وَعَدَ ملك الجان أن يسلّم الأعشاب بثمنٍ أوطأ، وتعهد زعيم الأقزام أن يقدّم السلاح بسعرٍ أقل، أما زعيمة مصاصي الدماء فقد أقسمت أن لا يحمل ملك الشياطين وبقية قومه وزر أي شيطان يعبر إلى أرض مصاصي الدماء. وهكذا تمكنت من الفرار.

كان ملك الجان يمضي بوجهٍ يعلوه التجعد، فتكشّر متأخراً حين وقعت عيناه على زعيم حوريات البحر إلى جانبه.

قال مغتاظاً: "خصمٌ عنيد! لِمَ لا ننال شيئاً من هذا الرجل؟"

فأجابه الآخر ساخرًا: "لأني وحدي لم أغترّ."

صمت لحظة، ثم أضاف: "كنت أنوي أن أجعلها مع مصاصي الدماء فحسب، لكنكم تباهَيتم أكثر مما ينبغي."

واحد منهم يهيج في قاعة المؤتمر كأنما شيطانٌ ثائر، والآخر يصرخ ويشجع كما لو أنه في ميدان لهو.

كيف أغضّ الطرف عن ذلك؟ إن تجاهلتهم حسبوا الأمر هيناً، ولا علاج لذلك إلا أن أُقاتل أعتى مصاص دماء وألقّنه العقوبة.

قالت بصوتها الواثق: "حسناً أني لم أعقد عهدي على شاكلة مصاصي الدماء."

ذلك العهد كان سُمًّا يسري في عروقهم. فإن صَعُب على الشياطين أن يكبحوا قومهم، واندفع هؤلاء إلى أرض مصاصي الدماء، فلن يكون لهم عذر، ولن يفتحوا أفواههم بالاعتراض.

ولئن لم يكن من خُلُقي أن أجهر بمثل تلك الفعلة، فإن احتمال أن تقع "مصادفة" يظل كبيراً. سيذوقون مرارات كثيرة في قادم الأيام.

توقعتُ رداً سريعاً، لكن الصمت أطبق على القاعة. عندها التفت ملك الشياطين نحو ملك الجان قائلاً في سخرية: "أظنكم تدركون كم أنتم مغرورون، أليس كذلك؟"

فتنهد ملك الجان بغيظ: "تِس!"

ثم أدار وجهه وفتح الباب وانصرف. هناك التقت عيناه بعين بشرٍ واقف عند العتبة، لم يكن "ديونهارت"، وإنما رجل آخر. رفع نظره فإذا به أمام شيطان طويل القامة. تشابكت النظرات وساد السكون.

أذنان مدببتان، وبشرة حالكة كانت يوماً بيضاء.

حدّق ملك الجان في شقيقه التوأم، ذاك الذي كان يوماً فخر عشيرته، فإذا به اليوم مسخٌ شيطاني بسبب سحر ملك الشياطين. بان على وجهه تعبير عصيّ على الفهم، ثم قال ببطء: "مضى زمن طويل."

فأجابه الآخر: "نعم."

"هل وجدت في هذا المكان ما يستحق العيش؟"

ظل جيكار يحدّق فيه طويلاً دون أن يطرف له جفن، ثم حوّل بصره وأطرق. طرفت عيناه في خفوت، وأومأ برأسه قائلاً: "أنا راضٍ كل الرضا."

فأجابه أخوه: "هكذا إذن."

مرّت على محياه لحظة عابرة من شعور لا يُسمّى، ثم همس بازدراء: "مقزّز."

ارتسم القرف صريحاً في وجه ملك الجان. أما دان فارتاع من الجو الخانق وتظاهر أنه لم يسمع شيئاً، وانسحب بخفة. غير أن ملك الجان ظل شاخصاً نحو جيكار، غير آبه بخروج دان.

