"كأنّ ديون يعزّ ذاك..."

أأفصح له بما أعلم؟ أم يَكفيه ما يدري؟ أليست هذه تدخلات باطلة؟ فأنت بشر، ومن طبع البشر الجهل بما يخفى. وكان الألم قد جاوز مداه، وصورةُ ديون هاردت وهو يهوي صريعًا قد انغرست في قلبها كجرحٍ لا يندمل. ولِرِرينيل، التي لا تطيق أن ترى فؤاده منكسرًا مرّة أخرى، لم يكن بدٌّ من أن تفتح فمها بحذر.

"سيدي ديون..."

"هاه؟"

"أعني تلك العلبة الخشبية."

"...ولمَ تسألين؟"

"لقد خبا أكثرُ السحر هناك. أترغب أن أجدّد الطلسم؟"

توسّعت عيناه الباردتان ذهولًا. فأضافت رِيرينيل مسرعة:

"يبدو أنّها تعويذة حفظ... وهي تعويذة تمتصّ طاقة الساحر شيئًا فشيئًا. لعلّ الساحر قد مات، أو أثقله الحمل فتركها. لحسن الحظ لم تَضمحلّ كلّيًا بعد، فإن أنا علّقتها من جديد فلن يكون ثمّة ضرر..."

وقبل أن تتمّ عبارتها، كان ديون قد نهض واقترب بخطواتٍ قلقة نحو الصندوق. مدّ يده المرتجفة ولمس الغطاء.

ريرِينيل كانت تراقب من وراءه بعينٍ مفعمة بالوجل، غير أنّه لم يملك وقتًا للالتفات. أخذ نفسًا عميقًا، أطبق عينيه ثم فتحهما، ورفع الغطاء. لم يشمّ رائحة الدم.

"...."

نعم، ما عاد بمقدوره أن يعرف فساد المحتوى من عبير الدم. حدّق بارتباك في السائل اللزج تحت قدميه، ومدّ يده المرتجفة. لكن قبل أن تلامس، وخزته فكرة جعلته يتوقّف فجأة.

"...إن كان الفساد قد بلغ..."

فلا تمسّه بطيش. فكلّما لامستَه كلّما تهشّم أكثر.

بدلًا من ذلك نادى صاحبة النظرة القلقة خلفه:

"...رِيرينيل."

"نعم، يا ديون...!"

"سحر الحفظ لم يزل قائمًا، أليس كذلك؟"

"بلى، أثره ما زال حاضرًا."

"...حسنًا."

أعاد الغطاء. ولماذا غاب عنّي هذا؟ فبعد أن أرديتُ الساحر ـــ الدوق ـــ بيدي، كان عليّ أن أحسب حساب زوال سحره بعد موته.

"أحمق."

ورِيرينيل، التي كانت تعبث بفنجانها وتشيح بصرها متوترة، همست بلطف:

"أرافقك في الطريق...؟"

"لا بأس."

عاد العقلُ ليمسك بزمام الأمر. هي تعويذة تنهش قوى الساحر باستمرار، فلا يسوغ أن أكلّف رِيرينيل بها. احتضن الصندوق، ورسم على شفتيه ابتسامة مزيّفة.

"أظنّ أن وقت الشاي انتهى. لقد طرأ أمرٌ عليّ."

"أجل!"

ربّت ديون على ظهرها، ثم نهض على عجل وغادر. الوجهة لم تكن خافية.

فلنمضِ إلى الشيطان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"مرّ زمن لم نلتقِ... أتُراك اشتقت لرؤيتي؟"

كالعادة، استقبل ملك الشياطين الزيارة المباغتة برباطة جأش. وضع قلمه، رفع رأسه، وابتسم بمكر. ضحكة مازحة أرادت أن تخفّف الجوّ، غير أنّ ديون تقدّم بوجهٍ مكفهر، لا وقت عنده للمجاملات.

وضع الصندوق الخشبيي على الطاولة.

"أترى ما بها من سحر؟"

"تعويذة حفظ؟ لقد أوشكت على الزوال."

"أعدْها من جديد."

"..."

"أعدْها."

"..."

"أعدْها."

كلمات صريحة، جريئة حدّ الوقاحة. كأنّه أمرٌ لا يُردّ. فتح ملك الشياطين فمه وأطبقه كالمذهول من هذه الجرأة، ثم فلتت منه قهقهة قصيرة تشبه السعال.

"أليس جديرًا أن تترك الأمر لرِيرينيل؟"

"لكن سحرَك أوثق. وكما قلتَ هو مجرد 'ذاك القدر' من السحر... أفتَعجز عن فعله؟"

"تجهد نفسك حقًّا."

انحنى بصره بابتسامة غامضة.

