"ألم أقل لك إنها مقامرة؟ هذا كان التدبير منذ البداية."

قضية المرتزقة في إسبيرانس ليست سوى طُعم فارغ، وإن كان "ريممبر" قد حصل على جسد كرول، فهي مجازفتي الخاصة، إمّا أن تنجح أو تخفق.

"لا، حتى وإن أخفقتَ فستنال ما يساوي ثمنك، لذا فغريب أن تُسمّى مقامرة."

إن أخفقت المغامرة، وتراجع ملك الشياطين عن السحر، كنت أنوي أن أطلب من ريرينيل أن تحفظه.

رفع ديون طرفي فمه بابتسامة خفيفة.

"لا حرج لو أُزيل السحر. آسف."

"ها... آهاهاها!!"

لم يخطر لي أنك ستقدم على فعلٍ فظٍّ بهذا الوضوح. ملك الشياطين الذي انحنى رأسه وارتجفت كتفاه لم يستطع أن يمنع نفسه فانفجر ضاحكًا.

ولهذا لا أستطيع أن أُفلت من ديون هارت. إن شعرت بالملل فسيصنع لك متعة من تلقاء نفسه!

جنونٌ متأصّل في من عاش دهورًا في ملل لا يبلغه بشر، انعكس في عينيه الممتلئتين بالبهجة.

"لقد وجدت جسد كرول هارت! الجسد عاد سليمًا كما هو. كنتَ تعرف ذلك قبل أن ترحل، أليس كذلك؟"

"...."

كيف تجرؤ أن تعبث مع الشيطان؟ إنّه لشيء يبعث على الجنون من شدّة ظرافته.

أطبق أصابعه بفخر، وأي بصير مثل ديون هارت كان سيدرك ما يعنيه ذلك. تبسّم ملك الشياطين.

"لقد تمّ السحر كما أردت. والآن وقد بدأ الزمن الذي أمسكت به يتدفق من جديد، فكل شيء سيعود إلى نظامه الطبيعي."

"...."

"لا أدري إن كان ذلك لأني لم أفكر باحتمال تتبع القبر ونبشه أو تهديده، أم لأني آمنتُ فحسب..."

رمقتُ ديون بطرف عيني. عينان حمراوان ثابتتان في هدوء.

ضيّق ملك الشياطين نظره على تلك النظرات الباردة الخالية من أي انفعال.

"إن كان إيمانًا مبنيًا على ثقة، فهو الجواب الصحيح."

"...."

"ذلك أنني كنتُ ضعيفًا أمامك دومًا."

كنتُ أُعزه حين لم يكن سوى لعبة شيقة ومثيرة للاهتمام قبل أن يقع بين يديّ، فكيف بي الآن وقد صار بين قبضتي وبات محارباً؟

ماذا لو كان، إلى جانب أهليته ليكون معلّمًا، قادرًا على أن يهب مثل هذا المتعة؟

"لقد جعلت الأمر ممتعًا، فسأتغاضى هذه المرة أيضًا."

لم يكن أمامي خيار إلا أن أتجاوز.

ثم إن ملك الشياطين ليس بالضعف الذي يجعله محتاجًا إلى قبر كرول هارت. ولأنه لم يكن ينوي فعل أمر سخيف كهذا أصلًا، فقد مال بظهره إلى مسند الكرسي باسترخاء يخفف التوتر.

أومأ ديون بهدوء. ظلّت هيئته صفيقة كأنها أمرٌ طبيعي.

"شكرًا لك."

هذا ما كنت أتوقعه، ولهذا لم يهتز حتى حين سمع أن القبور تُنبش.

الإمبراطور السابق إدواردو وملك الشياطين يبدوان نقيضين كاملين، غير أن بينهما شبهًا غريبًا. لعلها سِمَة الملوك؟

المرء إذا جلس في مقامٍ رفيع وامتلك قوّة طاغية، لم يحتج إلى فعل قبيح. فما دام واثقًا أنه قادر على سحق خصمه أو معاقبته متى شاء، فلا حاجة له بعمل دنيء مثل نبش القبور.

''أمر مؤسف... لكنه نافع لي.''

أنا غاضب لأنه تجرأ على التحدّث عن قبر أخي، لكن لا يمكن أن أبدي ذلك.

خفض ديون جفنيه، وكان لون عينيه كعينيّ ذاك الآخر الأخضرتين.

''الموقف واحد... فلا ينبغي أن تنفجر غضبًا بتهور.''