وبينما كادت شفتاه تفرغ بما في صدره، انطبقت على صمته من جديد. نقر بلسانه بضجر، ومضى بجانب شقيقه وقد لفحه هواء بارد. أوحى حركته أن الكلام قد انقطع، غير أن صوتاً خفيضاً تبعه من ورائه: "أظنّك كنت على عَجَل فلم ترَ الحديقة الوسطى حقّ الرؤية."

ظل ملك الجان صامتاً.

"فلتتأملها قبل أن تغادر."

ولم يُجب.

جيكار، قائد الفيلق الأول في جيش ملك الشياطين وذراعه اليمنى. يستعمل السيف بأبسط أنواعه، لكن قسوته في القتال تجعل حدّه يتآكل سريعاً، فيلجأ إلى الاستيلاء على سلاح خصومه.

هذا مما يعرفه الناس عنه.

لكن...

عند مدخل الحديقة الوسطى ذات القباب الزجاجية، حيث وقف ملك الجان ليستعد للعودة إلى مملكته، أغمض عينيه برهة. ربما لأن لقاء الأمس أهاج ذكريات راكدة، فانهال في ذهنه وابل من صورٍ عقيمة.

عشيرة لوّثتها قوى الظلام، وصار وجودها عاراً على جنسها. يده اليمنى سابقاً، وتوأمه الذي صار حقداً مكتوماً، لا يشبه بقية قومه في شيء...

وإذ به يعود إلى الحاضر، يستعيد كلماته الأخيرة: "قلتَ إنك راضٍ بحياتك هنا."

نعم... سمٌّ سرى في العروق.

فهنا، على عكس مملكة الجان، لا يضطر إلى كبح نزعة القتل.

ومذ صار شيطاناً، انقطع ما بيني وبينه. هز ملك الجان كتفيه ليطرد تلك الخواطر، ودلف إلى الحديقة الوسطى. هناك أطلت أمامه مناظر لم يَرَها منذ لَحِق باللعين مصاص الدماء.

"آه..."

توقف في مكانه، عاجزاً عن التقدّم. لم يعرف للاسم الذي يغشى صدره سبيلاً. ظل يرمش كمن خطا إلى عالم غريب.

كانت الحديقة تعجّ بأزهار من عالم البشر... الأزهار الوحيدة التي تأسر قلبه.

أما دان الذي خرج من القاعة بسبب الجو المشحون، فلم يرجع إلى حجرته. خطا خطوات هادئة فوق التراب، وجعل يجمع شتات فكره وهو يتجه نحو ركنٍ كان يوماً ساحة تدريب مهجورة.

لم يكن جوابه أنه سيقف أمام الستار كما لو كان دميةً تُردد ما يُملى عليها السبب الوحيد لقبوله عرض ملك الشياطين. كان ثمة باعث آخر جعله يذعن. لذلك كان يعرف إلى أين سيمضي بعد مغادرته قاعة المؤتمر.

(في الأصل كنت سأعيد السيد إلى حجرته ثم أنصرف، لكنك لا شك تفهم أن الأمر بات سواء.)

أيقن أن الانتظار سيطول، ولا حيلة في الأمر، فما كان ثمة وقت يضيع.

...ولم أفرّ يوماً لأنني ضُيّقت بما لا أطيق.

(لم يحددوا لي موعداً بعينه، لكن قريباً سأقف أمام الجهاز.)

ويجب أن تُستكمل كل الاستعدادات قبل ذلك.

بعيداً من هناك، بدت ساحة تدريب مخصّصة لـ"الكلاب الهوجاء" أو "فرسان العُلا/الأشراف". كانت القاعة تضجّ مجدداً، كأنهم أمضوا اليوم كله يلعبون.

"ذلك الطفل الديرنيفي سخر مني ثانية!"

"أهكذا هو الأمر؟"

...لا أدري ما سرّ وجود تلك الشياطين هنا.

