"ماذا؟! أقدِم القائد؟!"

فجأة،

دوّي!

انفتحت الأبواب من كل صوب، واندفع منها الكلاب الهوجاء.

واحد... اثنان... كان "دان" يعدّ الوجوه بفتورٍ مستسلم، غير أنّ عينيه اتسعتا حين رأى الأعداد تتوالى.

"العدد... لم يتغيّر؟"

ففي الخطة الأصلية كان ينبغي أن تبقى نصف المقاعد شاغرة.

ورغم حيرته العارضة، أدرك الموقف سريعًا:

"لم تلتزموا بما أمرت."

لم يُفتَضح أمري، لكن في قلبي غصّة.

كنتُ أراقب من بعيد فرسان "العُلا" يحيطون بـ"ديون هارت"، فإذا بـ"كلِتر" يمرّ بي ويطرق كتفي بخفّة، كأنّه يشُدُّ من عزيمتي. حركة خاطفة لم تستقرّ لحظة، دون كلامٍ يُذكَر، ومع ذلك التقط "دان" بوضوحٍ تلك الكلمات التي انسابت كهمسٍ خافت:

"شعرتُ بشيء... لذا أنا هنا، فاطمئن."

ومرّ "ميلان"، وهو يركض نحو "ديون هارت"، فابتسم ابتسامةً عابرة وقال:

"لسببٍ ما، خامرني شعور أنّ القائد سيحضر اليوم... والجميع أحسّ بذلك، حتى أنا."

"هاه..." هذه المرّة، صمتُّ من وقع المعنى.

"أهذا حدسٌ صرف؟ أيُّ غريزة تلك؟"

تساءل "دان" بينه وبين نفسه: "أهكذا يصير كلُّ من عاشرتْه ساحة الوغى والحرب؟"

وفيما كانت أوهامه تتزاحم، ألقى "ديون" نظرة عليه من بين زمرة "الكلاب الهوجاء" التي ترحّب به في ذلك المكان الكئيب، ثم قال:

"لديّ شيء أعطيكم إياه."

"حقًا؟! أهدية؟"

"ليست هدية."

"هدية من القائد؟!"

"واااو!"

"...."

"فلنسمِّها هدية إذن..."

اختار "ديون" أن يتخفّف من عناء التبرير، فأشار إلى العربة التي كان "دان" يدفعها من خلفه.

"كلُّ ما هناك لكم."

"واو! كل هذا الشراب لنا؟!"

"أجل."

هزّ كتفيه بلا مبالاة، فيما رمق "دان" القائد، ثم رمق الفرسان الذين أشرقت أعينهم طمعًا. كان الجو مألوفًا لديه... أين رآه من قبل؟

''آه... حين كانت امرأةٌ ترمي فضلات الطعام للكلاب الهوجاء في وادٍ جبلي.''

كان سلوكها يشبه سلوك "ديون"، وسلوك الكلاب آنذاك هو ذاته الآن.

''على ما يبدو، فإنّ القائمين على الأمر في جهلٍ تام.''

لكن لا بأس، ما داموا راضين.

تنحّيتُ عن تلك الخواطر، وأطبقتُ كفّي على أذنيّ أقيهما من هدير الصيحات التي اندلعت فجأة.

حتى وقد سدّدتُ أذنيّ، كان الضجيج يمزّق رأسي.

"وااااا!"

"حتى لو لم يأتِ الشراب، لقد أرهقنا الصداع! عاش القائد!"

"دي-سي!"

"...مهلًا."

رفع "ديون" حاجبًا واحدًا وهو يصغي إلى عواء تلك الكلاب.

سواء نطقوا "دِي-سي" أو "دَيْ-سي"، لا فرق.

"تقولون أن لديكم صداع؟ أهناك ما أرهقكم مؤخرًا؟ أنا لم أُكلّفكم بشيء."

"آه..."

