كان ذلك هديةً مُنحت بلا تفكير. شيءٌ أُعطيته على عجل، تَشكَّل في نفسي على نحوٍ عابر تحت وطأة جوّ ذلك الزمان. لكنّي لا أصدّق أنّه احتفظ بها لمجرّد أنّها هدية أهديتُها إليه.

"هكذا هو الأمر..."

صوتٌ مبهَم يتهامس ببطء.

لعلّ "ديون هارت" لا يدري أيّ ملامح أرسم الآن على وجهي. ولو كنتُ أعلم، ما أظهرتُ مثل ذلك الوجه الغريب. كان "دان" واثقًا من ذلك.

"شكرًا لك."

"...."

"أحسنت، انصرف الآن."

"ما زال عليَّ التنظيف..."

"دع العربة، سأستدعيك لاحقًا، فاخرج."

تردّد "إد" مرارًا قبل أن يذعن لذلك الإيماء الصامت، فغادر بعد تحيّةٍ مهذّبة. وما إن أوصد الباب حتى أدار "دان" رأسه نحو "ديون" من جديد.

كان غارقًا في تأمّل، يعبث بنبتة غريبة في أصيص. غير أنّ "دان" عبس قليلًا، فقد كانت ملامحه غير المنضبطة تنعكس بوضوح في عينيه، ثمّ تكلّم بلهجةٍ مازحة:

"قلتَ لي ألّا أتعلّق بك، فماذا لو أنتَ من تعلّق بي؟"

"...ماذا؟"

"كيف لي أن أتعامل مع هذا الحال الآن..."

هزَّ "دان" رأسه في حيوية، وعلى شفتيه ابتسامة شقيّة. فزَمَّ "ديون" حاجبيه.

"أيُّ هراءٍ هذا؟"

"كنتُ أظنّك ستُنكر على الفور. لا يهمّ ما تقول، لكن أصلِح تعابير وجهك أوّلًا."

"...كيف تراها أنت؟"

"ليست ملامح مودّة، بل ملامح رجلٍ تزلزل قلبه قليلًا."

"...."

"تبدو وكأنك مأكولٌ بالذنب، تعصف بك مشاعر شتّى."

"...أها."

مثيرٌ للسخرية.

لم أشأ أن أعلّق. نهضتُ، أحمل الوحش بين ذراعي. سرتُ إلى النافذة، أضع الأصيص كما لو أطرد الدم المتجمّع حول كعب القدم.

كان يعرف كيف يقرأ الأجواء؛ فلم يبكِ، بل رفع رأسه بهدوء، التفت نحوي وابتسم في كبرياء.

"ذلك محال."

"...."

"يبدو أنّ بصرك قد زاغ أخيرًا."

سكب القمرُ فضّتَه فوق رأسك. وعيونك الحمراء، وقد حجبها الضوء الخلفي، تتوهّج في الظلّ توهّجًا مُريبًا.

كان "دان" يوشك أن يردّ بشيء، لكنّه صمت فجأة، فاغتنم "ديون" اللحظة وقطع الحديث بطريقته الطبيعيّة. وانتقل إلى موضوعٍ آخر لا صلة له بالسابق:

"ما شأن نفوذك في القمّة الآن؟ أتحافظ عليه جيّدًا؟"

"...بل زاد ولم ينقص. أصلُ العائق كان قمّة (لوفِل) وحدها. أما القمم الأخرى فيحاولون ألا يثيروا حفيظتنا."

"ينبغي أن أكون ممتنًّا للسينيور (ستيغما)."

"...."

مع أنّ البرهان لم يَظهر بعد، إلا أنّ كلماته أقرت ضِمنيًّا أنّ من أباد عائلة (لوفِل) هو (ستيغما بريميرو).

صمت "دان" مرّة أخرى، فيما تقدّم "ديون" ببطء نحو الطاولة، رفع إحدى القوارير المكدَّسة عليها، وضرب عنقها بحافّة كفّه فانكسرت. ففتح "دان" فمه ذاهلًا من ذلك الفعل الحاد.

