كان «ديون هارت» منذ زمنٍ بعيد يدرك أنّ «ريـمِمبر» ليس بشرًا مألوفًا.
فهو لم يحاول كتمان غرابته يومًا، بل أظهرها ببرود، حتى لولا حدّة البصيرة ما التفت إليها أحد.
إلى جانب شعره وعينيه الممزوجتين بين الفضة والزرقة، كان أصلُه «إسبيرانيس» قد تسلّل من فلتات لسانه، وظلّ عالقًا في ذاكرة «ديون» وإن لم يستحضرْه عمدًا، حتى إذا جدّ السياق عاد به إليه.
["وليُّ العهد... بل الإمبراطور اليوم! «إلپيديوس ديزرت» تلقّى عونًا من مرتزقة «إسبيرانيس»."]
وما إن بلغ مسمعي هذا، حتى استبان لي وجهُ الأمر. فقد بلغني من قبل أنّ «إلپيديوس» زار القصر الذي أملكه.
إنّ الإمبراطورية كانت على الدوام مطمعًا لعالم الشياطين، ولا سيّما بطلها الرئيسي «إدواردو ديزرت». ورغم أنّ أعتى خصومه قد طواه الموت، فإنّي لم أكن من الغافلين حتى أزيح عيني عن وريثٍ صاغه بيده. فما من سبيل أن يترك «إدواردو» خلفًا ضعيفًا.
فما إن تأكّد موته، حتى غيّر العيونُ الرصَدة وجهتها، وتركّزت على خطوات الإمبراطور الجديد «إلپيديوس». ولهذا بلغ «ديون» خبر زيارته للمَلكية سريعًا.
"إلپيديوس يقصد القصر، وفي صحبته غريب من «إسبيرانيس»... ثم يتبعه دعمٌ مرتزِق من هناك. الأمر أوضح من أن يُرى."
ولم يبقَ سوى اليقين.
عيونٌ قرمزية تتعقّب حركات شيخٍ بثوبٍ أسود ذي ذيل. جلس «ديون» ساكنًا، صندوقٌ في حجره، يتأمّل الشيخ وهو يحتسي الشاي غير عابئ ببرودته. ثم فجأة تكلّم:
"أيمكن أن تُعيرني بعضًا من أولئك المرتزقة؟"
كلمة صريحة جافّة.
توقّف «ريـمِمبر» لحظة، ثم وضع الكأس. ارتفع نظره فالتقت العيون.
"كلا... الأمر عسير."
"همم."
لقد جرّبتُه فأبان نفسه سريعًا. لو لم يكن على صلة لقال: لا أفهم ما تعني.
هكذا انكشف أنّه واسطة العون المرتزق.
أمَا يقولون: "تجاهل ما تعلم، وأظهر العلم بما تجهل"؟ ابتسم «ديون» بسخرية، مستذكرًا أمثال فرسان العُلا.
"فماذا عن استرجاع من تطوّعوا للإمبراطورية؟"
"ذلك أيضًا متعذّر."
"إذن متعذّر."
في الحقّ... لا أستسيغ هذا.
فـ«إسبيرانيس» مملكة ضئيلة، لا تبالي بعالم الشياطين المتربّص بالبشر. لا وزن لها يُغري بابتلاعها، بل إن محاولة غزوها لا تورث إلا نزيف الجنود، بلا ثمرة تُجنى. حتى أنا نسيت وجودها.
بعبارة أخرى، لو ظلّت ساكنة لما بلغها شرّنا، حتى بعد أن نُحكم قبضتنا على عالم البشر.
"دعمُ المرتزقة لدولةٍ يطؤها الشيطان، يُفهَم منه أنّكم أعلنتم الحرب على عالم الشياطين."
إن تحرّكتم على هذا النحو تغيّر وجه الحكاية.
وكيف أتعامل مع «إسبيرانيس»؟ تبسّم «ريـمِمبر» بخواء، كأنّه استشفّ من خاطري فكرة إزاحتها من الوجود.
"أذلك ممكن؟ إنّ «إسبيرانيس» لم تزل على الحياد: هكذا كانت في الماضي، وهكذا هي الآن، وهكذا ستظل."
"أترى هذا حيادًا؟"
"سيدي هارت."
كان لقبًا غريبًا، ليس «سدي» ولا ما اعتدت سماعه.
توقّف «ديون» على غِرّة، وحدّق فيه. ابتسامة الشيخ مطبوعة بخطوط العمر، لكن كلماته خرجت حادّة، مغايرة لنعومة صوته.
"إسبيرانيس سيف."
"..."
"ولا أحد يلوم السيف."
"...أفهَمتُ."
