لا أفهم لماذا تفعل هذا، لكن ليس في نيتي أن أموت مطيعًا.

الأسلحة ممنوعة في قاعة الاجتماعات، فلا خنجر هنا، وكون الخصم رأسُ سلالةٍ ما يشكل مشكلةً أخرى، لكن بما أنه ليس من لطف أن يترك من يحاول أن ينتزع حياته، قبض ديون قبضتيه بعزمٍ على أن يواجهها عن طيب خاطر.

{م.م: على فكرة أنا ما أعرف لو زعيم مصاصي الدماء ذكر أو أنثى، ولكني قاعدة أترجم على أساس أنها أنثى على أي حال.}

لحسن الحظ لم يحدث الأسوأ.

"لحظة!"

"أبعدوا عنّي هذا!"

"اهدأ!"

"لماذا تعيقون طريقي!"

تدخل ملكُ الجنيات ورئيسة قبيلة الحوريات لاحقًا وأوقفاها على عجل. أظافرٌ حادّة كالسكاكين شقّت الهواء دون أن تبلغ غايتها.

"يكفي إخفاؤه حتى الآن! لا تعيقوني! علينا أن نتخلص منه قبل فوات الأوان! أنتم تعلمون—"

حكَّت زعيمة مصاصي الدماء وجهَ ملك الجنيات كما لو أنها متأججة من سلوك من حالوا دون تقدمها.

إن لم يَسحب ملكُ الجنيات رأسَه بسرعة لَما بقي من وجهه شيء؛ لكان قُطعَ، وربما لَمات.

شعرتُ بأن أحدًا يجلس بجواري ارتد. كانت حركة بسيطة لا تكاد تُلاحظ، لكن ديون القريب والمحارب استطاع أن يدركها.

كان قائد الفيلق الأول، جايكار، ينظر إلى ملك الجنيات بوجهٍ لا بَيانَ عليه.

بدقة: الندبة على وجهه.

"...."

رفع ملكُ الجنيات يده وتمّسح بالجرح على وجهه. صار بصره باردًا وهو يتأمل الدم على أصابعه.

"...إنه منحط."

"ماذا؟!"

"قلنا إنه منحط. إن كان شهوتك وطبيعتك دنيئتين، ألا ينبغي أن تكون سلوكياتك أرق؟ وبالرغم من محاولاتِ التوقيف المتكررة، تهرولُ من تسمَّى برئيسة سلالةٍ كمهرةٍ هائجةٍ لا تفهم ما يجري. إن لم يكن هذا منحطًا فما هو إذًا؟"

"...أترجو الموت؟"

"هذا ما أقصده."

استمرّ شجارٌ لا معنى له بين القادة. ولم ينفع نداء زعيمة الحوريات لِلتوقّف.

يا له من جنونٍ في قاعة مؤتمرٍ ليست لك! استرخيتُ قبضة يديّ وأصبحت أراقب المشهد مع قليلٍ من التوتر، فإذا بزعيم الأقزام الذي لا أدري متى دخل يصرخ إلى جانبي وهو يلوّح بقبضته في الهواء.

"قهوة مثلَّجة! يا للخسارة! كان ينبغي أن تلوّح أكثر إلى اليمين هناك! هكذا! أوه إنهم جنيات أيضًا. أنت رشيق!"

"...."

"هل هناك مرطَّبات هنا؟"

"...حسب علمي لا يوجد."

"يا للأسف... آه! تلك دخلت في محلها! هل أنت بخير؟!"

...هذا هراء.

لا أدري لكن أظن أني بدأت أضجر.

حسنًا...الخطأ من الذي دخل وحاول قتلهم أولًا. لم أفعل شيئًا خاطئًا.

مال ديون إلى الخلف على كرسيه، شعر بالإرهاق رغم أنه لم يفعل شيئًا يذكر.

لحسن الحظ لم يطل الضجيج.

حينها، بينما كانت زعيمة مصاصي الدماء التي تفجَّر دمها على شفتها على وشك الانقضاض نحوي وهي مظهرة لأنيابها، قال:

"...أظن أن من الكفاية أن تحتملوا هذا القدر. إلى أي مدى تنوون الفوضى وأنتم تجهلون سببها؟"

ضغطٌ مخيف كَبَت الهواء.