تدارك المتكلّم غفلته، فسارع ليسدّ فمه، لكن الأوان فات.

فما إن فعل، حتى امتدت أيادٍ كثيرة من خلفه، وأمسكت به تجرّه وسط الجمع. غاب عن نظر "ديون"، وما هي إلا لحظات حتى دوّى صوتٌ مكتوم مع صرخاتٍ مخنوقة، ثم ابتلعها ضحكٌ مُبالَغ فيه.

تقدّم "ميلان"، محاولًا أن يلتقي بعيني "ديون"، وأطلق ضحكة متردّدة:

"هاها... أردتُ الشراب لأني متعب فحسب!"

"وهذا أيضًا. ما أذكر أنّي حمّلتك عملًا، فلم التعب؟"

"ذاك... أعني..."

تلفّت "ميلان" مضطربًا، فرأى "دان" يشير إليه، يضع إصبعه على شفتيه، ثم يمدّ إصبعه الوسطى ويدير معصمه ليُظهر ظهر كفّه. أحسَّ "ميلان" بما يشبه الفراسة أنّها إشارة النجاة، فتقدّم بخطى ثابتة نحو "ديون" وقال بصوتٍ منخفض:

"هل تناولتَ مخدرا ثانيةً يا قائد؟"

"ماذا؟ أيعقل؟!"

"...."

لم يأتِ الجواب صريحًا، لكنّ الصمت أقرّ بما فيه الكفاية.

قرأ الفرسان ذلك الإقرار في سكوته، فاستشاطوا هيجانًا.

ولم تكد تمرّ لحظات حتى انطمست الحادثة السابقة تحت وابلٍ متواصل من كلمات العتاب، والحلوى تُدسّ في فمي قسرًا.

حتى حين جاء يوم الظهور على الشاشة، ظلّ "دان" متماسكًا، لا يتغيّر مع تعاقب الأيام.

كان قادة الفيالق الذين يصادفهم في الممرّات يرمقونه بإعجابٍ مكتوم، بل إنّ "ديون هارت" أثنى عليه ثناءً ملتوياً إذ قال إنّه أكثر هدوءًا مما ظنّ. فاكتفى "دان" بابتسامة باهتة، دون أن يتبدّل موقفه الراسخ.

رغم أنّ الحقيقة كانت على غير ذلك.

ومع انسياب الزمن عاجزاً، كنتُ أرتجف تحت وطأة مشاعر هاجمت حواسي مراراً.

فهو في نهاية المطاف بشرٌ مثلنا. دان، الذي اعتاد الرحيل إلى عالم الإنس، كان يفقه جيداً كيف يُذكر اسم "ديون هارت" بينهم.

بمجرّد أن يطرق الاسم مسامعهم، يبصقون كأنهم ابتُلوا بنحسٍ مبين، ويقذفون الشتائم مضمّخة بدموعٍ دامية، مستحضرين موت صاحبه. وصراخهم الغاضب، كأنّه نحيبُ روحٍ انتُزِع منها حبيب، مخيفٌ إلى حدّ الرعب. وذاك المشهد، مشهد رجلٍ يبكي وهو يكرر الاسم الواحد: "ديون هارت"، لا يختلف عن جنون مَن فقد عقله.

لقد أُلقي ديون هارت بين أيديهم، فمزّقته ألسنتهم الحادّة حتى لم تبقَ منه بقية، ولو كان للاسم هيئة من جسد، لما استطاع أن يحفظ صورته الأولى.

ولأن ديون هارت كان أوّل الضحايا، فقد كان وقع الأمر أشدّ هولاً. لكن، إذ الحال متشابه، فلن يفلت الثاني من ردّة فعلٍ تضاهيها. وأظنّ أنّ المرّة الثالثة وحدها هي التي قد تخفّ حدّة هذا الاضطراب. ولو وقفتُ أنا أمام الشاشات، لكان المشهد على هذا المنوال.

