كان الجُرح الجديد، المنقوش في الموضع الذي وُسم من قبل، يلوح وهو يلتئم ببطء.
وإن بدا فيه أدنى أثر للشفاء، فذلك يعني أنّ سرعة التعافي عجيبة، لكنّ الأمر يختلف إن كان صاحب الجرح محارباً.
(المناعة ضد الجراح العاديّة... أمر طبيعي أن تلتئم فوراً، فلنتجاوز ذلك).
إذ الغريب حقاً أن لا تلتئم. لكنّ المهم هو هذا.
ملك الشياطين، وهو يضغط الجرح ويتركه، متأمّلاً سرعة شفائه من أثر السحر، توصّل أخيراً إلى نتيجة:
(إذا قورنتُ بالمحاربين الذين التقيتُ بهم، فإن مستوى شفائي لا يتجاوز حدّ المتوسط).
حتى بعد أن سمعتُ كلام زعيمة قبيلة الحوريات، لم تتعدَ النتيجة حدود العادي. كأنّ العالم بذل جهداً عظيماً لأجلي، غير أنّ حالتي الجسدية كانت من الوهن بحيث لم تتجاوز هذا السقف.
وبما أنّ بنيتي كانت ضعيفة أصلاً، فإن كل موهبة بدنية بدت متوسطة بالنسبة لمحارب. أي إنّ أهم ما يُعرّف المحارب لم يكن متميّزاً عندي.
[إن ملك الشياطين سيهلك على يد البطل المولود هذه المرّة.]
لا أفهم.
لماذا اختار عالم يعظم الكفاءة هذا الرجل بالذات؟ ولماذا نطقت زعيمة الحوريات بتلك النبوءة؟
حين سمعتُ تلك الكلمات، ربما خُيّل لهم أنّي استهنتُ بها، واثقاً أنّ شيئاً لن يحدث كما قالت. لكن هيهات. هذه شهادة زعيمة الحوريات، تلك التي تبصر ما وراء الزمن. صحيح أنّ ملك الشياطين أظهر ثقة، لكنّه لم يغفل عن قولها.
ثم انعطف نظره إلى "ديون هارت".
(إذن... أنت معلمي).
محارب وُلد بعد أن ابتلع تسعين بالمئة من قوّتي السحرية عند حافة الموت.
...أحتاج قهوة مثلجة. لا تزال هناك أسئلة كثيرة، غير أنّي أبدأ بفهم مقصد العالم وأنا أراه. وبعد أن رتّب ملك الشياطين أفكاره، عاد إلى ما بين يديه من موقف.
فماذا قال "ديون هارت"؟
[...إذن.]
[أستقتلني؟]
عَيْنان منحنِيَتان كالقوس، ملأتا أفق بصري. ضحك ملك الشياطين.
"إنك لثعلب حقاً."
لم ينكر حتى وقد سُمّي علانية بالثعلب.
...قليل من الوقاحة.
"لا."
لن أقتله. أو، لأكون أدقّ: لا أستطيع قتله الآن.
ما خرجتُ إلى خارج حصن ملك الشياطين آخر مرّة لألقى البطل عبثاً. فمواجهة بين محارب استنفد كل طاقته وملك الشياطين كافية لأن تُدمّر الحصن الذي يضاهي مدينة صغيرة.
البطل السابق كان قادراً على ضبط قوته بما يكفي، فاقتصر الدمار على حدود معقولة. وإلا لما نجا الشياطين الذين خرجوا للمشاهدة، ولا "ديون هارت" الذي كان يراقب من فوق الجرف.
حتى لو تركنا هذه الأسباب جانباً:
"أنت ما زلت في صفي."
"...."
"ولا حاجة لقتل من يقف في صفّنا."
ابتسم ملك الشياطين ببهاء.
ظلّ "ديون" صامتاً. ثم خرجت كلماته، بعد هنيهة، ثابتةً، كأنها لم تعرف ابتسامة يوماً:
"...كنتُ لأحرص على أن نغزو عالم البشر على أية حال."