انحنى قادة الأفواج الذين نهضوا للالتزام بالحراسة برؤوسهم إلى الملك، وسقط مُحرضو الشغب على ركبهم غير قادرين على الصمود أمام الضغط.

كان ملكُ الشياطين، الذي بدا تعابيره قد ذابت، ينظر إليهم بازدراء.

"هؤلاء الذين يُدّعون قادةَ سلالةٍ واحدة يغزون مركزَ سلالةٍ أخرى ويثيرون الفوضى بنيةِ قتلِ بشرٍ واحدٍ."

"...."

بدا على بعضهم مظلومية. أما ديون، الذي كان يفحص تعابير كل قائدٍ، فهزّ كتفيه في سره.

حسنًا؛ سيكون من غير العدل أن يوقفه من تبعه.

"لكن ملك الجنيات قاتل معكم. لماذا تبدون غير منصفين؟"

صحيح أني أثرتُ ضجيجًا فلا يحق لي أن أشتكي. ومن بينهم الوحيدة التي يمكن تبريرها هي رئيسة قبيلة الحوريات.

وتابع صوتٌ باردٌ كأنه سيشقّ الصقيع في أي لحظة:

"ما هذه الوقاحة؟"

قوّم ملكُ الشياطين جسده الذي كان مائلاً على الكرسي.

حاول أن يرى إلى أي حد يمكنه المضيّ ولم يَنِج. مال بجسده إلى الأمام وتكلّم همسًا.

"ليس هذا ما سمحت لكم به للدخول إلى الحديقة المركزية."

كيف وصلوا إلى هذا المكان؟

لا حاجة للتفكير. إذ قدّمت لهم الإذن الشيطانَ ذاته.

في الحياة يَحين الوقتُ لا محالةُ حيث يتعيّن على رؤساء جميع السلالات أن يجتمعوا. حتى لو صار هو رأسَ كل السلالات فالأمر يقتصر على خمسةٍ فقط، إذ يعترف فقط بالسلالات الذكية بما يكفي لخوض محادثاتٍ سياسيةٍ ومعارك.

من الطبيعي ألا تُناقش القوة. فـ"الأفراد" لا يُعتبرون سلالاتٍ، وحجم "الجماعات" يتحدد بذكائها لا بقوَّتها الخالصة. لذلك فهم ذوو فطنةٍ عاليةٍ وسيكونون أقوى السلالات في الهاوية—

ماذا لو اندلعت حربٌ بينهم؟

سيتزعزع الاستقرار الهشّ.

الهاوية وجدت في حالةِ فوضى طالت. ولعدم رغبتهم في فقدان السلام الذي عملوا جاهدين لاجتِدَاه، اتفق رؤساءُ كل السلالات الذكية على حل نزاعاتهم عبر التفاوض، وما نتج عن ذلك كان "حق الدخول" الممنوح فقط للرؤساء.

حقُّ الدخول إلى مركزِ إقليمِ كلِّ قبيلةٍ حيث يقيم الزعيم.

هذه ميزة تسمح للجميع بالاجتماع بسهولة، لكنها تمنحهم أيضًا سلطة التحكم في حياة بعضهم ومراقبتهم.

لا يُسمح إلا لـ"الزعيم" بالقدوم، ونقطة الوصول ثابتة، ومصمَّمة بحيث يُبعث إشعار فور زيارتك إلى صاحبِ المنطقة، لكنه على أي حال في المركز. يقول الناس إنه سلّم قلبه.

في البداية وافق ملكُ الشياطين بدافع الفضول والاهتمام بالأسلوب الجديد، لكن مع مرور الزمن وتغيّر رؤساء السلالات عدة مرات، بدأ تدريجيًا يحاول الانسحاب. لأنه واثق من فوزه حتى لو حول كلّ ثلاث سلالاتٍ أخريات إلى أعداء. ومع تبدّل الأجيال تولى الصغار مقاعد القيادة. يا لها من مفارقةٍ مُضحكة.

ومع ذلك، عدم إلغاء هذا النظام كان نوعًا من الرحمة.

لأنني وجدتُ شيئًا جديدًا وممتعًا في ذلك الركن الممل. ينبغي أن يكونوا شاكرين لديون هارت.

...لكن.

