"صِغَرُ السّن ليس عذرًا يُحتجّ به. هنالك ذنوب قد تُغفر ما دام الجهل غطّاءً لها، وأخرى لا شفاعة لها في العمر ولا في الطيش. أمّا أنا، فذنبي من الصنف الثاني."

"ولأنّي خاطئٌ تامّ، فقد صار لزامًا عليّ أن أفيَ بأمنياتك. ولهذا أنا شاكر، إذ لو أردتَ الحياة ما كان لك بدٌّ سوى أن تتبعني."

مسح برفقٍ على رأسه وابتسم ابتسامةً مُرّة. "سأحيا كما طلبتَ، حياةً بغير ندم. فاطمئن يا أخي."

"لأني بخير."

حتى يحين يوم زيارتي.

"نم هانئًا، واحلم بما تشاء."

خذ قسطًا من الراحة، فلا حاجة لأن تُصدّ الكوابيس أو الأوسام. فأنا رجل، ورجلٌ بالغ. لا، ما زالت بي نقائص تمنع أن أُعَدَّ "بالغًا" كاملًا، غير أنّي وقد بلغت هذا الحدّ، فلن أفرّ من مسؤوليتي كطفلٍ ينوح من ثِقَل حمله.

بمعنى آخر: كلّ هذا لي وحدي، ولا أنوي أن أمدّ كفّي لحيٍّ ولا لميّت.

كانت رائحة الدم تفوح من الجهات كلها. أهي أوهام، أم كانت منبعثة من جسد أخي؟ لم يبالِ، واكتفى بأن مرّر يده على شعره بضع مرّات، ثم رفعها ببطء.

اقترب «ريـمِمبر» في صمت، وأطبق غطاء التابوت.

"سأجعل القبر على الطراز الشمالي."

"أترقّب ذلك."

وجاء القبر بلا كتابةٍ على شاهد الحجر. التفت «ديون» ليمضي في النقش، غير أنّ بصره توقّف عند مشهدٍ خالفه.

أحمرّ كلّ شيء. ولسببٍ ما، بدا له أن رائحة الدم ازدادت شدّة، ولعلّها كانت السبب.

"...هذا هو ثِقْل ذنبي تجاه «كرويل»."

العالم غُمر بالدم.

كان مستوى الدماء عند أخمص الحذاء... فاختبرتُ الأمر، فاعتليتُ صخرةً قريبة. فإذا بالماء يرتفع سريعًا ليلامس قدمي، ثم ينخفض ما إن عادتا إلى الأرض.

شيء عجيب. ابتسم «ديون»، وانحنى يلتقط عصًا خشبية ملطّخة بالدم. دُهش إذ لم يعلَق بيده بلل، كأنها جافة.

عاد نحو الشاهد، وبدأ ينقش بعناية. لم تكن جملة طويلة، وكان واثقًا، ففرغ من الكتابة في وقتٍ يسير.

كانت استجابةً لرسالته التي بثّ فيها قلبه، تاركًا التكلّف وراءه.

["Noli metuere una tecum bona mala tolerabimus."]

["لا تخف، فسأقاسمك الخير والشرّ معاً."]

مرّر بأنمله على النقش الدقيق. نعم... هذا يفي بالغرض. بل هذا هو الصواب.

ذكرى من طفولتي أشرقت في خاطري: يوم كان أخي يترنّم بهذه الجملة. كنتُ أُغمض عيني، فيتابع قراءة بضع كلمات، ثم يحملني بين ذراعيه، فأغفو.

ظننته حلمًا، لكن الآن... ربّما كان واقعًا.

"أنهيت؟"

"...نعم."

"أتغادر بعد أن يتمّ القبر، أم ستذهب فورًا؟"

لم أنوِ الرحيل حالًا. رفع «ديون» حاجبًا ردًّا على سؤال «ريـمِمبر»، وجلس مكانه.

