من فرط وضوحه لا يسعني أن أقول: مررت به ولم ألحظه. يستحيل أن يخفى عليّ، لا سيّما إن كان "ريميمبر" قد اعتنى بالعشب ورتّبه على ذلك النحو.
وكما كان متوقَّعًا، أجاب "ريميمبر" على الفور، كأنّه كان يعرف الجواب سلفًا.
"ليست المسألة أنّنا لم ننظّمه، بل أنّنا لم نفلح في ذلك. كنتُ كلّما اقتلعته عاد ينمو من جديد. بل إنّه يزهر طوال العام. لا يبدو كزهرة عاديّة."
"...."
لقد أزهرت على قبر "كرول". ولو أنّها لم تذبل بسنّة الطبيعة أو بيد "ريميمبر"، فلا بدّ أنّ لذلك سببًا خفيًّا.
وخطر لـ"ديون" خاطر أنّ لهذا شأنًا به، مجرّد شعور لا دليل له، غير أنّه كان كافيًا.
أحسّ بخشونة العشب ولينه معًا تحت كفّه. وحين أفاق من غفلته وجد يده اليسرى على القبر، تمتدّ نحو زهرة.
"...!"
وما إن لامست أناملُه أطرافها حتّى تهاوت كسرابٍ توهّمته العين. جُمّد "ديون" في مكانه. بدا لـ"ريميمبر" أنّه مأخوذ بظاهرة غريبة، لكنّ الأمر لم يكن كذلك.
كانت الزهرة تنطق.
"مِتُّ بلا ندم. سأنتظرك مطمئنًّا، وأرجو أن تحيا أنت أيضًا بلا ندم."
"... ماذا."
لم تكن وصيّة تحثّه على الحياة، بل كأنّها تُدرك حال "ديون هارت" فاقتصرت على رجاء واحد: "أن يحيا بلا ندم".
نظر "ديون" إلى موضع الزهرة متحيّرًا. كان الأمر غريبًا، حتّى إنّه لم يُبقِ وراءه أثرًا، حتّى خُيّل إليه أنّه توهّم كلّ شيء.
صفعة!
"أمعقول؟"
صفع خدّه بيده، ومسح الموضع الذي قامت فيه الزهرة.
أدرك بحدسه أنّ الأمر لن يتكرّر هنا ثانية.
إذن هذه الزهرة... لم تزهر طوال العام إلا لتُبقي على تلك الرسالة، وتواصل نموّها حتى وإن اقتُلعت.
كلّ ذلك لأجلي.
''قوله إنّه مات بلا ندم، لم يكن إلّا ليحول بيني وبين جَلد نفسي.''
وأن لا يصرّح بذلك مباشرة كان الخيار الأصوب، إذ إنّي لم أغفر لنفسي بعد. فلو أنّه أفصح عمّا يريد بلا التواء، لكنتُ أشهرتُ سيفي على نفسي.
كان ثمّة ما ينبغي الإشارة إليه. مسح "ديون" العشب براحة يده، وتمتم بصوت مبحوح، كأنّه يكلّم صدره المضطرب.
''الزهور الموضوعة في المزهرية عند نافذتي... لعلّها هديّة من أخي.''
قال "هين" إنّه قطفها من قبر عند أطراف الحدود. ولو أنّ "هين" – الذي لا يشغله سوى النباتات المفترسة – أراد جلب زهور من عالم البشر لأجلي، لالتقط أنواعا شتّى ليصنع باقة بهيّة، لا زهرة واحدة متواضعة. فالأمر لم يكن من محض فكر "هين".
ألم تقل إنّ زهرة واحدة استرعت انتباهك؟ لا ريب أنّ سرًّا لا يُفسَّر بالعلم قد تدخّل هنا.
"العجيب أنّني لم أعرف الكوابيس في تلك الغرفة."
وحتّى إن باغتني الكابوس بادئ الأمر، فإنّ نورًا أبيض كان يطرده قبل أن يبلغ ذروته.
وقبل كلّ شيء، هناك ما قاله المحارب "كاسيوس" يومًا:
[حين طُردت من الكابوس، أُمرت أن أنقل رسالة إلى شخص ما.]
[الرجل ذو الشعر الأسود والعينين الخضراوين أرسل سلامه.]
"آه... حقًّا."
أطرق "ديون" برأسه حتّى لامست جبهته القبر، وهو يهمس منحنياً:
"ما زلتَ تحميني."
رجوتُك ألا تفعل.
"فماذا عساي أصنع بك، وأنت تحرسني حتى في موتك؟"
غير أنّ كرهه لنفسه لم يتعاظم كما توقّع. وراح "ديون"، وهو يفرك جبينه بخشونة العشب، يقول كلامًا عجيبًا في صوت خفيض أقرب إلى المزاح:
وانبسط في الجوّ جوّ مريح، كأنّ شمس الربيع قد غمرته.