ما الذي يفعلونه إن حاولوا قتل من يجدر بهم أن يكونوا شاكرين له؟

"عليكم أن تشرحوا لي هذه الحادثة حتى أفهم."

كلما زاد الكلام كلما بردت أحشائي.

كما يبدو من الجو، ملك الشياطين في مزاجٍ سيئ للغاية الآن. بصراحة، كنتُ قليلا—غاضبًا.

لابد أنني بدوتُ سوقيًا لدرجةٍ أنهم هاجموا قاعة المؤتمر وقتلوا القوات الأساسية أمام الجميع. وهو أمرٌ يهتم به بشكل خاص.

"...أقتله فقط؟"

حياةٌ تنبض في النظرة. ولما كاد ملك الشياطين يفرقع بأصابعه أسرع، تلعثمت زعيمة مصاصي الدماء المذعورة وفتحت فمها على عجلٍ كأنها استشعرت نذيرًا.

خرج صوتٌ أكثر اعتدالًا كأنها عادت إلى رشدها بفضل غضب ملك الشياطين البارد.

"أنا... سمعت معلوماتٍ خطِرة."

"...."

"أودّ أن تتعاونوا قليلًا لمنع انقراض الشياطين."

وفي نفس اللحظة لم يكن من الضروري أن أسأل لأعرف مقصدَ نظراتها إلى ديون هارت.

«الانقراض». ارتفعت رؤوس قادة الفيالق بصدمة عند ظهور كلمة أثقلت الجوّ أكثر من المتوقع. لم يفتح ملك الشياطين فاه على الفور، بل حدّق فيها صامتاً.

شعرت زعيمة مصاصي الدماء، وهي لا تزال ترى لنفسها حقّ الكلام، بالمضي قدماً.

"أعتذر لدخولي دون اتباع الإجراءات المتعارف عليها. تصرّفت بعاطفةٍ جياشة بعدما سمعت أمراً لم أكن أرتقبه."

"...ماذا سمعتِ؟"

"أن جيش ملك الشياطين لا يكتفي بتدمير الإمبراطورية فحسب، بل هو يتحرّك بنشاطٍ لغزو العالم البشري، وفي مركز هذا كله إنسان... وذلك الإنسان بطلٌ..."

"أتعلمين هذا الآن؟ الأخبار عندكم بطيئةٌ جداً."

"في الأصل لم أكن أهتمّ بالعالم البشري... كانت هناك ظروف."

مرّ بصر أحمر عابرٌ على ملك الجنيات وزعيمة الحور.

لمدةٍ وجيزة لوحظت في عينيه لمحة غضب. لا أدري لماذا، لكن بدا أن هذين القائدين يغطيان وجهيهما ويسدّان أذنيهما. أمال ملك الشياطين رأسه برباطةٍ.

"إن لم تكوني مهتمة بالعالم البشري فابقي ساكنة. فلمَ أتيتِ حتى هنا وأحدثتِ هذه الفوضى؟"

ما معنى «انقراض»؟

مهما علت حماستكِ، لم يكن ينبغي أن تنطقوا بها هكذا بلا مبالاة.

أجابت زعيمة مصاصي الدماء تحت نظرة ملك الشياطين المشحونة بالريبة.

"لأن كل هذا حدث بسبَبِ «شخصٍ واحدٍ»."

تحوّلت العيون الحمراء صوب ديون هارت. نظر ديون إلى تلك العيون فشعر بعاطفةٍ غريبةٍ لا علاقة لها بالحديث الدائر.

لهذا السبب كانت نظرية أن «ديون هارت هو مصاص الدماء» تتردّد حينما كنت في الإمبراطورية. اللون شبيه بلا ريبّ بعينيّ.

لوّح ملك الشياطين بيده بعد صمته.

"...ينتهي الاجتماع هنا."

كان هذا أمرًا صريحًا لتوديع الضيوف.

تردّد قادة الفيالق الذين كانوا على حافة العصبية قبل لحظات، فلم يبرح بعضهم مواقعه بسهولة. وانهارت تردداتهم عندما قام القائد الأول جاكار بالخطوة الأولى.

رمق ملك الشياطين وملك الجنيات ديون بنظرة ثم انحنى وأسرع ليفتح الباب. ثم، كما لو عاد إلى وعيه فجأة، اندفع القادة الآخرون خلفه.