"مهلًا، هنا أداة لفتحها..."

"هكذا أسهل."

"وإن جرحتَ نفسك... لحظة، أتشربها هكذا بفمك؟ حينها ستجرح فمك."

"لا بأس، فأنا بطل."

"ليس من خُلُقٍ حسنٍ أن تعبث بجسدك."

"لقد زاد تذمّرك."

وكأنّه يُبدي اهتمامًا حقيقيًّا.

جرع "ديون" القارورة كلّها ثمّ ابتسم. فتجمّد وجه "دان".

عضّ على شفتيه مرّات ثم أغلق فمه، وانشدّت عضلات فكّه لحظةً كأنّه يضغط بأسنانه، ثمّ تراخت. وخرج صوتٌ واهن قليلًا:

"ما دمنا في خدمة السيّد فلا خيار إلا التطوير. حتى قبل أن تصير بطلًا كنتَ تُرجف القلوب. وقلتَ إن متَّ لا تضمن حياتي أنا أيضًا."

أيُّ حالٍ كان قبل أن ينهض بصفته محاربًا؟ أليس قد عَلِق في انفجارٍ وكاد يموت؟ ولهذا، وإن كنتُ أعلم أنّه صار بطلًا، أبدو مفرطًا في حمايته.

ومع إدراكه لذلك، آثر "دان" أن يمضي قُدمًا في عناد بدلًا من التراجع. فلو انحنى الآن لتولّى سيّده الأحمر والأبيض أمر جسده كلّه. فالأجدر أن يُمسك زمامه بنفسه.

حتى الآن هناك همس داخلي يحثّه على الحذر. لكن ما جدوى تحذيرٍ يأتي ممّن لا تثق به؟ هزَّ "ديون" كتفيه باستهانة وغيّر الموضوع:

"إن وقفتَ أمام الشاشات سيتعرّف عليك الجميع."

"...."

لم يُجب إلا بملامح ساخطٍ.

جرع "ديون" كأسًا أخرى، كأنّه لا يبالي ببرود الردّ، وتابع حديثًا أشبه بحديث النفس منه بالحوار:

"إذا ظهر الوجه ظهر معه من يعرف الاسم، وإذا عرف الناس الاسم وصلت المعلومات إلى قمة صفحتك. لا، بل أهل العالم البشريّ ممن لهم أدنى خبر قد عرفوا بالفعل. قد تُرسل الجيوش إلى القمّة لحظة يطلّ وجهك على الشاشة بلا تحقيقٍ ولا تمحيص."

"...قد آن أوان الانسحاب من العالم البشري."

"هكذا إذن."

"آنَ أوانُ الرحيل."

صبَّ "ديون" من زجاجةٍ جديدة، وقدّمها إلى "دان"، وعيناه منحنيتان في ابتسامةٍ مُستكنّة.

"تهيّأ للانسحاب من عالم البشر. ولتغرق فيه عشقًا كاملاً... قبل أن تطلّ على الشاشة بعشرين دقيقة."

ينبغي ألّا يكون انسحابك سريعًا فتفشل، ولا متأخّرًا فتُدرك.

فإن انسحبنا على عَجَلٍ فطن بعض القادة المتيقظين إلى الأمر وأعدّوا العُدّة.

أما الذين أزالوا كل ما يربطهم بـ"ديون هارت" فلن يعلموا بوجود خيطٍ يصل بين "دان" و"ديون هارت". وقد نال "دان سانغانغ" إذنًا بتوزيع المؤن العسكرية باسم "ديون هارت" مرّة، فسيغدو غريبًا ألّا يعرفوا.

