لستُ مهتمًّا. لقد أنهكني التعب، فليتك فقط ترسلني إلى غرفتي.

ورغم أنّه لا يمكن لرجلٍ مثله أن يعجز عن قراءة ما خطّه وجهي من تعبيرٍ صارخ، تظاهر مَلِكُ الشياطين بعدم الاكتراث، ومشى بخطواتٍ هادئة حتى فتح بابًا في زاويةٍ معتمة.

قال: "اختر ما تشاء. إن راق لك شيء، علّمتك إيّاه."

"...."

شعر "ديون" بانجذابٍ لا يُقاوم نحو ذلك الباب المفتوح، وإلى الابتسامة المرسومة نحوه، فابتلع تنهيدةً ووقف عن مقعد البيانو.

"لِمَ كلّ هذا الهوس بابتداع الهوايات؟ هذا لا يعنيك."

فأجابه: "أذكر أنّ السبب قد بُيّن لك من قبل."

"...أتقول هذا جِدًّا؟"

"أجل. ثمّ تزعم أنّ الأمر لا يعنيني؟ بل له صِلةٌ وثيقة بي. لن تستقيم الأمور حتى تُكسَر روح القوّة الكامنة فيك."

قطّب "ديون" حاجبيه والتفت إلى الغرفة المفتوحة.

كانت تضجّ بأنواعٍ شتّى من الآلات الموسيقيّة: من آلات الشمال المألوفة إلى آلات الجنوب الغريبة. مدّ "ديون" يده إلى قيثارةٍ يعرفها، يُداعب أوتارها، ثم توقّف فجأةً إذ عادت كلمات ملك الشياطين تتردّد في ذهنه.

"...أذكر أنّك قلتَ: إن وجدتُ آلةً تعجبني، فإنك ستعلّمني العزف عليها..."

قال: "وقد قلتُ ذلك."

"أتقصد إذن... أنّك قادر على عزف كلّ آلةٍ في هذه الغرفة؟"

"طبعًا. وكيف أُعلِّم آلةً لا أُحسن عزفها؟"

يا للغرابة! إنها قاعةٌ كأنها مجمع آلاتٍ جُمعت من أطراف الدنيا، أيمكن أن يُحسن العزف على جميعها؟

"إن لم تصدّق، أيسرك أن أعزف أمامك برهانًا؟"

"...لا، أصدّقك. لقد عشت طويلًا، وليس ذلك بمستحيل. لكن... وددت لو أسمع عزفك فعلًا."

"أيّ آلةٍ أو لحنٍ تريد؟"

"لقد سمعتُ البيانو من قبل، فعزف لي على الكمان."

"الكمان؟ عجيب، لم أتوقّع منك ذلك."

ارتسمت بسمة على وجه "ديون".

ألستَ تقول إنك تصدّق؟ صحيح أنّ هذا لا يُصدَّق بمقاييس البشر، لكن الخصم شيطان، والشيطان لا يكذب في مثل هذا، فلابدّ أن أصدّق. وما دمت لا أريد اختباره بل فقط سماع عزفه، فلا حاجة لاختيار آلةٍ صعبة.

لكن اللحن...

"أريد أيضًا لحنًا آخر."

"أيّ لحنٍ تعني؟"

"لا أعرف اسمه. إنما هو نشيدٌ شعبيّ ذائع بين البشر، يحذّر الموت فيه من ارتكاب الآثام. أتدركه؟"

"آه... لحن 'موعظة الموت'؟"

أجَل، يعرفه أيضًا. لم أتوقع أن ينطق باسمه هكذا دون تردّد.

لو قال إنه يجهله، لهممتُ بترنيمه على نحوٍ تقريبي. كنتُ أودّ رؤية ردّة فعل الشيطان أمام كلماته، لكنني أصبت بخيبةٍ يسيرة.

رفع ملك الشياطين رأسه بعد أن ضبط النغم ببضع رنّات، وابتسم.