ومع علم دان بذلك، وشعوره بشيء من القلق والخوف، لم يُغيّر كلماته قط. بل لم يكن قادراً على الرفض أصلاً.

''لأنّ ديون هارت هو من أوصى بذلك.''

ابتسم دان بمرارة، وهو يُصلح من ثوبه.

والآن وقد خطا إلى قاعة المجلس، ووقف قبالة ملك الشياطين، وتلقّى عرضه، لم يعد الأمر مجرّد توصيةٍ من ديون هارت. فاقتراحٌ يصدر عن الملك نفسه يعني أنّ مجلساً قد انعقد، ورأياً قد رُجّح، وأنّ قادة الفيالق قد علموا بالأمر، وأبدوا فيه مشورتهم. والامتناع عن القبول هنا ليس إلا إهانةً للجميع.

وجميع التبعات، بما فيها اللوم وسوء الظن، ستسقط على رأس ديون هارت، صاحب التوصية الأولى.

"الأدهى أنّه هو نفسه من دفعني إلى هذا الموقف."

فمن أراد أن يبلغ غايته، وجب أن يعدّ كفّارة الثمن. فالطفل وحده من يطلب النفع ويجتنب الضرّ، أمّا الرجل الراشد فعارٌ عليه أن يفعل مثل ذلك.

لذلك، وعلى الرغم من اضطراب مشاعره، آثر دان أن يغتنم الفرصة بدل أن يولي الأدبار.

"أصغِ جيّداً."

وُضعت يدٌ بيضاء على كتفي.

تكلّم ديون هارت بوجهٍ أكثر جدّية مما كان عليه أمام الشاشة، كأنّ القلق قد اعتراه:

"ليس عليك أن تقول الكثير. ثلاثون ثانية، دقيقة على الأكثر. وإن بلغت الكسلَ مداه، فلن يتجاوز الأمر دقيقتين."

"...."

"ليس بخطبة، ولا بدعاية. إنّما هو عرضُ وقائع. فلا تُحمّل كتفيك ما لا طاقة لها به."

وضغط على كتفه.

لمسٌ خفيف لا وزن له، ومع ذلك أضحك دان، وبدّد شيئاً من توتّره، فارتسمت ابتسامة على فمه. عندها قطّب ديون هارت حاجبيه.

"غير أنّ هذا لا يعني أن تُلقي عنك رهبة الموقف."

"المعذرة."

لكن الاعتذار لم يُمحِ ابتسامته. عندها حدّق فيه ديون هارت طويلاً، ثم اكتفى بمزيد من النصح بدل العتاب:

"إن استطعت، أنهِ حديثك في ثلاثين ثانية. ترتيب مقدّمةٍ وخاتمة؟ انسَ ذلك. ادخل في صلب الكلام، ثم انصرف. لا تمنح الطرف الآخر فرصة التدخّل."

"يبدو أنّك لا تثق بي."

"طبعاً."

منذ لحظة قبوله العرض، تغيّر تفكيره، ولم يعد ممكناً الركون إليه.

خفض يده عن كتفه، وجذب ياقة ثوبه، ثم انحنى بعينيه إلى مستوى دان، وهمس بصوتٍ واطئ كالنذير:

"أحسب أنّك لن تُقدم على حماقة، غير أنّي أُحذّرك."

"...."

"إيّاك أن تفعل فعل الأحمق."

"... بطبيعة الحال."

ارتسمت ابتسامة دان أكثر سلاسة.

تنفّس ديون هارت الصعداء، وأسقط هو الآخر ابتسامةً مُرتخية تكفي لتبديد توتّر أي ناظر. فيما كان دان يُصلح ثوبه المتجعّد بهدوء.

مدّ ديون هارت يده...

"آه، سيّدي. أشكر فضلك، لكن دعني أتكفّل بثوبي."

"...."

ثم سحب يده.

