أدار "ديون" رأسه قليلًا وابتسم لمّا وقعت عيناه على "ريميمبر".
"كما توقّعت... حسّك في الدعابة رفيع."
"وما كان لي أن أجهله، وأنت الذي جررتني إلى هذا القبر الذي كنتُ آتيه وحيدًا منذ زمن."
"...."
هو كما قال. آن لي أن أعود إلى عالم الشياطين.
لقد أطلت المقام في عالم البشر. والموعد المضروب للشيطان يوشك أن ينقضي. فمنذ أطاح بالإمبراطوريّة ورجع إلى قلعة ملك الشياطين وألقى عن كاهله كلّ شيء حتّى هذه اللحظة، لعلّ الملك قد صبر طويلًا.
وإذ لم نره ينفجر غضبًا قطّ، فالحقّ أن أعود قبل أن ينفد صبره كلّيًا، لئلّا يطرأ ما لا لزوم له.
وكان "ديون" جاثيًا على ركبة، يمسح بيده الشاهدة، فناداه بصوت خافت:
"هل لي بطلب أخير؟"
"هات ما عندك."
"أريدك أن تزيل تلك التميمة، المانعة للفساد، بعد أسبوع."
"ليس بعسير. كنتُ في الأصل أنوي الرواح من فوري، غير أنّي لا أجد بأسًا أن أبقى أسبوعًا أو يزيد، وسأفعل."
"...."
لقد كان حقًّا عيشًا كالحلم. أغمض "ديون" عينيه برفق.
حياة وادعة تحت ضوء الشمس. كلّ ما اختبرته حتّى الآن كان أشبه بحلم. وفي كلّ مرّة كان يخيّل إليّ ذلك، كانت رائحة الدم النفّاذة التي تملأ أنفي، والدماء المتناثرة على الأرض، تردّني إلى الحقيقة. ولولاها لظننت أنّ ما عشته محض وهم.
غير أنّ ذلك لا ينبغي. قبضتُ كفّي بهدوء.
"لا معنى للهرب من الحقيقة، ما دامت خطيئتي ماثلة أمامي."
لا تفرّ.
قبّلتُ الشاهدة قبلة خفيفة، ثم نهضت.
"ريميمبر."
"نعم."
"أودّ أن أردّ لك صنيعك، ف..."
"إسبرانس لن تتدخّل بعد الآن في الحرب، وسيقتصر دورها على الدعم وفق ما توافَقنا عليه."
قالها "ريميمبر" دون تردّد.
وربّما لأنّ الحديث بينهما قد هدم طبقة من جدارٍ كان قائمًا، أو لأنّها اللحظة الأخيرة فعلًا، خفّت حدّة التوتّر، وانطفأ البريق الغامض في عينيه الزرقاوين الفضيّتين، ليكشف عن صرامة جليّة. وقرأ "ديون" فيها لمحة رقيقة من "الشفقة".
"... شفقة؟"
سُرعان ما أخفاها، لكنّها كانت شفقة لا ريب فيها.
لِمَ أجدها حين أقول ذلك؟ تقلّصت ملامحي بلا وعي إزاء هذا السيل المربك.
لكن "ريميمبر"، وقد قرأ نيّتي من وجهي، لم يشرح، بل ضحك بصمت.
"أحيانًا... ما تجهله دواؤك."
كان عليّ أن أخفيها، غير أنّني زللتُ لحظة، وقد التقطتَها أنت بلا فوات.
عجيب أنّنا لم نُسقط حذرنا، على الرغم من أنّنا تقاربنا ثلاثة أسابيع، وها نحن نفترق، ومع ذلك كان حريّ بي أن لا أنكشف. ومن كان يدري أنّك ستقتنص تلك اللحظة العابرة؟
لعلّ "ديون هاردت" يظنّ أنّ شفقة "ريميمبر" مرتبطة بتلك الكلمات، لكنّه وهم.
فما كان "ريميمبر" سوى شيخٍ أبان عن مشاعر دفينة طالما أخفاها.
ولهذا، لا ينبغي أن تجيبه الآن.
فأيّ إنسان سيسوء حاله إذا علم أنّ صلته بآخر قامت بادئ الأمر على الشفقة.
كيف سيتصرّف "ديون هارت" لو علم؟ في هذا الموقف المتوقَّع، اكتفى "ريميمبر" بابتسامة صامتة.
... خلال الأسابيع الثلاثة التي أقمتُ فيها بالقصر، كان "ديون" قد سألني: لِمَ جئتُ إلى قصره؟
حينها أجبته:
"[صدفة.]"
"[...صدفة؟]"
"[نعم. لقد وقعت عيني عليك مصادفة، وسمعتُ مصادفة أنّ الإمبراطور يبحث عن خادم لقصرٍ سيسكنه أحد أبطال حرب الأعوام الثمانية، فتقدّمتَ أنت، وصادف أن لفتّ نظره.]"