الدم على البشرة، ورائحته الآخذة في التفاقم تثير الضجر، غير أنّ ثيابه لم تتلوّث، فابتسم كأنّه لم يشعر بشيء.

"أظنّ أنّ هذا لقاؤنا الأخير، لذا سأبقى قليلًا. أتقبل أن تكون رفيق حديثي؟"

"وما المتعة في حديث شيخٍ هرِم؟"

"كيف لا يكون مُبهجًا أن تحدّث شيخًا نذر شبابه للزمن، فأعطاه البصيرة؟ ثم إنّك يا «ريـمِمبر» رجلٌ ملآن بالأسرار."

لقد وضع ملك الشياطين تعويذةً على رأس «كرول»، بشرط أن تسترد «إسبيرانيس» مرتزقتها من الإمبراطورية. وإن مضت الأمور هكذا، انحلّ السحر.

''لستُ أدري، أأُلقيت التعويذة على "الرأس" ذاته، أم على "الصندوق الخشبي" الذي يحويه.''

كانت العصي الخشبية منثورة حول القبر، وتحتها تمائم نُقشت لتعويق الفساد. تعويذة وضعها «ريـمِمبر»، نطاقها عام لا خاص. والآن وقد اكتمل جسد «كرويل»، فإن رأسه يدخل في حدودها أيضًا.

سواء وُضعت التعويذة على الرأس أم الصندوق، فقد كنتُ أنوي طلب معروفٍ أخير قبل عودتي: أن يزيل «ريـمِمبر» التميمة في الوقت الذي أصل فيه إلى قلعة ملك الشياطين.

فإن كانت على الصندوق، انفرط حائل الزمن، فعاد الجسد إلى سُنّة الطبيعة بلا فرق بين الرأس والجسد. وإن كانت على الرأس، فسيرفع ملك الشياطين سحره المثبّت للوقت في الموعد نفسه، فيعود الجسد كاملًا إلى الأرض، وتستريح الروح.

"إن كان لا بدّ أن تُلغى..."

ألن يكون أجدى أن نمهل قليلًا حتى نُنهك قوّة ذاك الزنديق أكثر؟

فقد قيل إنّ تعويذة الفساد تمتصّ سحر صاحبها قطرة بعد قطرة. فكلّما طال الأمر، كلّما أُنهك أكثر.

حتى هذه اللحظة، أستقبح نفسي وأنا أُجري الحساب، لكنّي لا أنوي التراجع. وبينما كنتُ أُمسك بشفتي صامتًا، رفع «ريـمِمبر» رأسه من الحفر، والتقت عيناه بعينيّ، وابتسم بطيبة.

"أأنت تُعلن صراحة أنّك تنبش الأسرار؟"

"أليست آخر مرة؟"

"كلمة "الأخيرة" حجّة حسنة. توحي بأنّي مضطر لأن أستجيب لأي طلب."

"..."

"لكننا لم يُفرّقنا الموت، فكيف تجزم بالنهاية؟ إنّ مآلات الدنيا عصيّة على التكهّن."

"إذن هل نفترق حين يكتمل القبر؟"

تظاهرتُ بالأسى وأرخيت كتفي، فسمعتُ ضحكةً خافتة، كأنّي طفلٌ في ورطة.

"يقولون إنك كلما شختَ ازدادت حكمتك... لكنني فيما أرى، كلما شختُ ازداد ضعفي."

"أيُّ ودٍّ هذا الذي يملكه ذاك الرجل؟"

رفع «ديون» رأسه، كأنّه يُحدّث نفسه بارتياح، فيما كان الشيخ العجوز، خادمه السابق، يرمقه بعينيه الفضيّتين المائلتين إلى الزُرقة، تشعّان برفق.

أشرق وجه «ديون» تجاوباً، فابتسم العجوز ضاحكاً.

تذكّر «ريميمبر» ذاك الفتى البطل، الذي كان يتهلّل كلّما داعبته بمزحة.