إلقاء التعويذة ليس عسيرًا، لكنّه كره أن يُلزم نفسه بسحرٍ يستهلك طاقته على الدوام في وقتٍ يستوجب التوفير. قد يفعل ما لا يحبّ حين كان فيض السحر يغمره، أما الآن... فلا.

"ديون..."

ارتسم على شفتيه قوس ابتسامة لها معنى خفي.

"اعرض شروطك أولًا."

لم أشأ أن أسأله: "وما عوضي إن أنا فعلتُ؟" فاكتفيتُ بالصمت، ألوذ بابتسامة ساكنة. هو ليس بليدًا للحدّ الذي يجهل مرامي السكوت.

وكما توقّعت، زفر ديون وهو ينظر إلى ملك الشياطين الذي لم يردّ.

"إن أنتَ أطلقتَ التعويذة، سأنطلق من فوري."

كان قد نوى أن يستريح أيامًا أخرى، لكنّ أنفاسه خرجت تنهيدة كأنّها أنين. غير أنّ ذلك لم يُحسب عند ملك الشياطين ربحًا، فقال:

"قلتَ إنّ الإمبراطورية تلقّت دعمًا من مرتزقة إسبيرانيس."

"أجل."

"سنُجبر مرتزقة إسبيرانيس على الانسحاب من الإمبراطورية."

هنالك فقط، تبدّل وجه ملك الشياطين. ابتسامة صافية، لا مكر فيها هذه المرة، بل اهتمام صادق.

"لا أحبّ الوعود المرسلة. ما الحدّ الزمني؟"

"سأتحرّك الآن. أذهب إلى عالم البشر، وأعود بالنتيجة. وإن جاءت النتيجة إيجابية، فستراها جليّة في غضون شهر على الأكثر."

"إذن شهر واحد أعطيك."

وكان معنى كلامه: عُد سريعًا، ولا تَطُل مقامك في عالم البشر.

مدّ ملك الشياطين يده وربّت على الصندوق. فعلٌ صغير، غير أنّ ديون، بصفته محاربًا، شعر بشيء قد تبدّل. لابدّ أنه السحر.

"إن فشلتَ... سأستردّ سحري."

"...."

"إذاً، فلتكن لك رحلة سعيدة."

استدار ديون صامتاً، يحمل الصندوق بين ذراعيه. كان على وشك مغادرة الغرفة بخطى ثابتة حين اخترق أذنيه صوتٌ خافتٌ يناديه من الخلف:

"ديون."

"...."

"أنا هنا."

... أجل، الشيطان هنا. ذاك الذي ينبغي أن أهلكه، يقف أمامي.

وأنا أعلم ذلك أكثر من أيٍّ كان. فما حاجتي إلى أن أُقالَ هذا؟ حتى لو لم أفعل شيئاً، سأعود من تلقاء نفسي إلى هنا، ولن أفرّ إلى عالم البشر.

توقّفت خطواتي، واستدرت. وحين التقت أعيننا، ابتسم ملك الشياطين ابتسامة ماكرة ولوّح بيده.

"حين أعود، سأعلّمك عزف البيانو هوايةً."

"...."

"جرّبه مرّة، فإن لم يَرُقْ لك، نجرب شيئاً آخر."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارتدى ديون قُبَّعتَه، واتجه صوب ما كان يوماً قصره، حاملاً الصندوق المسحور بين يديه.

رفع طرف القبعة قليلاً، ونظر إلى السماء، يلعب بحافتها بأصابعه. منذ زمن لم يرتدِ قناعاً كهذا، وقد ضاق عليه أكثر مما اعتاد، ومع ذلك لم يستطع خلعه. فالشمس لم تكن المشكلة.

منذ أن صار محارباً، وصارت صحته في أوجها، عرفه الناس في أرجاء القارّة بوجهه الذي ارتبط بعالم الشياطين، فصار مطارَداً مهدَّداً بالموت. كان واضحاً أنّه سيُرجم بالحجارة ساعة يُقبَض عليه.

بيت الكونت... بل القصر الذي صار مهجوراً الآن. الطريق إليه غدا غريباً بعد طول غياب. ولعل لذلك، كان بصري يتشتت في كل ناحية، فتأخر وصولي عمّا توقّعت.

رمقتُ سريعاً ورداً بريّاً أبيض على قارعة الطريق، ثم رفعت بصري إلى زرقة السماء والشمس التي لم أرها منذ دهر.

وعندما بلغت البوابة، لم أجد من يحرسها. مشيت بخطى هادئة، وتعجبت من نظافة المكان، على غير ما توقعت أن يكون بعد غضب الناس عليه.

"الباب موصد..."

دفعت الحديد قليلاً كي لا ينكسر، ثم تراجعت خطوة. ما دام مغلقاً، فلا بد أنّ أحداً في الداخل. حتى دون أن أرى، أدركت ذلك.

"تساه!"