"أحبّه لأنّه قصير. غير عسير، فسأعزفه لك في الحال."

"...."

يا للسخرية! أليس من الهزل أن يُردّد الشيطان، وهو قطب الشرّ وخصم البشر الأكبر، لحنًا يحذّر من المعصية؟

سواء كان "ديون" ساخرًا أم لا، اتّخذ ملك الشياطين وقفته، ووضع القوس على الأوتار، وبدأ العزف.

(...إنه بارع حقًّا).

رغم بساطة اللحن، يتجلّى فيه نبوغٌ لا يُجارى. براعة يعجز عنها إنسانٌ عاديّ ولو قضى العمر كلّه. مثلما فعل بالبيانو، يثبت أنّه لا يعزف وحسب، بل يبلغ قمّة في كلّ آلةٍ يمسكها.

ورغم أنّ العزف بلا مُنشد، تهادى النصّ إلى ذهن "ديون"، تنساق الكلمات مع النغم، كأنّهما خُلِقا معًا.

تذكّر الأبيات بوضوحٍ حتى أدقّ المواضع:

"في زمنٍ غابرٍ نطق الموتُ وقال:

لا تخطئ. فما إن يحين أجلك حتى تنهار روحك تحت ثِقَل الذنوب. الهلاك دون قصاصٍ مَفرٌّ يسير. وكلّما عَظُم الإثم، تعجلت عاقبته."

{م.م: المفروض الترجمة تكون: كلما عظم الذنب تسارعت عملية التناسخ، ولكن فضلت أغيرها.}

ثمّ... ثمّ...

(أليس هذا الختام؟)

لكن النغم لم ينقطع. بل ظلّ يتردّد ويسترسل، وكأنّ ثَمّة بيتًا آخر، مقطعًا ثانٍ لم أعلمه.

صحيح أنّه أقصر من الأناشيد المعهودة، لكن أطول ممّا ظننته بدايةً. وما دام هناك مقطعٌ ثانٍ، فلا بدّ من وجود أبياتٍ لاحقة... فتطلّع "ديون" إلى ملك الشياطين.

قال الأخير: "ماذا؟"

"...لا شيء. سمعتُك جيّدًا."

"لا تعليق إذن؟"

انحنى ملك الشياطين انحناءةً واثقة مازحة، ثم أدار ظهره ووضع الآلة جانبًا.

وبعد صمتٍ ثقيل، تردّد في الأجواء صوتٌ خفيض كالهَمْس:

"يبدو أنّه لا يهوى العزف، فلأُجرّب معه هوايةً أخرى في المرّة القادمة."

"...أما من خيارٍ لترك الأمر؟ ليس لديّ وقتٌ لإضاعة العمر في هوايات."

"بل يوجد."

"...."

"إن لم يكن لديك، فاصنعه. يبدو أنك واثق بنفسك أكثر مما ينبغي..."

أيها الأحمق. استدار ملك الشياطين، واقترب مطأطئًا شيئًا من رأسه حتى تلاقت الأعين.

بدا وكأنه يحدّق في عينيه الحمراوين المتوهجتين، ثم اختفى بين تقاسيم نظراته. ابتسم بخبث وربّت بإصبعه على صدغي.

"لا يهم كم جسدك قويّ، إن تلف هذا الجزء فكل قوتك هباء. ومهما jكن بطلًا، فإن روحك ليست ملكًا له."

"...."

"أدرك أنك تفخر بكونك غدوت محاربًا، غير أنّ الثقة الزائدة قد تهلكك. مما أراه، فإن عقلك الآن ليس في خير حال."

تحررتُ أخيرًا من الشيطان. كان ذلك لحظة انتظرتها طويلًا، لكن ديون لم يشعر براحة. رغم أن ملك الشياطين تركه بسهولة، بخلاف إصراره الغريب الذي كان يوهمك أنه لن يُخلي سبيله حتى يظفر بشيء.