وإن كان محض فكرة عابرة.
تذكّر "ديون" يوم استمع إلى شرح ملك الشياطين في قاعة المؤتمرات، عن القيود التي تُفرض على الشياطين حين يعبرون إلى عالم البشر. هناك التقط بعض الخيوط.
فالعالم يعتني بعرق يُدعى "البشر".
بل ويحفظهم أكثر من الشياطين. إذ إنّ ملك الشياطين نفسه أقرّ بأنّ الشياطين أمّة مبغوضة من العالم.
(العالم أراد أن يستخدمَني).
في اللحظة التي تعلم فيها الحقيقة وتُبرم الوعد، يكون مقصد العالم قد أنجز نصفه.
منذ جُررت إلى حرب الأعوام الثمانية حتى الساعة، عاش "ديون هارت" تحت إرادة غيره. لكنه لم يشأ أن يستمرّ كذلك إلى الختام.
[الكثرة لا تعني الفيض.]
بحسب غرض العالم، سأقتلُ الشيطان. لكن قتل ملك الشياطين بسلاسة أمر عسير، ولا أنوي فعله كذلك. فكم من شياطين سيلقون حتفهم في السياق. على أنّ الاقتصار على الشياطين وحدهم ظلم.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه "ديون" وهو يخلص إلى ذلك. ملك الشياطين بدا على وجهه سؤال حائر، غير أنّه تجاهله.
(أما قالوا في الجنوب مثلاً كهذا؟)
يحرقون العشب ليظفروا بالبراغيث.
قبل أن أقتل ملك الشياطين، سأحرق عالم البشر أولاً.
لن أبكي متسائلاً: "لِمَ كنت أنا؟" فقد وقع الأمر وانتهى. ثم إني عزمتُ في سكون ألا معنى لمخاطبة كائن متعالٍ بالحجج العاطفية، إذ أفعاله ممهورة بالغرض.
(سأجعلك تندم على اختياري).
ابتسم "البطل" ابتسامة عريضة.
ـــــــ
بِركة الدم تحت قدميّ اتسعت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتقلت نظرة ملك الشياطين إلى قدمي "ديون". قبل أن يلتقطها حسّ المحارب الحاد، ارتفعت في سلاسة لترسو على وجهه من جديد.
وانطلق صوته عذباً، كأنه يُلاطف:
"أدرك أن حالتك لم تكتمل بعد."
"أنا بخير."
"الجسد كذلك."
أما العلّة ففي النفس. وأنت، تعلم هذا بنفسك.
نهض ملك الشياطين ببطء، متقبّلاً كلام "ديون" التحذيري كما لو كان حديثاً عادياً.
"أرى أنّك بحاجة إلى تغييرٍ في الإيقاع. ما رأيك؟"
ثم ابتسم، ومدّ يده قائلاً:
"ما رأيك أن نرى الأزهار في الحديقة الوسطى؟"
"لا رغبة لي."
"حتى وإن كانت زهوراً من عالم البشر؟"
"...ماذا؟"
"استُبدلت مؤخرًا. سمعتُ أنّك كنت تُحبّ الأزهار التي أهداك إيّاها (هين) فيما مضى، فأعددتُها لك."
"...لم أحبّها قط."
غير أنّ قلبي رقّ قليلًا.
أجاب "ديون" متردّدًا، مستحضرًا ما كان قبل أن يصير مقاتلًا يُشحذ سيفه. فاكتفى ملك الشياطين بهزّ كتفيه كأن الأمر هيّن.
قال: "سيُساعِدك على أن تشعر بخير."
"...ما دمتَ تقول ذلك."
عقل "ديون هارت" لم يُصغِ مباشرة لكلام الملك. لم يتأثّر بذكرهم أنّهم حرثوا الحديقة الوسطى وزرعوها بأزهار من عالم البشر، بل راح يفتّش في الطيّات عن النوايا، يحسب ويقيس.