فديون هارت بطل، وملك الشياطين ملكٌ، ومهما بدا الجو مرحًا أو هادئًا فلا بد أن تحتدم تحته توترات خفية. أتراك تثور غضبًا في مثل هذا الوضع؟

ذلك لن يجلب إلا حذرًا زائدًا لدى ملك الشياطين، وربما قاد إلى معركة حياة أو موت في التوّ.

يمكنك أن تصبّ غضبك لاحقًا حين تقتله. حتى ذلك الحين اجعل الغضب شكاوى متفرقة وتذمّرًا يبعثر ما بداخلك. وملك الشياطين يعلم أن الوضع الآن كالوقوف فوق جليد رقيق، لذا سيتغاضى عن معظم ما يجري كما فعل للتوّ.

''...لا داعي للقلق، فأنت تظن أن زلاتي وغروري ممتعة.''

رفعت بصري بلا قصد، لتتلاقى عيناي مباشرة مع عينيه كأنني كنت أحدّق إليه طوال الوقت.

بعد صمت قصير، بدا أن ملك الشياطين تذكّر أمرًا، فأطلق تنهيدة "آه" وأطبق أصابعه.

"الاجتماع سيُعقد حالًا."

"...ماذا؟"

"انتهت فترة الاستراحة، أليس كذلك؟ لقد وعدت بذلك بلسانك."

وبما أن الوعد قد قُطع، فبمجرد أن انطلق ديون هارت نحو عالم البشر عقب إتمام السحر، كان ذلك إعلانًا لوقوفه في الصف الأمامي. لذا لم يكن غريبًا أن يحضر اجتماعًا فور عودته.

نظر ديون بصمت إلى ملك الشياطين المبتسم، ثم أطلق تنهيدة باهتة.

"حسنًا. سأمرّ بغرفتي وأتهيأ."

لقد قطعنا شوطًا بعيدًا من عالم البشر إلى هنا. شعر من حيث لا يدري بإرهاقٍ شديد، وتمنى لو تمدّد على السرير ليستريح حتى يحين الاجتماع. لكن، إذ كانت الطهارة من الراحة، دخل ديون الحمام ما إن عاد إلى غرفته.

ثم خرج مرتديًا رداءً، تناول منشفة كأن الأمر بديهي، ألقى نظرة إلى دان الذي كان بانتظاره، ثم جلس متراخيًا على الكرسي وقد أحاط ظهره بذراعيه. فبدأ دان، الواقف خلفه، يمسح شعره بالمنشفة.

وسط الصمت المطمئن سُمع صوت رخيم:

"هل ألقيتَ وداعك الأخير كما ينبغي؟"

"...أجل."

كلمة مفاجئة وقصيرة، لكنها مفهومة.

ومن الغريب أن دان لم يلحظ غياب الصندوق الخشبي الذي كان ديون يلازمه دومًا. أغمض ديون عينيه وابتسم في كسل.

"حين دخلت الغرفة، وجدت الزهرة قد ذبلت تمامًا."

"ماذا؟ إنها ذابلة قليلًا، لكنها ما تزال حية..."

أطبق "دان" فمه بعد أن فرغ من تفحّص المزهرية قرب النافذة.

قال متنهّدًا: "...إنه حقًا... أشعر وكأنني أعايش أمورًا فوق الخيال منذ أن تبعت السيّد."

أكثر عجباً من وجودك في قرية يحكمها كاهن أو عرّاف.

بدت الحياة فيها حتى هذا الصباح، لكنني أتساءل متى ذبلت وانطفأت. أمام ناظري زهرة جفّت وتناثرت بتلاتها، فهالني المشهد، حتى إنني أمسكت بالمنشفة التي جفّفت بها شعري واتجهت إلى النافذة.

ولمّا لمستُ بقايا الأوراق الخشنة على حافة النافذة، جاءني صوت "ديون" هامسًا:

"لقد أغمضتُ عيني أخيرًا."

انظر إليهم؛ ذبلوا كأنهم قد قضوا رسالتهم. ولعلهم استسلموا، فلم يروا ضرورة لصدّ الكوابيس أو الوسوم.

ابتسم "ديون" ابتسامة مُرّة؛ فرح لأن أمانيه تحققت، وحزين لأن الزهور وهنَت.

قال متنهّدًا: "ستبدو النافذة فارغة."

فأجاب "دان": "لقد ذبلت، يجب أن ننظّفها... غير أنني سأدعها إن أراد السيّد."

قال "ديون": "لا حاجة لذلك."

إنما هو شعور بالفراغ، لأن شيئًا كان هنا وغاب.

وفجأة توقّفت أصابعه عن النقر على الطاولة.