"أهو يومٌ كُتب لي فيه سوء المزاج؟"

وإذا ما استرجعت حادثة اقتحام قاعة الاجتماع، فبلى... هو كذلك.

ومع ذلك، لا يسعني أن أظل ساخطًا. فكّر ديون وهو يحاول أن يُطفئ نيران نفسه، إذ يدرك أنّ الخاسر هو من يستهلكه غضبه.

"...لنَعُد سريعًا."

فغرفته المألوفة، كأنها ملاذ شخصي، تبعث الطمأنينة وإن لم تكن موئلًا للراحة.

إذن، خير لي أن أرجع وأتمدد على سريري. وحتى إن كان لي عمل، ففراشي أليق به. سيوبخني دان قليلًا، لكن لا بأس، فليقل ما شاء.

بعد أن أسرع في خطاه وصل إلى الغرفة، وهناك لمح شخصًا واقفًا عند الباب.

"إيد."

"سيّدي ديون."

انحنى المساعد الوفي، معتذرًا لعدم حضوره لجلبه.

أكان ذلك سبب انتظاره هنا؟ حدّق به ديون بصمت، ثم اندفع بالكلام دون أن يُفكّر.

"لا داعي للاعتذار... اجلب لي شرابًا."

"...عفوًا؟"

"الكثير."

"ها؟"

"عشرة قوارير على الأقل."

"...أما كان أجدر بك أن تُعاقبني؟ أعتذر... يؤسفني أن أجعلك هكذا يا ديون..."

"قلت لك لا تعتذر. لم ترتكب خطأ."

ارتجّت عيناه حيرةً وصَدْمَةً وشكًّا. بدا ضعيفًا مُستحقًّا للشفقة، غير أنّ ديون تجاهل ذلك كليًا.

لم ينتظر جوابًا، فالأمر مفروغ منه. تجاوزه وفتح الباب، وهناك... التقت عيناه بشيء.

...لا، ما دام بلا عيون، فالأصح أن أقول إنني واجهته.

سائل لزج.

أطلق الوحش أنينًا خافتًا كأنه يسأل: ما الذي تفعل هنا؟ أطبق ديون الباب ودخل شاردًا. رمق النبتة الوحشية بنظرة متشابكة المشاعر.

"...كدت أنساك."

"ماذا؟"

لقد كان يومًا مثقلًا بالهموم.

كنت قد أمرت دان أن يحضر هذا الكائن... أنا من أصدر الأمر، ثم نسيت. ومع ذلك، فالأمر قائم لأن دان نفّذ ما طلبت.

اقترب ببطء من الوعاء الموضوع في مكانه المألوف. ما إن اقترب، حتى انفرج البرعم قليلًا ثم انكمش مطلقًا صرخة صغيرة. تمايلت أوراقه كأنها تحية.

ابتسم ديون ابتسامة باهتة.

"حسنًا... أهلًا."

"يييه."

نبتة غريبة من سلالة الزهرة التي في النافذة، زهرة تأبى الذبول.

وكأن قدري أن أتشبث دومًا بأطلالٍ ليست لي. ابتلعت مرارتي ومددت يدي ألمس البرعم.

"من الآن فصاعدًا، هذا مقامك. فاهدئي."

"ففف."

هل الزهور التي انبثقت منها هذه النبتة في عالم البشر رقيقة الطبع أصلًا؟ أم أنها وحدها وديعة؟ أدرت ظهري وألقيت بتلك الهواجس وراء ظهري.

كان دان قد تسلل، واقفًا كأنه لم يغادر أصلًا.

"أين كنت..."

"يبدو أنك مولع بهذه النبتة. هل منحتها اسمًا؟"

"...."

"أما منحتها حتى اسمًا؟"

"...وما اسمك أنت؟"

أعلم أنني قد أغيّر رأيي، لكنني سأدع الأمر الآن. ضيّق ديون عينيه وأجاب وهو يدير رأسه.