إن "دان سانغانغ" – الذي اعتاد استخدام اسم "ديون هارت" – وأصحابه "دان" و"ديون هارت"... حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا كانوا سيراقبونه عن كثب، فشركةٌ تنمو في عالم البشر وتربح الأموال ثم تنسحب فجأة؟ إذ لا سبب للتخلّي عن المكاسب المقبلة والارتداد، فلا بدّ أن يظنّوا بوجود صلة بـ"ديون هارت".

والارتباط بـ"ديون هارت" يعني الانتماء إلى عالم الشياطين. حتمًا ستُثار ظنونٌ كثيرة، وسيكون من بينها مرشّح اسمه "الشاشة".

(لا ينبغي أن تتكرّر حوادث الأمس.)

قطّب "ديون" جبينه متذكّرًا الرجل الذي اقتحم بثه بوقاحة وردّ عليه.

(إن تأخرتَ تُمسك الجماعة المنسحبة ويُنهب ما معها، فالأولى الانسحاب قبل الوقت بعشرين أو ثلاثين دقيقة.)

وفيما كان "ديون" يلمّ أفكاره أحسّ بخفّةٍ في يديه، فالتفت إلى "دان".

كان "دان" قد تناول الكأس، وبسمته عصيّة على القراءة.

"أوقن أنّي سأتلقى كثيرًا من الضغائن."

"الذنب على من عرف الخطر وظلّ سائرًا فيه."

رغم علمهم أنّ "دان سانغانغ" مرتبط بـ"ديون هارت" تجاهل القادة ذلك.

قبل أن يتوجّه إلى عالم الشياطين كانت الطبقة العليا قد استقوت.

والحرب مستعرة. والطبقة العليا تؤدّي دورًا في الإمداد، فهدمها لم يكن هيّنًا. خصوصًا حين تغيّرت قواعد الحرب وصار العدوّ "عالم الشياطين"، كان وجود "دان سانغانغ" خيرًا لأنه وحده القادر على حمل المؤن عبر الشياطين المهولة.

(ثمّة قاعدة غير مكتوبة أنّ حروب عالم البشر لا تمسّ الطبقة العليا، لكن عالم الشياطين لن يحفظ هذا العُرف.)

إنّ لمؤننا حدًّا لا نتجاوزه، فاضطررنا إلى الاتكاء على تجّار "دان" المحميّين بـ"ديون هارت"، وإن جرّح ذلك كبرياءنا.

وضع "ديون" الزجاجة الفارغة، وعيناه الحمراء تنظران مباشرة إلى الرجل المقابل:

"أو أنّ الخوف قد تملّكك الآن؟"

أتخشى أن يُكشف وجهك واسمك للجميع فتُوصم خائنًا آخر للبشرية؟

رمقه "دان" بعينٍ تفهم ما وراء السؤال. وواصل "ديون" كلامه دون أن يحيد ببصره.

"على أيّ حال أنا أُدرك. لقد أوصيتُ من تلقاء نفسي، فربما لم تكن مستعدًّا."

"..."

سألتُه ساخرًا، لكن لا نيّة لي في تعنيفه إن أجاب بـ"نعم". فأن تحمل عداء الناس جميعًا دفعة واحدة أثقل من كلّ ما توقّعتُه.

كم من شتائم سمعتُ بين قصرِي وقبر أخي في عالم البشر؟ لعلّها لم تكن شتائم فحسب، بل حقدًا عميقًا قاتمًا ونيّة قتل لا تُستهان بها.

وسم أزرق حادّ يفيض دموعًا دامية، يتفجّر به من فقدوا أحبّتهم على أيدي الشياطين في الحرب.

نعم، كان وسماً.

مدّ "ديون" يده إلى زجاجة أخرى، مفكّرًا أنّه لو لم تكن له غاية يسعى إليها، أو خاض الأمر بنصف قلب، لكان خنقه ذلك الوسم ووضعت حدًّا لحياته.

"...لكنّك أنت من اختارها. لا سبيل للنكوص الآن، فالأجدر أن تتهيّأ على الوجه الأتمّ."