فخاطب نفسه: "كم من طاقةٍ سحريةٍ استُنزفت ليُؤتى بتلك الأزهار من عالم البشر، وتُزرع وتُحافَظ عليها هنا؟"
الملك السابق ما كان ليُقرّ أنّه بدّد هذا المقدار من السحر. غير أنّ الأمر مختلف الآن، وقد استهلك هذا الملك تسعين بالمئة من قوّته لينقذني. ومع ذلك يفعل هذا؟
"إذن، لقد أدرك أنّني أرصد مقدار ما تبقّى من طاقته السحرية."
بمعنى أنّها مجرّد مباهاة، عرضٌ يُوحي بأنّ السحر ما زال متدفقًا لديه إلى حدّ أن يُبدَّد على مثل هذا. لكن لمّا كشفته، غدت حركاته مجرّد شجاعةٍ جوفاء.
كظمت ابتسامة ساخرة، ومضيت ملتقطًا الإشارات التي مرّت أمامي.
ولم يكن يخفى عليّ أنّ الحديقة قد أُنجزت قبل زمنٍ من حديثنا هذا.
"وكيف لي أن أغفل عنها؟"
مضى وقتٌ منذ أن كنتُ أراقب وأقيس سحره.
تظاهرت بعدم الاكتراث، وأمسكت يد الملك. فابتسم "ديون" ابتسامة صافية، ورفع رأسه يواجه عينين باسمتين.
قال: "طبعًا، عليّ أن أذهب."
فأجاب الملك: "هذا يُسعدني."
قادَه الملك بخطى هادئة، وابتسامته لا تتبدّل.
....
كانت الحديقة الوسطى قد غُمرت بأزهار من عالم البشر، تتلألأ في المكان وكأنها لا تنتمي إلى هذا العالم.
من ورودٍ باهرة مشهورة كالأقحوان والورد، إلى زهراتٍ وضيعة تُرى على قارعة الطريق، كان المشهد مدهشًا حتى في عين الملك الذي أمر بالأمر دون كبير رجاء.
"يبدو أنّها استنزفت طاقةً سحرية جمّة."
لم يكن جلّ الجهد من سحره، فقد اعتمدوا على الأحجار السحرية، وتولّت "ريرينيل" تفاصيل السحر اليسيرة. فالملك لم يُنفق الكثير، لكنه كان استعراضًا ذكيًا لقوّته، يُضاف إليه أنّه يساند به استقرار "ديون هارت" النفسي، فلا خسارة في الأمر.
التفت الملك دون قصد، وسكت حين أبصر "ديون" غارقًا بين الأزهار.
"...والآن إذ أتذكّر، لقد كان ثمّة أبطال تسلّلوا إلى قصر ملك الشياطين بخداعٍ شبيه."
لطالما ابتكر المحاربون طرائق عجيبة لغزو القصر. وجمال الدنيا كان أحد تلك السبل.
لو لم يكن "ديون هارت" جنديًا في جيش الشياطين، لربما نفذ عبر ذلك الطريق بيسر. ضحكتُ من خيالات البشر تلك.
"لو أنّ ريرينيل أبصرت هذا لماتت فزعًا."
على أيّ حال، بدا أنّه استحسن الأمر، وخفّت حدّة مزاجه.
هنا آن أن أُفصح. رمقني "ديون" في حيرة من ضحكي المفاجئ، ثم خفَضتُ بصري إلى قدمي، وبدأت أتمتم:
"أأنتَ تعلم أنّك موسوم؟"
{م.م: بصراحة، دايما ما أحب أستخدم مصطلح "لعنة" لأن معناه الطرد من رحمة الله، ولحد يقدر يقرر هذا سوى الله تعالى. وطبعاً هنا القصة خيال ومنافية للواقع بالأصل. ولكن، أعتقد أني لو حطيت كلمة "موسوم" بدل "مصاب بلعنة"، بيكون أحسن.}
...