تذكّره وهو يرفض الدواء مُتذرّعاً بمرارته، وتذكّره وهو يقطّب جبينه متبرّماً حين يضع في فمه حبّة حلوى ليكسر مرارة الطعم، كطفل لم يخلع بعد ملامح الصبا.

وفي اللحظة نفسها، لم يسعه إلا أن يسأله، وهو يعلم أيّ حياة بائسة قد عاش:

"عمّ تبحث؟"

تراءى له أنّ أوان اعتزاله قد أزف.

أما «ديون» فلم يدرِ بما يدور في خلد «ريميمبر» المستهزئ بنفسه، فابتسم في بهجة، وربّت على المقعد بجانبه:

"لا تفعل هذا. اجلس هنا وحدّثني. سأدع القبر لمن جاء به «ريميمبر»."

"...أكنتَ تعلم؟"

"نعم. هو على الأرجح من شيّد القبور الجنوبية التي رأيتها من قبل. فهل يُعقل لشيخ جليل المقام أن يحفر الأرض بنفسه؟"

"..."

ضيّق «ريميمبر» عينيه نحو «ديون»، ثم صَفّر بإصبعه.

ظهر رجل في ثياب سود، يحمل معولاً. ربت «ريميمبر» على كتفه خفيفاً إشارةً، ثم جلس إلى جوار «ديون».

"منذ متى عرفت؟"

"ألستُ أنا من سأل أولاً؟ سألتك: عمّ أبحث؟"

"أرى أنّه أشدّ مكراً ممّا ظننت. لو كنت تعلم باكراً، لكنت أخبرتني، لكنك تركت الشيخ يحفر بنفسه."

"الذنب ذنب «ريميمبر» إذ أخفى الأمر. ثم إنّه قويّ العود، فلا يليق به أن يُدعى شيخاً."

ولم يكن ذاك ليُرهق الجسد كثيراً.

ضمّ «ديون» ركبتيه إلى صدره، وأسند خدّه إلى ذراعه، مبتسماً. فضحك «ريميمبر» بخفوت.

"قبل أن أجيب، أودّ أن أعرف: كم تنوي البقاء؟"

"سأغادر بعد ثلاثة أسابيع. ومع «ريميمبر» طبعاً."

"هه."

"لن يرفضوا عناداً كهذا."

"...عليّ أن أفتّش غرف القصر من جديد إذن."

كان قولاً جريئاً، لكن ماذا في اليد؟ بالأمس القريب كنتُ خادماً لذاك الفتى البطل.

وكان طبيعياً أن يخسر أوّل من يكشف مشاعره.

أغمض «ديون» عينيه في وقار، وقد قرأ الإذن في حديثه:

"والآن، ما دام الكلام نافلاً، فلنشرع في حوار صريح."

"أيعلم هذا أيضاً؟ لقد كبرت حتى ما عدتُ أعرفك."

"من عاش لا يظلّ في مكانه أبداً. وما أريده حوار، لا سؤالاً وجواباً. فلا تُكثر ارتياباً."

ضحك «ريميمبر» بدل أن يرد. معركة ضارية ستمتدّ لثلاثة أسابيع.

"الحوار حسن. فما موضوعه؟"

"لطالما أثار فضولي أمر ما."

منذ أن عرفتُ أنّ «ريميمبر» ليس عادياً، وأنا أتشوّق لهذا السؤال. وإن حانت الفرصة ثم لم أسأل، فذاك غباء.

أغمض «ديون» عينيه برفق، مستسلماً لضوء الشمس المنسكب عليه. وانساب صوته هادئاً:

"هل كان الإمبراطور «إدواردو ديزرت» يعلم حقيقة «ريميمبر»؟"

فالإمبراطور لم يمنحني القصر فحسب، بل بعث معه خدماً لإدارته وتيسير العيش، وكان «ريميمبر» أحدهم.