تنفجر عنق زجاجة الخمر الجديدة بحدّ اليد، و"دان" يبتسم وهو يراقب.

"أتخاف؟"

"..."

"أهذا ممكن؟ هذا ما فعله السيّد أيضًا."

ولو كنتُ خائفًا ما كنتُ لأُبديه.

فالإفصاح لن يُغيّر شيئًا، وليس يليق بسيّدٍ أن يتذمّر ممّا فعله، صامتًا خوفًا من أتباعه.

حتى أنّي أنا المحرّض، فلا عذر لي بالتراجع أو الشكوى.

"سنتهيّأ بلا خطأ."

"...حسنًا."

جرع "ديون" الشراب ثانية.

لم يكن هذيانه يُشبه هذيان السكارى. نظر "دان" إلى "ديون" وهو يميل بكأسه عند الصوت الخافت الواضح.

"هل قلتُ أن كراهيتي كلهيب الغابة؟..."

"...؟"

"هذا ما قاله الساحر يومذاك."

[لبغضك هيئة نار الغابة. قد يكون في البدء يسيرًا، لكنّه في لحظة يتّسع فيبتلع كلّ شيء.]

"لعلّك كنتَ هناك أيضًا، لا أدري أسمعتَه أم لا."

بعدها قال له ذلك، و"دان" كان متخفيًا يتبعه:

[وذلك الطفل قريب من فتيلٍ سيفجّر في أوانه.]

[حين ينفجر الفتيل تنشب النار. وعلى العكس، إذا شبّت النار فجر الفتيل. لذلك كنتُ أرجو تجنّب لقائه ما استطعتُ، لكن...]

كأنّه تذكّر أخيرًا فأطلق "دان" آهًا. جلس "ديون" متكئًا على كرسيّ أمام الطاولة يُدوّر الزجاجة بين يديه.

خرج صوته جافًّا:

"ليته كان أكثر وضوحًا في قوله يومها."

"..."

أما كنتُ لأُحمّل "كرول" الوزر؟

سألتُ نفسي، فجاء الجواب سريعًا: لا.

لو قلتُ له ألا يلوم أخي لطعنني غضبًا وقال إنّها مغالطة، ولو قلتُ إنّ هناك سوء فهم ما صدّقني وأظهر غضبه. ولو قلتُ إنّي سأندم لانفجرتُ انفعالًا. كانت كلمات الساحر هي الأنسب.

لو نطقتُ بها لجُرحتُ.

وكأنّ العقل يأبى حماية نفسه، فلا يمنح إجاباتٍ حسنة لافتراضات "ماذا لو". أطلق "ديون" ضحكة أخيرًا.

"في الواقع أنا أعلم. كنتُ سأغضب يومها مهما سمعتُ في الدفاع عن "كرول". كنتُ سأواصل لوم أخي وأصف ذلك بترّهات من يقدّس الخرافة."

إنّ البغض الذي كان موجّهًا إلى العائلة وحدها صار اليوم نارَ غابةٍ تتسع بلا ضبط لتلتهم العالم. لا أضمن إلى أي مدى سيبلغ.

لو كان "كرول" حيًّا لما آلت الأمور إلى هذا. حتى لو كشف الحقيقة وحاول تجنّب جنوني، لكان هدّأني أو كبحني، ومنعني من الانفلات.

لم أضع في حسابي أنّ الأمر قد لا يُمنع. سواءٌ استعمل القسوة أو الرفق لكنتُ أنصتُ إليه. أما الآن وقد عرفتُ الحقيقة، فقد صرتُ جانيَ "كرول" الكامل ومذنبه.

"...سيّدي."

فتح "دان" الذي كان يصغي بصمتٍ فاه وقال:

"تبدو طيباً جدا."

"...ماذا؟"

2025/09/30 · 26 مشاهدة · 1448 كلمة
نادي الروايات - 2026