ضحك «ديون» بخفوت، وقد ذكّره هذا بصلابة الأمس. أجل... يوم كان يتأرجح بين الإمبراطور وملك الشياطين، استند إلى مثل هذه الحجّة ليبقى حيًّا.
ولم يسأله: من أين علم؟ فقد خبر قدرات «ريـمِمبر» من قبل.
بل نظر مباشرة في عينيه الفضيّتين، وكسر الصمت:
"إذن تريد منّا أن نغضّ الطرف عن «إسبيرانيس» ما دام في هذا الموضع؟"
"إن نطقتَها بلا مواربة... فنعم."
"آسف، لكنّ هذا لا يصلح."
"..."
"لقد أخطأتَ يا «ريـمِمبر». ما قلته محض لغو، بني على أساسٍ فاسد."
ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيه.
"ذلك إنْ كان السيف بلا صاحب... وأنت رفضتَ عوننا بالمرتزقة."
فإن لم يكن السيف في يد صاحبه ليحميه، فمصيره أن يُكسَر.
تنفّس «ريـمِمبر» زفرةً خافتة، وعينيه على الألق الأحمر المتأجّج. لقد توقّع هذا المشهد.
وبنبرة فيها أسًى:
"...كما توقّعتُ إذن. لمَ يعسر عليكم أن تتغاضوا عن سفسطة شيخ؟"
"فلنا نحن أيضًا موقفٌ لا نملك التنكّر له."
"أأنت ماضٍ في هذا حتمًا؟"
"نعم."
"فعجّل، وأرني ما تبقّى من أوراقك. لن أغضب، وإن خسر «هو» هذه المرّة."
ابتسم «ديون» بمرارة.
وكأنّ «ريميمبر» لم يقوَ على احتمال نظراته، فأردف كلامه بحذر، إذ بدا الأمر شديد الحساسية، وكان من النادر أن يلحظ أحد هذا القدر من التأنّي:
"أليس من العدل أن تترك لنا السبيل، وقد استرددنا جسد أخيك؟"
"...!"
اتّسعت عينا «ديون». وما هي إلا لحظة حتى اتّسعت حدقتاه فرحاً، وارتسم على فمه بريق ابتسامة مشرقة. كلّ قلق «ريميمبر» ذهب هباءً.
كان شعوره طاغياً حتى كاد يخنقه. فالفرح أيضاً يزهق الأنفاس.
أطبق «ديون» عينيه كمن يوشك أن يموت من شدّة السعادة، وتنهد بصوت يقطر أسى:
"...أخيراً."
وانحدرت دمعة مباغتة.
''لقد كان «ريميمبر».''
هو من أعاد جسد أخي.
أمعن «ريميمبر» في وجهه مليّاً، بينما راح «ديون» يضحك بفخر.
لم يكن شيئاً يُستعمل اعتباطاً، بل سُمّي "إصلاحاً". قال إنّه تكبّد عناءً عظيماً حتى يعثر على الجثمان بعد أن نُقل، ولم أستطع أن أغضب، إذ أعلم أنّه لو تُرك وشأنه لتحلّل وابتلعته الغربان قبل أن تصل «ديڤيلانيا» إلى المكان.
كنت أنوي أن أستخدم ذلك ورقةً في المفاوضة الآن، لكنّه كان خطّة مدروسة دفعتُ بها عمداً.
"أكنتَ على علم؟"
"لم أكن أعلم، لكنني توقّعت. وذلك قريباً فحسب."
توقّعت ذلك بعد أن قرأت تقرير «ديڤيلانيا» وهي تتعقّب جثمان «كرول».
إذ تداخل موضع التتبّع الذي انقطعت خيوطه مع القصر الذي كنت أنزل فيه. عندها خطر ببالي رجل واحد.
الخادم العجوز في القصر، ذاك الذي يتصرّف وكأنّه يعلم كلّ شيء.
كانت مجرّد ظنون، لكنّي ركنتُ إليها وإلى حدسي، وغامرت أمام الشيطان. ولحسن الحظ، أصابت.
"فما جوابك؟"
"...الموضع..."
خرج صوته مرتجفاً، كريح تتسرّب من نافذة.
عانق الصندوق الخشبي بين ذراعيه بقوّة، ثم أطبق فمه لحظة، وسعل خافتاً، وقال بما يشبه الإقرار:
"أين هو الموضع؟"
"سآخذك إليه حالاً."
أخرج «ريميمبر» لفافة وأدوات تضميد من تحت الأريكة، ونهض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد مسافةٍ من السير، بلغنا موضعاً عند تخوم الحدود.