اجتمعت الصدف، فصارت قدرًا.
ومن بين الأبطال الذين أنجبتهم الحرب، لا بدّ أن يلمع نجم البطل الفتيّ.
غير أنّ لقب "بطل" لقب ثقيل، خاصّةً إذا ارتبط بالحرب، فمعناه في آخر الأمر: "كم نفسًا أُزهقت؟"
[كم مشقّة كابدتها، وكم خطيئة حملتها كي تبلغ ذاك المقام؟ بدل أن أعجب بك، رثيتك.
ثمّ صرتُ خادمًا بدافع الرغبة في مراقبتك عن قرب... لكنّ ما كان يستكنّ في أعماقي أنّني أردتُ التحقّق من حال ذاك الفتى المُنهك، الذي شقّ طريقًا وعرًا، ولا يزال سيمضي في درب شائك. نعم، يمكن القول إنّ علاقتنا بدأت بالشفقة.
حتّى وهو "بطل"، شعرتُ تجاهه بالأسى. إحساس ضحل يشبه الرثاء لمتسوّل يموت جوعًا في الطريق، لكنّه كان شفقة على أيّ حال.
فكيف يكون الآن، بعدما ذاب الودّ؟]
"إن كان هنالك سيّد واحد للشياطين، وهو لا يريد أن يتقدّم، فإنّ تحويل البطل إلى عدوّ لن يجلب سوى الخراب. وإن حاولتُ التدخّل، سيُوقَف أمري من فوق."
لقد جاوزتَ أن تكون "بطلًا"، وصرتَ "محاربًا".
اجتمعت الصدف، فصارت قدرًا.
وإسبرانس، التي سبق تاريخها سائر الممالك، حوت كتبًا قديمة كثيرة. و"ريميمبر"، الذي قرأها منذ صغره بفضل امتياز طبقته الرفيعة، صار ببصيرته اليوم يدرك قصد العالم.
ولهذا ما زلتُ أشفق على "ديون هارت". لا أملك سوى أن أشفق عليه.
"...."
ولم يكن ذلك شرحًا لتلك "الشفقة" العارضة، بل كان برهانًا، تلطيفًا، كأنّه يُمضيها كأن لم تكن. غير أنّ وقعها على "ديون" كان مباغتًا حدّ أنّه لم يجد إلّا أن يتجاهلها.
اتّسعت عيناه قليلًا، كأنّه تفاجأ.
"... أو كنتَ تدري أنّني صرت محاربا؟"
"لو شئتَ إخفاء ذلك، لكان عليك أن تحجب مظهرك."
"لم أكن أبتغي إخفاءه في الأصل، لكنّني إن عرفتُ السبب..."
"لأنّ لا جدوى من ذكره."
"ابتسم "ريميمبر" ابتسامةً خفيفة.
كان "ديون هارت" آثماً لا ريب فيه. مهما يكن ماضيه أو قصته، فحقيقة الحاضر لا تُدحض. ولم تكن في نيّتي قط أن أنفي ذلك.
ومع ذلك، رقّ قلب "ريميمبر" العجوز لهذا الرجل، بعيداً عن وزر خطيئته. كان يعينه خفيةً بفتات من العون، ويتظاهر أنّه لم يفعل. وما يكفي المرءَ قليل، فلا حاجة للتصريح.
ــ على كل حال... يبدو أنّك قَلِق. سأؤكّد لك مرّة أخرى: "إسبرانس" لن تتحرّك بعد الآن.
لكن العون الجهريّ محال. فنجدة "ديون هارت" تعني الانحياز إلى جند ملك الشياطين، وخيانة البشر قاطبة. ولو اختار ذلك، لتبرّأت منه المملكة قبل أن تنغمس في التبعة.
لا يجوز أن يكون خصماً. فالمملكة لن توافق، ثم إنّ هذا الفتى الخطر الجالس أمامه قد تسلّل إلى قلبه.
وكغيره من الشيوخ، كان "ريميمبر" يفرّ من المغامرة ويلجأ إلى السكينة. والاختيار كان بيّناً.
"المشاهدة من بعيد."
إنّ الإحساس غير الفعل. وما عساه يفعل رجل صغير إذا كان العالم نفسه قد اختار ديون؟
و"إسبرانس" مملكة الحياد والتغاضي، ومِن بنيها أن يُراقِب "ديون هارت" من على حافة المشهد. جمع جثمان "كرول هارت"، وتحقيق آخر وصايا "ديون"، كان أقصى شجاعة يقدر عليها.
ــ فما الذي ستفعله الآن؟
رفع "ريميمبر" رأسه يجيب سؤال "ديون". لم يكن له خطط واضحة، غير أنّه قال:
ــ "لعلّه ليس سيئاً أن أدوّن كتاب تاريخ."