أكان يعرف هويّته حين أرسله؟ وإن كان، فلِمَ أرسله؟

حدّق في «ريميمبر» بعينين حمراوين ممتلئتين بالأسئلة. عندها تكلّم الأخير ببطء:

"قلتَ إنّه ليس سؤالاً وجواباً... لكن موضوعك حدٌّ كسيف."

"أتغيّر رأيك ثانية؟"

"كلا."

وانثنت عيناه الفضيّتان في ابتسامة.

"على الأقل، لم يكن يعلم بقدر ما تعلم الآن، يا «هارت». كانت صورتي الأولى أمامه أنّني إيسپراني مشبوه مع حارس، ولو رجع إلى الكتب القديمة، لظنّني وسيطاً."

"ولو كان يعلم أنّك وسيط، فلمَ يطلب مرتزقة؟ بل كيف يسمح لمشبوه أن يدخل حماه قبل ذلك؟"

فالإمبراطور السابق، «إدواردو ديزرت»، كان يعزّ سيوفه، أي رجاله الموهوبين.

وربّما يصعب أن أقولها، لكنني كنتُ أحبّ سيوفه إليه. فهل كان ليُدخل عنصراً خطيراً إلى موضع راحتي؟

"لقد اشتهر حياد الإيسپرانيين، ومعلوم أنّهم يغارون على أرضهم. فأيّ إيسپراني يعرّض وطنه للهلاك بمضايقة بطل عزيز على الإمبراطور بلا سبب؟ ومع أمنٍ مضمون، كان كونهم أهل حرب ميزة إضافية."

لكن، ما داموا بشراً، فكيف الضمان؟

وكأنّه قرأ ما في خاطري، واصل القول:

"الإيسپرانيون مملكة منغلقة، والدخول إليها والخروج عسير. فهل يعقل أن تبعث بمَن هبّ ودبّ؟ حتى الوسطاء."

"فهمت."

"وأمّا سؤالك عن سبب عزوف الإمبراطور عن طلب المرتزقة، فلعلّه كان متردّداً، إذ قلّما وردت حالات دعم حقيقية منهم. ثم فوق ذلك..."

خفت صوته، لكنّه ظلّ ثابتاً:

"لا يُمكن لمن يتمنّى الموت أن يسقط في الماء ويبحث عن حبل النجاة."

"..."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انقضت ثلاثة أسابيع كلمح البصر.

اكتمل قبر «كرول» في اليوم الذي بدأ فيه «ديون» و«ريميمبر» حوارهما.

وفي ذاك اليوم، مرّر «ديون» يده على شاهد القبر بعد تمامه، ثم عاد إلى قصره، يعيش في هدوء إلى جانب «ريميمبر». لا أوراق يكدّسها، سوى زيارة قبر «كرول» متى سنحت الفرصة، ولا صحبة إلا ذاك الشيخ. حياتُه لم تتغيّر كثيراً.

وكان «ريميمبر» يجيء أحياناً بأخبار جيش ملك الشياطين، فلا يرفّ لـ«ديون» جفن، سواء حملت الأخبار نصراً أو هزيمة.

"لا يمكن أن يُمنى الشياطين، وقد رُفع عنهم حظر السحر، بهزيمة ساحقة."

فمنذ البدء، لم يكن في نفسه تعلّق بقبيلة الشياطين ولا بجيشهم.

بل من أجل خطّته، كان خيراً أن يُستنزف عددهم. لو ماتوا جميعاً، وتركوا ما يكفي لسحق عالم البشر، لكان الأمر مثالياً. وأعظم ما يعوقه هم قادة الفيالق.

وحين جاءه خبر بأنّ المعركة التي انهزم فيها جيش الشياطين قد انقلبت رأساً على عقب بمجرّد ظهور قائد الفيلق، أومأ «ديون» في صمت.

"لا شكّ... القائد هو المعضلة."

فجأةً، اخترق صوته الساكن فكرَه:

"أتنوي الرحيل الآن؟"

2025/09/26 · 22 مشاهدة · 1459 كلمة
نادي الروايات - 2026