قال: "لعلّنا نطلب من (هين) ذلك النبات العجيب من عالم البشر."

{م.م: آه بالمناسبة، معليش، كانت شخصية هين دايما لغز بالنسبة لي لو هي ولد أو بنت. ولما رجعت أقرأ المانهوا (الفصول الأولى)، لاقيت الترجمة على أنها بنت. إذن بشير لها بضمير هي.}

"...هاه؟"

"فهو من ذات السلالة."

لقد وارى القسوة الثرى. والدليل أنّ الزهور جفّت، وتلاشى الدفء.

زهور ذابلة... مجرّد أطلال لا معنى لها. فلا داعي لملء النافذة بشيء مات.

لذلك خطرت له فكرة: أن يستبدلها بذلك النبات الغريب الذي قدّمته "هين" مرارًا هدية. جذره من نفس أصل تلك الزهرة.

وإن بدا كوحش، فلن يذبل سريعًا. هنالك شعرتُ بالراحة، فدندنتُ لحنًا خفيفًا، لكنّي أحسست بنظرة لاذعة.

قال "دان": "بالحديث عن النباتات الغريبة... أسيّدي، هل صارت أذواقك عجيبة؟

أتودّ أن تبحث في عالم البشر عن زهرة جديدة كلما ذوت؟ أم تكتفي بذلك النبات الغريب؟"

ثم ضحك قائلاً: "في الحقيقة، إنه ذوق حسن. مَن غير السيّد يُدرّب نباتًا كالوحش؟"

أطلقتُ همهمة لحنية، وقد زال عني ثقل النظرة. وبينما "دان" يسرّح شعري المبتل، فتح فاه قائلًا:

"هذا اللحن؟ مِن «موعظة الموت: لا تخطئ»؟"

قلت بدهشة: "أتعرفه؟"

ابتسم: "إنه نشيد شعبي قديم، يُعرف في أرجاء القارّة."

قلت: "كنت أعلم أنه قديم... لكن لم أدرِ أنه بهذه الشهرة."

تذكرتُ كلماته، فغلبتني الضحكة، وعدت أدندن به أكثر.

فالعالم ممتلئ بالخطّائين أكثر من الأبرياء، فما جدوى لحن ينهى عن الذنب؟ وماذا عن أمثالي؟

ساد الصمت. ثم قاطعنا طرق مهذّب على الباب.

"أنا إيد يا ديون. جئتُ لآخذكما."

قلت: "...آه، الاجتماع. ادخل."

دخل "إيد" يقودنا إلى القاعة، فتوقّف مذهولًا، إذ رأى "ديون" لم يرتدِ ثيابه كاملة بعد، فصاح مرتبكًا.

خطوة!

لم أتعجّب، فهو لا يرفع صوته عليّ. فاتكأ ديون برفق كأنّه ينتظر.

وواصل "إيد" توبيخه لـ "دان": "قُرب ميعاد الاجتماع، ولم تجهّز ثيابه بعد؟"

فأجاب "دان": "آسف. لكن ألا يجدر بنا أولًا تحضير ثياب السيّد؟"

زفر "إيد" ضيقًا، ثم ناوله بعض الثياب.

بعد أن انتهى "دان" من تمشيط الشعر، قال متفكّرًا: "لقد طال شعر السيّد."

"حقًا؟"

"نعم، يمكن ربطه."

قلت: "حقًّا، مؤخرة رقبتي صارت مكتومة... لم أقصّ منه سوى الغرّة."

سأل "دان": "أتريدني أن أقصّه لك؟"

قلت: "لا وقت. اربطه فقط."

تردّد قليلًا ثم قال: "لكن... ليس معي رباط. هل عندك شيء؟"

قال "إيد": "لهجتك متعجرفة."

لكنه خلع رباط عنقه وأعطاه له.

قال "دان": "سأجرّب."

فأحسن ربطه. وحرّك "ديون" ذيله المنخفض بتردد، ثم قال:

"لا تتبعني. اذهب إلى (هين) وخذ منها النبات. هدية رددتُها... لكنها ستعطيك إيّاها."

ثم أضاف: "وانتظر أمام قاعة الاجتماع."

"نعم."

وغادر "دان"، بينما التفت "ديون" إلى "إيد": "تقدّم."

يبدو أنّ ملك الشياطين لم يصل بعد.

وما إن دخل "ديون"، وتفقّد المقعد الأعلى، حتى دوّى صوت ارتطام. فالتفت، ليجد أعينًا بريقها ساحق تتقاطع مع نظره.

2025/09/27 · 52 مشاهدة · 1330 كلمة
نادي الروايات - 2026