رأى «ديون» قمةً صغيرة، عند الفاصل بين الليل والنهار، فالتفت إلى «ريميمبر» صامتاً. كأنّه قرأ في عينيه السؤال واللوم، فأجابه في الحال:
"إنّ «هارت» يتنقّل بين عالم البشر وعالم الشياطين، لذلك اخترتُ مكاناً أستطيع أن أرقبه منه أينما كان."
"لكن، قد تهجم الوحوش..."
"لقد وضعنا حاجزاً. لا نستطيع استخدام البشر لنقيم فريقاً محكماً، ولا نستطيع أن نصدّ الشياطين، لكن يكفينا أن نصدّ الوحوش الهائمة بلا عقل."
"...أشكرُك."
أربعة أعمدة خشبية تنتصب حول القبر، كأنّها أركان الحاجز.
وبينما يلوح في الأفق سيف مكسور أمام القبر، يقترب «ديون» بخطوات هادئة، ثم يركع.
"إنه سيف «كرول»..."
وكيف يخفى عليه؟
ذاك السيف الذي قبض عليه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. نظر إليه، فتدفّقت إليه ذكرى تلك اللحظة الحالكة، فشدّ على فكّيه حتى كاد يطحن أسنانه.
"ليس الآن..."
لم يأنِ أوان الانفعال. صرف عينيه عن السيف، ووجّه بصره إلى شاهد القبر.
"...لماذا هذا الشاهد خالٍ؟"
نصب قائم، لكن لا نقش عليه.
أنزل الصندوق بجانبه، ومدّ يده يتحسس الحجر الأملس. جاءه صوت من خلفه:
"لأنّ هذا العجوز لم يُمنح الحقّ في النقش."
"...الآن فهمت."
سؤال طالما حيّره، انكشف سرّه. رفع يده عن الحجر، والتفت إلى «ريميمبر». العيون القاسية تبرّقت بعاطفة صافية.
"كنتَ تنتظر هذا اليوم لتُطلعني على موضع قبره."
لهذا تُركتُ وحيداً في القصر، لا أنيس فيه.
ظللتُ أتساءل طيلة الطريق: لِمَ بقي هنا؟ ألم يكن الأجدر أن يغادر منذ أن ساءت الحال بلقائنا «إلپيديوس» والتحاق المرتزقة؟ لم يكن ليجهل أنّي آتي إلى القصر.
"ولكن لِمَ تكبّدت ذلك؟"
فـ«كرول» غريب بالنسبة إليه.
ابتسم «ريميمبر» في وجه العيون المتسائلة:
"إن لم أكن أعلم، أكان يسعني أن أتجاهل جثمان رجلٍ بذل روحه فداءً لغيره، وهو مطروحٌ بلا حرمة؟"
"...ما دام لا مزيد من التدخل، فلن أمسّ «إيسپرانس» مهما جرى. أخي..."
كانت كلمات مباغتة، لكن «ريميمبر» ــ وقد أدرك أنّها صيغة شكرٍ مقنّعة ــ آثر الصمت.
ثم خرج صوت عميق، يختنق بالحزن:
"لقد وهبتَ «كُلّ شيء» من أجلي. فالشكر واجب، وإلا صار عطاؤك هباءً."
"كنتَ أعظم ممّا ظننت."
لم تكن "الحياة" فحسب. هزّ «ريميمبر» رأسه موافقاً، وقد فهم المعنى.
بل إنّ صوت «ديون هارت» كان يقطر باللوم الذاتي والازدراء للنفس: "من أجلي؟ ما عساني أقول؟" لكنه تجاهل.
"فأيّ كلمات ستنقش على شاهده؟"
"...قلتَ إنّه «أهلية»."
"نعم."
ابتسم «ديون» ابتسامة حزينة:
"أتراني أملك الأهلية لأملأ شاهده بنقش؟"
"إن لم يكن الذي أراد حمايته حتى النفس الأخير، فمن سواه يكتب؟"
"..."
لا جواب.
أدار «ديون» رأسه إلى القبر، مدّ يده يلامس العشب المهذّب أمامه، وتمتم:
"العشب... أأنت الذي رعاه أيضاً؟"
"نعم."
"...لن أزيدك شكراً، فقد وفيتُ بما وجب. لكن، لي سؤال؟"
"تفضّل."
"لمَ تركت الأمر على حاله؟ أهناك سبب خفيّ؟"
زهرة وحيدة تفتّحت في صميم القبر.
إنها الزهرة نفسها في غرفتي. زهرة غريبة من عالم البشر، حيّة نضرة، لا يُعرف لها أوان ذبول.
"لم أعرف الزهور قط... لكنني أراها تتراءى لي كثيراً هذه الأيام."
ولم أرَ سوى نوع واحد. عندها قطّب «ديون» جبينه.