كان "دان" يحدّق في قائدة الفيلق الخامس ومعاونها بوجه يكسوه الذهول، ثم تقدّم بخطوة واقترب من فرسان العُلا. بدا أن الفرسان قد تنبّهوا لقدومه منذ اللحظة الأولى، فاستقبلوه بوجوه باسمة.

"دان!"

"مرّ وقت طويل! لِمَ لا تزورنا أكثر؟"

"كلما قصدناك طردتنا، ولا تأتي إلينا إلا متى شئت!"

"ما هذا الجفاء!"

"أنتم من يُكثر الضجيج...!"

كدت أنجرف معهم.

عقد "دان" حاجبيه، ملأ صدره نفسًا عميقًا، ثم أشار بيده إلى الفرسان.

"هلمّوا، لنجتمع هنا."

"هاه؟"

"ما الأمر؟ أتحمل لنا هدية؟"

"دان يُطعم أحدًا؟"

"أنا خالي الوفاض."

"بل لديك شيء!"

حتى النفس العميق لم يهدئني.

رفع صوته، ثم وضع يده يدلّك مؤخرة عنقه. تمالك نفسك يا دان؛ الغضب هنا هزيمة لك.

مهما قالوا، فقد اجتمعنا أخيرًا، فلنحمد الله على ذلك. حينها يهدأ قلبي.

"...ومع ذلك."

خفض "دان" يده، وألقى ببصره نحو زحام الحشود. التفت الفرسان معه وقد ساورهم الريبة. سرعان ما لمحوا كائنًا متوارٍ بينهم.

كائنا ليس من البشر.

"؟"

رمشت بعينيها المفصّلتين كعيون الحشرات، كل رمشة تخفي لمعانها ثم تكشفه.

كتم "دان" تنهيدة كادت تفلت منه وقال:

"لِمَ قائدة الفيلق الخامس هنا؟"

"قيل إنكم ستجتمعون."

"الدعوة للفرسان وحدهم."

"ولِمَ؟ أليس لي أن أبقى؟"

لم يجبها، بل التفت إلى معاونها.

"ديرنيڤان" الذي كان يحمل الطفل بدا مدركًا لمسؤولياته، فخاطبها فورًا:

"أويل، من الأفضل أن تدخلي الآن."

"لماذا؟"

"حان وقت إرضاع الطفل."

"آه! حسنًا، فلنذهب."

هكذا يكون النائب الماهر، يعرف كيف يتعامل مع قادته.

أشرت له سريعًا بإبهامي تحيةً. لكنه تجاهلني، ومضى في أثرها دون أن يبدّل ملامحه.

أمام ذلك التجاهل هز "دان" كتفيه، ثم التفت إلى الفرسان. وكأنهم أدركوا أنه يتهيأ للحديث، فإذا بهم يصرفون أنظارهم عن الشيطانين المغادرين ويصغون إليه.

لم يترك الصمت يطول، بل همس كأنما يخشى أن يتسرب صوته:

"أما ترغبون أن تفعلوا شيئًا لقائدكم؟"

ـــــــــــــــــــــ

بعد أن غادر القادة الآخرون، بل حتى زعيم الأقزام الذي كان يرمقني بازدراء، التقط "ديون" المكعّب من على الطاولة وأخرج سيجارة من جيبه.

كان مزاجه في الحضيض.

(تقول إن عليّ قتل من أمامي...)

لم تكن إهانة فحسب، بل محاولة صريحة لاغتيالي.

غير أنّي أتفهّم. لم يخطر لهم أن ملك الشياطين يضع البشر تحت جناحه، وهم أعداؤه الأزليّون. حسبوا أن قليلًا من التحريض كفيل بجعله يفتك بي. في الحقيقة كنت أضمر له العداء بدوري، وربما أحسّ هو بذلك، فازداد يقينهم. لم يكن هناك داعٍ للتفكير في مشاعر رجل سيلقى حتفه قريبًا.