بعد خروج دان وتركه وراءه نظرة قَلِقة، لم يبقَ في قاعة المؤتمر سوى رؤساء الأجناس، بمن فيهم ملك الشياطين وديون هارت.

ركّز ملك الشياطين بصره على زعيمة مصاصي الدماء مرة أخرى.

"بسبَبِ شخصٍ واحد؟"

"نعم. لا أعرف كثيراً، لكن أستطيع الاستدلال. منذ وقت ليس ببعيد سمعت أن ذلك الشخص جُلب إلى قلعة ملك الشياطين وهو على شفير الموت. لو وصلتني الأخبار فستعني ضجةً كبيرة وبفضل ذلك عرفت مدى اهتمامكم أيها الشياطين بذلك البشري."

"...."

"ثم اندلعت الحرب ضد الإمبراطورية بعد ذلك بقريب. إذن السبب واضح، أليس كذلك؟ لا بد أن هناك تأثيرًا كبيرًا من قِبل من يُقال إنهم يهتمون به. لكنّني، بصراحة، ظننت أنهم يكتفون بالادّعاء ويتوقفون. لأن ذلك ما عهدته في ذاكرتي. لذا أطفأتُ اهتمامي..."

ثم رمقت بنظرةٍ حادة ديون هارت.

"كنت أظن أن أفعال ملك الشياطين ستتوقّف عند حدّ ما يذكر به البشر ويحضّهم على الحذر منه إلى أن يولد بطل؛ وأن النتيجة لا تتغيّر كثيراً، سوى أن تُضاف لتتناسب مع نقاط قوة وضعف اللعبة."

لم تتقدّم أكثر من ذلك منذ زمنٍ بعيدٍ لا أتذكره؛ استرخَت زعيمة مصاصي الدماء بسهولةٍ كبيرة.

لكن الأمر لم يكن كذلك.

"لم يكن لأن ملك الشياطين رغِبَ بالتحرّك مباشرةً، ولا لأن الرأي العام لدى الشياطين اتّجه لذلك. حدث ذلك بسبب شخصٍ واحد فهل من العيب أن يكون الأمر هكذا؟"

"لطالما طمَعَ الشياطين في الشمس."

"إن اشتدّت تلك الرغبة فجأةً بسبَبِ شخصٍ واحد فستُشكّل مشكلةً. وبالإضافة إلى ذلك ذاك الشخص 'بطل'؟"

"حسناً."

"لا أفهم."

أنتَ تملك عدوّك الأكبر تحت قيادتك. أليس هذا أشبه باحتضان قنبلة؟

لا أفهم سبب حماية زعيمة قبيلة الحور وملك الجنيات لها. فهل ثمّة في ذلك إنسانٌ فعلاً؟

التفتت زعيمة مصاصي الدماء واقتربت من ديون. ارتفعت عيناه على نحوٍ طفيفٍ أمام الحركة غير المتوقعة، فرفع ذقنه وفحصها ببطء.

في النهاية تكشف العيونُ الكثير. وما وجدته في تلك العيون الحمر الشبيهة بعيني قومها لكنها مختلفة بوضوح، كان شرارة.

"لديك عينان جميلتان. كأنهما نارٌ مشتعلة."

يبدو أنها صغيرة لأنها مطوية، لكن اللهب يحترق أقوى من أي شيءٍ آخر.

"بعد كل شيء أنت شخصٌ خطير."

"...."

على أيّ حال، هو إنسانٌ سيأتي بنتائج سيّئة.

لا أفهم أيضاً أفعال القادة الذين يحموه. مهما أمعنت النظر، لا يبدو سوى شيءٍ يستحقّ القتل.

وبصفتهم قائديْن يرى كلٌّ منهما مجرى العالم ومستقبله، أعلم أنّ وراء حمايتهم سببا؛ لكنّني، كمن يرى الحاضر ويحلّله، لا أستطيع أن أغضّ الطرف إلا إن أخبرتهم بالسبب.

على الأقلّ ستكون الهاوية هادئة لأن العالم البشري صار لعبةً مملةً للشيطان لقتل الوقت. لكن ماذا لو احتل جيش الشياطين العالم البشري؟

"سيصعب التعامل معهم عندما تكبر قوّتهم."