"إن كنتَ ميّتًا... فارقد بسلام، يا أخي."
حين كنت صغيرًا، كنت أتسلّل خفية لأنظر إلى أخي، المشغول بتدريب الوراثة. كان يُرفع بسرعة ويُنقل إلى مقعد في زاوية الغرفة.
كان ذلك في منتصف الليل حين عجزت عن النوم. أتذكّر كيف تقلبت طويلًا، ثم خرجت إلى الرواق أتمشّى. ولمّا رأيت نور غرفته لم يُطفأ، دخلت.
كان يدرس إذ ذاك. مشغولًا بأمور شتّى نهارًا، ثم يسهر طويلًا ليله، فسألته متى يستريح. وما زال "ديون" يذكر جوابه ذاك:
"يقولون أنّك تنام حين تموت."
"فماذا إن لم أنم بعد؟"
وكما يظلّ الطفل طفلًا في عين والديه، فقد كنتُ في نظر أخي الأكبر – الذي أراد إنقاذي – طفلًا أُلقي في لجّة ماء.
لكنّني رغم ذلك بلغتُ، وصرتُ رجلًا منذ زمن. أنا الآن في أواخر العشرينات... فماذا إن بقيت على حالي؟
"... ريميـمبر."
ناديتُ الذي ظلّ واقفًا خلفي طيلة الوقت.
"لقد اخترتُ شاهدة القبر."
"إن أخبرتني فسأنقشها في الحال..."
"لا. لا حاجة لذلك."
تناول "ديون" عودًا خشبيًّا قريبًا.
فبعد أن صار محاربًا، وتعلّم ضبط قوّته في مواجهة الإمبراطور، غدا قادرًا أن يشقّ الصخر بالبيضة. لا يدري إن كان ذلك بفضل ضبط القوة أو بكونه "بطلًا"، لكن أيًّا يكن، فليس عسيرًا أن يحفر في الصخر بعود خشب.
جرّب أن يخطّ بخفّة على الأرض، ثم قال:
"سأتولّى النقش بنفسي... فهل لي أن أطلب من "ريميمبر" جثمان أخي؟"
كي يكتمل جسد أخي.
ودفع برفق الصندوق الخشبي الذي كان إلى جانبه.
كما توقّع... الصندوق لم يكن إلا رأسه.
ــ أليس فيه فساد؟
ــ لا بأس بي. ما أريده حقاً أن أسأل عن جسد أخي... هل هو بخير؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ أتُبصر التميمة المعلّقة عند أسفل الجذع؟ إنّها تُبطئ الفساد. وضعتها تحسّباً لعودة باقي الجسد... ولعلّ ذلك كان صواباً."
كأنّه كان مهيّأً لهذه اللحظة... "ريميمبر" تناول المعول المائل على جذع قريب.
ــ أرى أنّ هذا يكفي.
ثم أخذ "ديون" العصا الخشبية، محا بها الكتابة عن الأرض، ومدّ كفّه إلى شاهدة القبر. ويده الأخرى تتحرك بحذرٍ أشدّ.
وانساب في الفضاء صوتٌ هادئ، كأنّ الصمت هو من أطلقه:
ــ أرى أن يكون هذا القبر على الطراز الجنوبي إعداداً لهذه الساعة؟
ــ ألسنا قادرين على ترك الجسد حتى يعود ما تفرّق منه؟ ذلك استخفاف بحرمة الموتى.
فقبر الشمال يُحفر عميقاً، يوارى فيه التابوت بالتراب، ثم تُنصب الشاهدة. أمّا هنا، فقبرٌ جنوبيّ، تُكوَّم تربته نصف كروية الشكل.
في الأصل، القبور الجنوبية تُوارى فيها الأكفان تحت الأرض. غير أنّ هذا التابوت وُضع فوقها، وأُهيل عليه التراب ليُستخرج بيسر. فإذا عاد الجسد كاملاً... حُوِّل حينها إلى قبرٍ شمالي.
وبقوة لا تليق بعجوز، هُدم الرَّجم سريعاً، وانكشف التابوت. وما إن صرير الغطاء انفتح، حتى رفع "ديون" رأسه وتوقف عن الحفر.
ــ آه...
تنهيدة خرجت من لا مكان.
رأيت جسد أخي مُمزَّقاً، كصورة من ذاك الزمان. ثيابٌ ممزقة، وطعنات سيوف ورماح. وفوق ذلك...
أغمضت عينيّ قبل أن ألمح موضع الرقبة المقطوعة.
وكان "ريميمبر" قد فتح غطاء الصندوق الخشبي كأنه يصرف وعي "ديون"، ثم استخرج من حزامه خيطاً فاتح اللون وإبرةً، وسأله:
ــ ماذا تنقش على الشاهدة؟
ــ عبارة قرأتها في كتابٍ كان لأخي، وأنا صبيّ.