تصرفه حين قبل عرض ملك الشياطين في الاجتماع كان مريبًا، فلا بد أن لذلك صلة.

هكذا هي أحوال عالم الشياطين: إن هم ركزوا أبصارهم وآذانهم هنا، لقطعوا البثّ وأطاحوا برأسه حال تضررت مملكة الشياطين. دان لا يدرك ذلك، لذا لن يتورط في حادث.

"ليس أحمقًا... ترى، أيطعنني في ظهري هنا، في عالم الشياطين؟"

انطلقت ضحكة خافتة، سواء وعى دان هذه الفكرة أم لم يَعِ.

"قلبك قاسٍ."

"يييه!"

"اصمت."

والنبات لم تكن له أسماء من قبل، فلماذا نُسميها الآن؟

بِــنَزَق، نزع معطفه وجلس على السرير.

التقط دان المعطف ببراعة، طواه ووضعه على ذراعه، ثم توقف وحدّق.

"...سمعت أن ريحًا باردة تهب غريبة..."

حيث وقعت عيناه، نافذة مشرعة ينفذ منها البرد.

"ألا تشعر بالبرد؟"

"ليس كثيرًا."

"لكن الأفضل أن تُغلقها. الغرفة باردة جدًا."

مد دان يده ليغلقها، غير أنّ ساقًا خضراء انبثقت فجأة فصفعته، فارتد مذهولًا.

كأن الجميع انفجر بالضحك.

"أحسنت."

"يييه!"

"سيّدي...؟"

اقترب ديون وحمل الوعاء ثم عاد إلى السرير. نقَر البرعم بإصبعه كأنه يثني عليه.

"اتركها مفتوحة. فرائحتها تُصدع رأسي."

{م.م: يمكن يقصد رائحة الدماء.}

"الرائحة؟ لا أشم شيئًا..."

"هكذا الأمر."

ارتسمت على عينيه الحمراوين نظرة حيرة وهو يتأمل الغرفة الملطخة بالدماء.

"الوقت دنا أسرع مما ظننت..."

"...؟"

قطرة...

"هذا أنا إيد، يا ديون."

"تفضل."

انفتح الباب، ودخل شيء غير إيد. ساد الصمت حين لمح عربة مليئة بزجاجات الخمر. شعر بضيق عيني دان عليه إلى جانبه، لكنه تجاهل وتظاهر بعدم الاكتراث.

لم يظن أنه سيحضرها بعربة. قلت: اجلب الكثير، فجاء بالكثير فعلًا.

حدّق في القوارير وهي تصفّ على الطاولة واحدة تلو الأخرى، ثم تمتم:

"لا أظن الطاولة ستسعها..."

"سنضع الباقي على الأرض."

"آه... حسنًا... شكرًا لتعبكم..."

أيدٍ مرتدية قفازات بيضاء راحت تنقل الزجاجات بخفة. استعاد ديون شيئًا من هدوئه، ثم رمق يده وسأل:

"أما نزعت قفازاتك؟"

أيدٍ مكسوّة ببياض ناصع.

كان يُقال إن ديون صار يعانق الشياطين على حقيقتهم، فلمَ لم يخلع ما يُخفي اختلافه؟ أليس الأمر خانقًا؟

تقلصت أصابع إيد متوترًا.

"ها؟ آه... نعم. إن كان ثمة مشكلة..."

"لا. ليس كذلك. لكن بقية الشياطين كفّوا عن إخفاء اختلافهم عن البشر أمامي."

"أدري. وأنا فكرت بذلك، لكن الأمر صار عادة. أشعر بفراغ إن تركته. ثم إن القفازات هدية. قررت أن أظل أرتديها."

"...هدية؟"

"نعم."

ابتسم إيد ابتسامة هادئة.

"إنها هدية منكَ يا ديون."

2025/09/30 · 21 مشاهدة · 1453 كلمة
نادي الروايات - 2026