لكنه سبب لا أستطيع البوح به، فسأتركه جانبًا.

حتى لو حماه ملك الجنيات ورئيسة قبيلة الحور فستنتهي المسألة إن قرّر ملك الشياطين قتله. فتحت زعيمة مصاصي الدماء فمها بعد أن رتبت كلماتٍ في رأسها مقصودةً لإقناع ملك الشياطين.

"هل يمكنك أن تضمنَ أن هذا الرجل لن يغيّر رأيه؟ هو بطل لا مثيل له. هو نَقِبُ الشياطين."

في الواقع هذا جزءٌ من سبب رغبتها في قتل إنسان يُدعى ديون هارت.

إن تغيّر رأيه فسيهلك الشيطان، وفي الوقت ذاته تضعف قوّة الشياطين. وإن حدث ذلك سيأتي البشر إلى هنا وكنتيجةٍ لذلك ستبتعد فصيلتنا كثيراً عن العيش بسلام.

لا طريق أمام البشر ليتجاهلوا اكتشاف جنسٍ غريب لا يعرفونه.

"في اللحظة التي يدير فيها هذا ظهره سيكون كارثةً للشياطين."

"هذا كلّ شيء..."

"لماذا أنا؟ هذا صحيح."

"...."

"هل ظننت أنك إن أوقفْتني دون إخباري بالسبب سأطيع؟"

أغلق ملك الجنيات فمه.

لقد بلغ الأمر هذا الحد فلا أقدر أن أصمت. تبادل نظرة مع زعيمة قبيلة الحور.

لأنه أمام ملك الشياطين وديون هارت، ما يمكنهم قوله محدود للغاية، فكان هناك سبب واحد جعلهم يختارون أن يقولوا ما قالوه.

"...ألا تودّون العيش تحت الشمس؟"

"...ماذا؟"

تشوّهت ملامح زعيمة مصاصي الدماء كما لو لم تصدق أذنيها.

لمس جبينه للحظة ثم خفض رأسه. ثم ارتعشت كتفاه. خرج ضحكٌ أجوف.

"في النهاية كان هذا هو السبب...!"

ما تلك السنة التافهة؟

أدركت أنّ الشياطين الذين طالما طمَعوا بالعالم البشري فعلوها في المحصّلة لهذا السبب. ما زلت لا أعرف نوايا الشياطين لكن ربما لهذا أمسك برأس قبيلة الحور عني.

لأنه يريد أن يعيش تحت ضياء الشمس الدافئ لا تحت ضوء القمر البارد.

"لا أفهم لكن فهمت السبب."

ارتخى وجه ملك الجنيات قليلاً.

نظر اليه ذلك، وانحنت زعيمة مصاصي الدماء وهي تبتسم، مشحونة بلمسة من الأصابع على حافة فمها. كانت جرحًا من قتال مع ملك الجنيات قبل قليل.

"لكن ماذا سنفعل في هذا الشأن؟ فصيلتنا لا علاقة لها جيدةً بالشمس."

"...أنت."

"أتذكر ما قلت يا سيد الشياطين؟ ذلك الشخص خطير."

قبل أن أكمل انحنى ملك الجنيات ونظرت عيناه إلى تلك الزعيمة البلهاء التي خاطبت ملك الشياطين.

"كأنك تحضن قنبلة قد تنفجر في أي لحظة. لا مبالغة إذا قلت إن البشر جنسٌ ميالٌ للخيانة فربما ينقرضون. فلماذا لا تقتلني هنا والآن؟ إن لم ترغب في اتساخ يديك فسلمه إليّ."

سأتولّى الأمر.

"...هذا ممتع."

ضحك ملك الشياطين وهو يستمع إلى كلّ الملاحظات وذقنه مرتكزٌ. ثم نهض.

يُقال أهوال عن هذا الشخص المسؤول. يقولون إن عليّ أن أقتله أو أسلمه.

حتى لو تهشم الجسد فربما يصلح، أما العقل فلا. فما الحكمة في إعلان كهذا ليزيد الضغط على رجلٍ هشٌ نفسياً؟ ثم إن تكسر فماذا يَبقى؟

تقدّم متأنياً واقترب من مصاصة الدماء الشرسة وقال ساخرًا.

