصى الأمر، أفلا يخرج ملك الشياطين بنفسه ليقضي على الوحوش؟ آخر مرة رأيتك، أنجزت الأمر في طرفة عين."
حين غزا الشياطين أرض الجنّ حيث تجتمع زعامات الأعراق، خرج الملك بيده، وسحقهم في لمح البصر، وعاد.
"ذلك أنّ الحفاظ على القوة السحرية أوْلى."
"ومذ متى صرت تبخل بسحرك؟ أهمّ من البشر إلى هذا الحدّ؟ حتى في ظرفنا هذا؟"
"..."
"لا، لا يفعل ذلك ملك الشياطين... يبدو أنّ هناك شأنًا شخصيًّا وراءه."
...لقد أصبت.
لكن الملك رفع طرفي فمه بسلاسة، وقال وهو يطوي عينيه كالهلال، يخفي غضبه تحت ابتسامة:
"لنقل إنها مسألة خاصة... نستعدّ بها لعدو مباغت. ألسنا في حرب؟"
"وأيّ عدو مباغت؟ إنّ خصمك الوحيد، المحارب، قد صار في صفّك. ولو جاء عدو آخر لما كان ذا خطر عظيم."
"ومن يدري كيف تنقلب الدنيا؟ بل يبدو أنّ المحارب نفسه قد فترت همّته عن غزو عالم البشر..."
قال الملك ذلك وهو جالس على طرف الأريكة، يغيّر دفة الكلام بهدوء، وعيناه تلاحقان "ديون" دون تردد. جاء صوته مازحًا يملأ الحجرة:
"فما عساني أفعل لأعيد لمحاربنا همّته؟"
"...أنت لم يكن لك شغف بغزو عالم البشر أصلًا."
خرجت الكلمات وفيها نبرة مريرة، كسخرية خفيّة.
كنت أعلم ذلك منذ البداية. فذلك الشرط وضعه "ديون هارت" فقط ليبعث في ملك الشياطين مزيدًا من البهجة. دون سبب جليل، إنما اختار الملك ساحة يجد فيها لعبته أكثر متعة.
ومع ذلك...
"غير أنّ الوعد وعد."
فإن قلتها هكذا، فما لي حجة. تمتم "ديون" بكلمات خاوية امتعاضًا.
"لكن..."
"أنا."
...الجو تبدّل.
قطع الملك حديثه بغتة، ونهض. خطا خطوة، ضيّق المسافة، مدّ يده.
"كنت أحسب أنّي اقتنيت كلبًا مطيعًا."
"..."
لامست أنامله الموضع الذي كان يُوسم فيه قديمًا. والآن، وقد صار محارباً، لم يبقَ فيه أثر.
رفع أظفاره وضغط بها كارهًا، وأتبع ذلك بصوت هادئ يرافق وخزًا مؤلمًا:
"فأين ذهب الكلب؟ ولماذا يحلّ مكانه ثعلب؟"
"...هكذا إذن."
الألم الحادّ أبى أن يزول.
لقد غُرست فيك طاقة سحرية مفرطة. فكلّما ادّعى الحرص على ادخارها، عاد وأنفقها في جرح صغير لا يندمل.
...أو لعلها تجربة، اختبارًا ليتأكد أن جسد المحارب لا يشفى سريعًا إن جُرح بسحر.
مهما يكن، فالأمر سواء. ومع ذلك، ابتسم "ديون"، وقال كما قال يومًا:
"أستقتلني؟"