جمد "ديون" حين تحوّلت عيناي إلى موطئ قدميه.
"إن لم تُرِد أن تفنى بالذنب، فالأجدر ألا تَشعر به."
قال متردّدًا: "هذا..."
تقدّم خطوة. ومع كلّ خطو، دوّى صوت تكسير تحت حذائه. كلّما ابتعد عن عبير الأزهار، عاد إليه زكم الدماء.
غير أنّه لم يتوقّف. ضيّق المسافة، يواجهني بصرًا ببصر، لا يفلت شيئًا.
"هذا الوسم المقيت... ما أثقله."
سألته: "أتُبصرها؟"
أجاب: "لا، إنما أُحسّه. وليست هذه أوّل مرة ألقاه."
قلت: "أولستَ تراه أوّل مرة؟"
فأجاب: "هو وسم شائع في زمن الحروب. قلّما يكون بفعل شخصٍ بعينه، بل يولد من حقدٍ متجذّرٍ لا يزول، كأنّه روح ثأر. وكثيرًا ما يُصيب من اعتاد سفك الدماء."
قلتُ: "إذن، وسمي أيضًا..."
قال مبتسمًا ابتسامة خفيفة، وقد تذوّق السحر الذي يفيض من ذلك الوسم: "حقًا، لقد صاغها أحدٌ لك عن عمد."
وأردف بدهشة طفيفة: "العجيب أنّ شرطه كان الذنب. إذ في الغالب يكون الوسم مشروطاً بأن يشتدّ كلما قتلتَ أكثر."
{م.م: إذن إلّوستر حس بالذنب ولا وش؟}
سأل "ديون": "وكيف الخلاص منه؟"
قال الملك: "لا سبيل."
تساءل بوجع: "لماذا..."
كدت أن أُفصح: "لأنه من سحرك أنت." لكنني كتمت الكلمة.
أحسّ الملك بما أخفيت، فوضع يده على رأسي وأنا أقترب، كأنّه يعلم كل شيء.
قال: "نعم، لقد استُخدم السحر، غير أنّ الساحر كان خبيث النيّة. فقد جعل من روح الآخرة قربانًا، لا السحر وحده."
قلتُ هامسًا: "...أفهم."
قال: "ولا أظنّ أنّك كنت تعلم ذلك، ولا قصدتَه."
تذكّرت أنّني كان عليّ أن أقول: "صحيح أنّي استخدمت السحر."
الملك يدرك أنّني أعلم بعقده مع الدوق. لكنه يتغاضى، إذ الفرق كبير بين أن تُبقي معرفتك غائرة في قلبك، وأن تنطق بها جهارًا.
الاعتراف بأنّها طاقة سحرية يعني أن لا نية لديك لإخفاء الأمر.
ثم قال بصوت راسخ، وهو يؤوّل صمتي على نحو آخر: "ما رأيك أن تفصل ذاكرتك كما فعلتَ من قبل؟"
ذاك الأسلوب الذي لجأ إليه "ديون هارت" الشاب حين وطئت قدماه ساحة المعركة أول مرة، ليتفادى شعور الذنب.
قلتُ في نفسي: "أيّ هذيان هذا؟"
ولاحت في عينيّ لحظة موت.
لكنها لم تدم. شددتُ على زمام نفسي، خفضت رأسي قبل أن يلحظ الملك اضطرابي، حجبت عينَي، وأطلقت صوتًا جافًا كالتنهيدة:
"...تلك كانت كلمات أخي الأخيرة."
قال الملك: "هذا..."
أجبت بحزم: "لن أصرف بصري بعد اليوم."
لقد صرفته كثيرًا. عملتُ لعقدٍ كامل، حتى فقدت آخر من تبقّى لي من أهلي.
كلمات "كرول" قبل موته كانت ألا أشيح بوجهي ثانية. فكيف لي أن أجرؤ على ذلك بعد الآن؟
لا بد إذن من سبيل آخر. وخفض "ديون" نظره.