"في النهاية إنهم وضعوا كلاماً براقاً لحماية ألا تتزايد قوة الشياطين فقط."

"...لكن ليست كذبة أن عيني ذلك الرجل...!"

"صه."

حتى هناك.

غطى ملك الشياطين فمها بخفة وهي ترتفع بصوتٍ محرجةٌ ثم ابتسم.

"نعم، أظنها ليست بكذبة. لكن هل يجدر بك التصريح بمثل هذه الأمور بلا احتياط؟"

'...تحت.'

تجلّى ضحكٌ قصير تحت راحته كما لو أحسّ بشيء. وببطء أزاح يده فتلفتت به بهدوء وقالت:

"أنت علمت."

رفع ملك الشياطين زاوية فمه وابتسم بفخر. ذلك بديهي.

لا يمكن أن تكون بصيرة من عاش أكثر من الجميع أدنى من بصيرتها. فبهمسةٍ دالّةٍ على عدم التكبر والكلام الطائش همس في أذن رَأسِ مصاصي الدماء.

"قلتُ إني سأتولى الأمر فأستطيع أن أسلمه."

"لمن ستسلمه؟"

لمن يشاء.

تحذيرٌ عميقٌ جداً جاء بصوتٍ غائر.

"إنه لي."

من يجرؤ أن يقول هذا أو ذاك بحياتي؟

سواء قتلته أو أبقيته حياً أو رميته فلابد أن يكون خياري. ولا يعني هذا أن على أحدٍ أن يُشجّعك.

كان من المتعجرف أن تواصل الحديث دون أن تعلم النتيجة، لكنّ البهذلة امتدت طويلاً.

"...حسناً حسناً."

ارتعشَت زعيمة مصاصي الدماء عند التحذير الدموي فتراجعت وقد علاها الوجل ورفعت يديها.

مهما أنقذته فهو يبقى إنساناً. ظننت أنه سيكون يسيراً التخلص منهم لأنّ مشاعرهم تجاههم لن تكون كبيرة مقارنةً بالشياطين.

"حكمتُ خطأً. اعذروني. سأنصرف."

كان الاستسلام سريعاً.

ما من سبيلٍ لقتل ديون هارت طالما ملك الشياطين يعلم كل شيء ويحميه. محبطٌ، لكنّ الفجوة بينها وبين ملك الشياطين كبيرة بالرغم من كونهما كلاهما قادة.

فالأفضل الإقلاع عن ذلك الآن والتركيز على الاستعداد. لتستطيع أن تقاوم إن احتل الشياطين العالم البشري أو إن تدفّق البشر إلى الهاوية.

'هناك متسعٌ من الوقت.'

بعد اتخاذ ذلك القرار ووجود بعض الوقت، نشأ لديها فضول.

كيف ستتطوّر الأمور لاحقاً؟ كيف لزعيم الجنيات وزعيمة الحور أن يحيطا بذلك البشري؟

قلتْ: ألا تريد أن تعيش تحت الشمس؟ أردت أن أرى بنفسي المسار الكامل ونهاية استقرار سُكّان الهاوية في عالم البشر.

عندما تراجعت زعيمة مصاصي الدماء، فتَح ملك الجنيات فاه كما لو كان ينتظر.

"...يبدو أن الأمر قد حلّ."

بدا كأنه قد تمّ تسويته بطريقةٍ ما، لكن شعوراً غريباً من القلق دبّ فيه.

من الأفضل أن أعود بسرعة. أسرع ملك الجنيات وفتح فمه.

"لا تتعبني وعد إلى حيث أتيت بسرعة. لقد كنت وقحاً اليوم لسيد الشياطين. هذا لن يتكرر أبداً..."

"إلى أين تذهبون؟"

"...؟"

هم يهاجمون كيف شاءوا ويحاولون الرحيل كما يحلو لهم.

ابتسم ملك الشياطين للّذين التفّوا إليه بوجوهٍ حائرة.

"يجب أن نتأكد من أن نعوّض الأضرار التي سبّبها هذا، أليس كذلك؟"

"...."

"أعلم أنني لن أستريح قبل أن أعوّض."

قد تكونون أحرار عند المجيء لكن ليس عند المغادرة.

2025/09/30 · 31 مشاهدة · 2442 كلمة
نادي الروايات - 2026