ــ "كتاب تاريخ؟ ما تعني؟"
ــ "أجل. أليست جميع الممالك إلى زوال عدا إسبرانس؟ فسواء استقرّ جند الشيطان في عالم البشر أو فشلوا أو انسحبوا لسبب خاص... سيكون المُلك له في النهاية. ولن يبقى وقت لتدوين هذا العصر، وإن دوّنّا، فسيُمحى في أتون الحرب. لذا... سأسطره أنا."
ــ "فكرة مدهشة."
لكن ذلك مرهون ببقاء "إسبرانس" في مأمن. صحيح أنّ القائد "ديون" أكّد أنّه لن يهاجمها، لكن لا ضمان أنّ جند الشيطان، وقد داهموا العالم البشري كله، سيتركونها سالمة. كلاهما كان يعرف ذلك، بيد أنّ أحداً لم ينطق به.
ابتسم "ديون" بخبث، يخفّف وطأة الجو المشحون:
ــ "اجعلني بطل الرواية."
ــ "وهل للتاريخ بطل سواك؟"
ــ "فلندع التاريخ جانباً ونكتبها رواية. ألم تقل إنّه تاريخ ضائع؟"
ــ "بل قد يكون لطفاً. سأحاول... لعلّي أُتمّه قبل أن أفنى."
فتبدّد ثقل اللحظة بحدة كلمات "ريميمبر" وهو يتقبّل المزاح عن طيب خاطر.
حلّ وقت الوداع. ألقى "ديون" سلامه الأخير، ثم التفت إلى الشاهدة، فوقع بصره على نقش متقن:
"[Noli metuere una tecum bona mala tolerabimus.]"
"لا تخف، فسأقاسمك الخير والشرّ معاً."
لا يدري متى يعود، وربما لن يعود حتى يوافيه الأجل. لذا سلّم مسبقاً. وابتسم، كأنّه لا يعرف في الدنيا هماً.
"سلاماً عليك يا أخي."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد "ديون هارت" إلى قصر ملك الشياطين.
كان رجوعه قبل تمام الشهر الذي وعد به. عاد خفيفاً بلا متاع، ولم يمرّ بغرفته، بل قصد مكتب الملك مباشرة. غير أنّه توقّف عند "إيد" الذي خرج للقائه.
ــ "إيد."
ــ "نعم، ديون."
ــ "بلّغ "ديفيلانيا": أُلغيت مهمة البحث عن جسد كرول هارت."
ــ "ماذا...؟"
ذاك الجسد الذي جهد طويلاً في طلبه، ورأسه الذي حفظه بجانبه بعد أن أُلقيت عليه تعاويذ تقيه الفساد... كل ذلك صار خلفه.
تفاجأ "إيد" من الأمر غير المتوقع، ورفع بصره إليه. ولم يحتج إلى كثير نظر ليدرك التغيير؛ فقد اختفى الصندوق الذي كان يحمله معه إلى عالم البشر. يداه فارغتان.
أضاعه؟ لو كان كذلك لأصدر أمراً آخر غير الإلغاء. بل لهتف العالم حوله. فهل اكتفى بدفن الرأس وترك الجسد؟ أم جاء ليجمع ما تبقّى من الأشلاء ويفرغها في جنازة كاملة؟
ولأنه أقام في العالم البشري أطول من المأمول، فالراجح أنّها الثانية.
ومضت هذه الخواطر في لحظة، ثم رتّب "إيد" ملامحه، وانحنى باحترام:
ــ "حسناً."
ــ "إذن..."
ومضى "ديون" غير متردد، متوجهاً صوب مكتب الملك. لم يكن متعجّلاً ولا متباطئاً، إنما ثابت الخُطا. سار في الممر المألوف، حتى بلغ الباب، ورفع يده يطرق.
طرق، طرق.
ــ "ادخل."
دخل في التو. وكان الملك على مكتبه، قلمه في يده، يخطّ أوراقاً. ألقى القلم جانباً حين التقت عيناه بعينَي "ديون"، وانحنت ملامحه بابتسامة غامضة.
ــ "لقد تأخرت."
ــ "..."
ــ "قلتَ إنك ستعود بنتائج خلال شهر. وها قد أوشك الشهر. ولا خبر يأتيني من إسبرانس، كأن لا ثمرة لك."
ــ "..."
ــ "أقصُر بك الوقت؟ إن جاءت النتائج صالحة، أمنحك زمناً أطول. فما رأيك؟"
ثم أطبق الملك كفيه، أسند ذقنه، وحدّق فيه بابتسامة ماكرة.
فابتسم "ديون" بدوره، وأجاب:
ــ "فشلت."
لم يدم التصريح سوى لحظة، لكنه كان وقحاً جريئاً، جعل ملك الشياطين يعجز عن النطق.