واصل صوته بنبرةٍ فيها مسحة قلق:

"أعيد القول: كلمتان اثنتان لا غير. الأولى: أنّ ديون هارت صار بطلاً. والثانية: أنّ جيش ملك الشياطين بات يقبل بالبشر، عدا ديون هارت."

"ألستَ تُكثر من القلق؟"

لكنّ الصوت لم يكن صوت دان. فالتفت ديون هارت، فإذا بملك الشياطين قريبٌ منه، وقد غمره ضحكٌ عذب. وإلى جانبه، نائبُه إد يتململ متردّداً.

وبّخه ديون هارت بعينٍ صارمة، لكن صوت الملك طغى على الجوّ الذي تكوّن:

"سيجدون المخرج. أليس كذلك؟"

"بلى."

"... ولكن."

"دعنا نطوي الحديث هنا، ولنمضِ إلى الراحة."

رمق الملك ثوب دان، ثم رمق ديون هارت، وفي عينيه ابتسامة ماكرة:

"أرى أنّكَ أحوج إلى إصلاح ثوبك أكثر من حاجتك إلى إصلاح الخاص بدان. ألا ترى أنّ ثيابه متجعّدة؟"

"لقد أصلحتها منذ قليل."

"أصلحتها بنفسك؟ عجيب... لبّسته بيدي، ثم بدت الثياب كما لو أنّها مهلهلة...!"

"...."

التفت الملك بصمت، وابتعد.

وحين رأى ديون هارت كتفيه المرتجفتين، قال:

"ولِمَ تكابد ذلك؟ ابتسم فحسب."

"ها ها ها!!"

"...."

لعلّي كان ينبغي أن أقول له: اصبر، ولا تضحك.

اقترب إد وهو يُصلح ثياب دان، بينما ديون هارت واقف يرمق الملك بنظرةٍ مشاكسة، فيما الملك لا يأبه، ضاحكاً كما شاء.

فأردت أن أبدّل مسار الكلام، فقلت له:

"لم تكن مهتمّاً حقاً بهذا الأمر، أليس كذلك؟ فسينتهي سريعاً، ولا داعي لقدومك."

"صدقت. أنا حقاً غير معنيّ. ألم أقل لك؟ إنّهم سيجدون الحلّ بأنفسهم."

"فلِمَ جئت إذن؟"

"ذكّرتني نفسي بما ينبغي أن أعلّمه تالياً."

أدار الملك عينيه بتؤدة:

"ما رأيك أن نجرّب الرسم؟"

"... أرى أنّ الحديث في غير محلّه."

"وما ضير ذلك؟ لست مولعاً بالآلات الموسيقية، فليكن درسنا القادم في الرسم."

"...."

سخفٌ لا يُحتمل.

لكنه مضى مقتنعاً بصمتي، واستدار مغادراً كما جاء. تابع ديون هارت ظهره حتى غاب، ثم التفت إلى دان.

"هل أنت على أهبّة؟"

هبّت نسمة باردة من ريح العالم السفلي، لا تعبأ بفصول البشر.

فخلافاً لمجلس الملك المنعقد في الداخل، فإنّ كلمة دان، وإن لم تكن خطاباً، ستُلقى في العراء. ذلك أنّ قادة الفيالق، وقد ساورهم الشكّ، أرادوا مراقبته بأعينهم، ليكونوا على أهبةٍ لأي طارئ.

علامةٌ سافرة على عزمهم في مواجهة الأمر حال نشوبه.

ولأنّه سيقف بين أيدٍ أعظم منه قوّةً ومقاماً، فلا بدّ أن يرتجف مهما قصُر زمن وقوفه.

ومن ثمّ، فقد أُعدّ لكل شيء: "عرض الوقائع" و"ما بعده" على أتمّ وجه.

ابتسم دان بثقة.

2025/09/30 · 31 مشاهدة · 1446 كلمة
نادي الروايات - 2026