كنتُ أظنّه كتاب علم، فلما عجزتُ عن اللغة، أشار إليّ أخي على الكلمات، يتهجّاها، ويقرأ معانيها. آنذاك ظننته يتعلّم لنفسه، والحق أنّه كان يرفق بي.
ــ أريد أن أنقش تلك العبارة.
خرجت كلماته بعد طول صمت.
ولم يعلّق "ريميمبر"، اكتفى بقطع طرف الخيط المعقود، ووضع الإبرة. ثم قال بصوت رقيق، خالٍ من أي اكتراث:
ــ حسن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دوّى خشخشة كأنّها حركة منشغلٍ بأمر. لم أنظر، لكني علمتُ ما يفعل من الصوت. عندها سأل "ديون"، وقد توقف بعد أن نقش بعض الحروف:
ــ ماذا يفعل "ريميمبر" في الحقيقة؟
كنتُ قد أخذت معي ضماداً ولفائف، وإن لم أعلم ما في الصندوق، كأنّ ذلك أمر طبيعي.
سؤالٌ أرهقه. فالتقط "ريميمبر" الضماد من يده، وقال:
ــ إنّه وسيط مرتزقة أوفدته مملكة "إسبرانس".
ــ قد عرفنا ذلك من قبل.
ــ لكن الفريد أنّه من بيتٍ نبيل رفيع.
ــ نَبيل؟!
ــ كان الابن الثاني لدوق. غير أنّ ذلك لم يعد يعني شيئاً.
ــ أجل... لم يعد.
لم يُفلت "ديون" الخيط من بين يديه:
ــ إن كان من آلٍ نبلاء، فلا بدّ أنّ له نفوذاً واسعاً بين الوسطاء.
ــ ...
ــ الدوق نفسه صاحب صِلات واسعة، فكيف يُفسَّر أنّ له هذا السطوة فحسب؟
ــ لا أظنني أحتملُ الجواب. إلى متى تعذّب شيخاً مثلي؟ على أي حال، فهو الركن الأهم بين الوسطاء الموفدين إلى الإمبراطورية.
ــ إذن...
ــ لقد اكتمل استرجاع الجسد صحيحاً. أتودّ أن تراه؟
...
وتردّد "ديون"، لكن رأسه استدار دون وعي. وهناك... مسجّى بكماله، يرقد "كرول هارت" في آخر أيامه.
ــ أخيراً...
شُدّ جسدي من طول الانحناء عند الشاهدة، فنهضت متثاقلاً واقتربت من التابوت. كلما دنوتُ، تجلّت ملامح "كرويل" أكثر. وجهه كما كان في حياته، لا فرق إلا في رباطٍ يطوّق عنقه.
طال الأمر كثيراً... وانكمش وجه "ديون" كأنّه يبكي.
ــ كرول...
تراجع "ريميمبر" بخطوات صامتة. أمّا "ديون"، وقد أزاح وجوده من وعيه، فتمتم:
ــ أخي...
ما بين ما أعددتُ نفسي له، وما شهدت عيني، بونٌ شاسع. فأغمضت جفنيّ ببطء، وأرخى الظلام ستاره. ومن بين أنفاسي خرجت كلمة غير مرتقبة:
ــ سامحني...
كما في المرة الماضية... اعتذاري دوماً وليد اللحظة.
لم أقصد أن أقولها. كنت أريد التحقق من سلامة جسده، ثم أغلق الغطاء وأهيل التراب ثانية.
"سامحني... سامحني..." رددتها حتى غصّ لساني. ثم عضضت طرفه، وابتلعت الكلام.
مددت يدي المرتجفة إلى وجه "كرول". كان بارداً، بلا حياة. لم أرَ فيه وحشة، بل حزناً عميقاً.
ــ قال أخي إنّه مات بلا ندم... فكيف سمحتُ لروحي أن تغمرها الحسرة؟
أتراني حقاً... نفاية لا تُصلح؟
لن أسألك لمَ أنقذتني. ولن أقول: ألم يكن أجدر أن تدعني أهلك مع قاتل أسرتي، ذاك العبء الذي كنتُه؟ لأنّ في ذلك نفيٌ لحياتك ومماتك معاً.
ــ غير أنّي، كما قلتَ يا أخي، سأعيش حياةً بلا ندم.
أدين لك بالشكر... لأنك لم تُرغمني على العيش، وأنت الذي كنت تملك الحق. أذعنتَ للموت من أجلي، ومع ذلك لم تفرض عليّ الحياة. وها أنا أختنق بجميلك، إذ لا يزال إحسانك يلاحقني حتى بعد أن غادرت الدنيا.
"لِمَ لم أبصر هذا وأنت حي؟"