شدّ الصندوق إلى صدره، ثم وثب فوق البوابة بخفة، فدخل.

كلّما توغلت شعرت بالفراغ يلف المكان. لطالما كان هادئاً، غير أن صمته هذه المرة بدا مختلفاً، مريباً.

سرت بين الردهات، أتأمل الجدران، حتى كدت أبلغ الحديقة الخلفية، فإذا بصوتٍ ضعيف ينساب، لحناً قديماً:

"كان يا ما كان... حين تكلّم الموت."

لحن مألوف... صوت مألوف.

تسارعت خطوات ديون. لم يكن صعباً العثور على مصدر الصوت، ما عليك إلا أن تتبع الغناء.

"لا ترتكب إثماً."

هناك، شيخ بذي ذيل طويل على ردائه، يشذّب شجرةً تحت أشعة الشمس.

يرنّم بصوت منخفض أشبه بالهمس:

"بعد الموت، تنكسر الروح تحت ثقل الذنوب."

أجل... منذ زمن بعيد لم أسمع هذا النشيد.

أيعقل أن يكون غريباً عليّ بعدما كان يُسمع في كل مكان قبل اندلاع حرب الأعوام الثمانية؟ كان الأهالي يغنون التهويدة هذه لأبنائهم، والفتية في الطرقات يرددونه تسليةً. تحذير من الخطيئة، لا أكثر.

لكن مع انبلاج عصر الحرب، غدا العيش نفسه جريمة، فاندثر ذاك النشيد.

"أن تختفي دون أن تؤدّي ثمنك... أليس فراراً رخيصاً؟"

"...."

"آه، أأنت هنا؟"

ابتسم "ريمِمبَر"، الذي لمح ديون واقفاً كالأسير في سحر الماضي، وتقدّم نحوه بود. سكينته توهم الناظر أنه لم يلتقِ يوماً بقائد جيش ملك الشياطين.

"مضى زمن طويل على آخر مرة أنشدتُ فيها ذاك اللحن. كدت أنساه."

"إنها رفاهية الشيخ الوحيد وسط حرب."

في نظر شيخٍ عاش في عزلة، فإن عقداً مضى ليس إلا الأمس.

كاد ديون يعترض، لكن "ريمِمبَر" سبقه بابتسامة وتحايا مؤجلة:

"مرحباً بك، سيّدي، بعد طول غياب."

"... لا تزال كما عهدتك، يا ريمِمبَر."

"أما أنت يا سيّدي، فقد غيّرتك الأيام كثيراً."

"هذا محيط لا يترك للمرء خياراً. لكن..."

تلفّت ديون حوله، ولمح الفراغ، فعاد ببصره إليه.

"أين ذهب البقية؟ ولم تُرى وحدك هنا؟"

"لقد خرجوا في إجازة. أول مرة أستخدم صلاحية الوكيل."

"تجاوزت حدودك بإرسال الجميع وترك نفسك وحيداً."

"بفضلك، أدركتُ حلاوة السّلطان."

ابتسم الاثنان بخفة، كأنهما في حلم عابر. ثم ألقى "ريمِمبَر" الحقيقة بصوت خفيف:

"من أراد الرحيل، تركناه، ومن لم يرد، منحناه عطلة."

لكن في نبرته ظلّت نغمة غريبة، كظلّ شاحب.

لحظةً، شعر ديون بأن رأسه يميل، وارتسمت على محيّاه علامات إدراك. فهم أن هذا هو "التقرير الأخير" من خادمه.

بذلك ينقضي عهد السيد والخادم. فلا حاجة بعد للبقاء، سوى الخسارة.

"أول مرة أحسّ بهذا..."

كم من علاقات قطعها بيده، أو انهارت أمامه، لكن لم يحدث أن انتهت كهذه، بلا موت ولا دم. ربما لهذا أحسّ بغرابة يصعب وصفها، فصمت برهة، ثم قال بهدوء:

"لا داعي لتكرار القول. الجميع قد رحل."

"لا. بعضهم آثر البقاء. ثلاثة تحديداً، وقد ألحّوا بحماس: بوجهٍ واحد، تُغفر الخطايا."

"... خادمات، أليس كذلك؟"

"أحسنت. ويبدو أنك تعرفهن."

"... يا لها من مزحة."

"هه... إن شئت فاعتقدها كذلك."

تراجع "ريمِمبَر" خطوة. حان وقت الاستفاقة من الحلم. تبدّل جوّ المكان.

رفع ديون قُبَّعتَه عن رأسه، فيما مسح ريمِمبَر ابتسامته العابثة، وانحنى باحترام. خرج صوته هذه المرّة رصيناً، جافاً:

"أتيتَ للحديث إذن. سأرافقك إلى قاعة الجلوس."

"...نعم."

2025/09/18 · 45 مشاهدة · 1371 كلمة
نادي الروايات - 2026