ولكن... ماذا نصنع الآن؟

لقد اختارني الشيطان.

(الحمد لله... لو أرادوا قتلي لانقلب كل شيء رأسًا على عقب.)

أنا لست غبيًا، ولن أستسلم للموت.

ترى، هل تدري أن اختيار الشيطان أنقذ حياتها؟ لو أنّ ملك الشياطين حاول قتلي كما أرادت زعيمة مصّاصي الدماء، وانفجر الصراع، لكانت قد سقطت معه صريعة، فلا مجال لإنقاذ من تكلّم بتلك الجرأة في لحظة حياة أو موت. بل لعلهم بدؤوا بقتلها أولًا.

آه... كم يثير الأمر الضيق.

لم تخمد نار الغيظ في صدري، فأشعلت سيجارة بين شفتي.

لم أدخّن طوال وجودي في عالم البشر... أتراني أعود إليها الآن بعد طول انقطاع؟ كنت أهمّ بإشعالها حين امتدّت يد من العدم وانتزعتها.

رفعت رأسي، فإذا بملك الشياطين يلوّح بها مزهوًّا، وعيناه مفتوحتان كمن يتفاخر.

"أدرك أن نفسك مثقلة، لكن الدخان لا يُداويك على المدى البعيد."

"..."

(لا رغبة لي بطول العمر أصلًا.)

وكأنه قرأ ما دار في خلدي من وجهي العابث، سحق السيجارة بين أصابعه وابتسم.

"سيشقّ عليّ موتك قبل أن تحقق غايتك."

ارتفع حاجبا "ديون".

ظاهر الكلام أنه يُقال لـ "ديون هارت"، غير أن المعنى مُلتبس... أهو مقصد الشيطان، أم غاية ديون هارت نفسه؟ وبينما ارتسم الشك في عيني، تابع صوته:

"لعلّك بحاجة لشيء يملأ وقتك... هواية مثلًا."

"..."

"لقد وعدتك أن أعلّمك العزف على البيانو، أليس كذلك؟"

اقترب الملك وهمس:

"تعال معي."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[الخصم.]

[كائن تصنعه الدنيا ليُهلك الأبطال.]

مرّت أصابعه على السطر القصير، ثم أطرق برأسه متفكّرًا.

البطل يُولد ليقتل الشيطان، والشيطان يُولد ليقتل البطل.

فماذا لو اصطفّ البطل والشيطان في صف واحد؟

"..."

لم يُسمع صوت البيانو. رفع الملك يده عن الشعار، ورفع بصره.

تلاقت عيناه بعيني "ديون"، الجالس أمام البيانو بوجه مرتبك.

"أأتممت العشر نقرات؟"

"نعم."

"كاذب. لم تتجاوز الثماني."

"..."

ضحك الشيطان بخفوت، ثم وضع الكتاب جانبًا ونهض عن الأريكة. لمح "ديون" عنوانه:

[عن البطل وملك الشياطين] [المؤلف: كايفر]

ذلك كتاب كنت أطالعه في المكتبة، فانتزعه من يدي. أما آن أن يعيده؟

لم يطل شرودي في أمر الكتاب. فبينما كنت أفكّر في "استغلال السلطة بحجّة الدين"، اقترب ملك الشياطين على حين غرة، ووضع يده على كتفي.

"يبدو أن البيانو ليس هوايتك. ومع ذلك، سرعة تعلّمك تدل على موهبة."

"...لأنني البطل."

"نعم. فالبطل نسيج من المواهب."

"..."

لم أقل شيئًا. أدرت وجهي إلى الأمام، وأرسلت نظري نحو لوحة المفاتيح.

راح يعبث بخصلات شعره وهو يتأمل:

"هناك آلات أخرى كثيرة... لِمَ لا تجرّبها؟ لعلّك تجد ما تهواه."

2025/09/30 · 26 مشاهدة · 1520 كلمة
نادي الروايات - 2026