قال بصوتٍ خافت: "...حسنًا."

إن كان ذلك لا يضيرك.

وبعد أن رمق ديون ثوب "دان" بنظرة عابرة، خفَض رأسه يتأمّل ثيابه هو. لم يكن ثمّة مرآة كي يرى بوضوح، لكن ما رتّبه "إد" بدا للوهلة الأولى أنيقًا. مدّ يده ليلمس الرداء، غير أنّ عينَي "دان" اللاذعتين ردّتاه، فاكتفى بتحريك إصبعه ثم خفَض يده.

قد يقول قائل إنني مفرِط الحساسية تجاه اللباس، لكن ديون و"دان" بل حتى ملك الشياطين، كلّهم علموا أن الثياب في المحافل الرسمية ليست مجرد كسوة، بل هي لغة لها معانٍ.

"لهذا ألبستني هكذا..."

فهو وإن لم ينبس بكلمة، كان يرتدي زيًّا أسود بخيوط من ذهب. بينما جرت عادته في مواقف الإمبراطورية الرسمية أن يكتسي أبيضَ مشغولًا بخيوط الذهب. لذا، فهذا الرداء لم يكن اختيارًا عبثيًّا، بل قصدٌ جليّ.

فهو من جهة يثبت أنّ ديون هارت جنديٌّ في جيش الشيطان، ومن جهة أخرى يثير غيظ الإمبراطورية إن تُرجِم المعنى في عالم البشر.

أما "دان"، فقد اكتفى بثياب بشرٍ عادية، ليست فاخرة كالأشراف، ولا رثّة، بل نظيفة وقورة، تزرع الثقة. ثيابٌ تحفظ المسافة بلا مبالغة، وتُجنّب احتقار الناس أو نفورهم.

وبينما كنتُ أطأطئ رأسي أتأمل، تكلّم "إد" بحذر: "إن لم يكن في نفسك حرج، أريك المرآة."

"لا، لا حاجة. أنت تعلم أني لا أنظر في المرايا."

لم أكن أوثر المرايا يومًا، لكن بعد موت "كرول"، هجرت النظر إليها تمامًا، وهو يعرف ذلك.

حين غدوتُ بطلًا كنت أختلس النظر، بدافع الفضول أمام ردود الناس الصاخبة، لكني كنت أنفر من وجهي كلما فعلت.

ابتسمتُ باقتضاب ولوّحت بيدي، أشعر بنظرة "دان" عليّ، وأتغافل.

"سيّدي."

"إذن استعددت؟ أظنني كذلك، فلنبدأ."

"...كما تأمر."

كان نداءه لا يقصد ما فهمت، لكني تجاهلت ومضيتُ أجلس وراءه قليلًا. جلست معتدلًا، أحدّق في قادة الفيالق الواقفين على بُعد. أنظر إليهم شاردًا: هذا يحيّي، وذاك يبتسم، وآخر يومئ بيده. وما إن لاحَ شعارٌ يتقدّم نحونا حتى صرفتُ بصري. كان "دان" قد اجتازني إلى المنصّة، يبتسم نحوي.

وضع ورقة على الطاولة أمامه. أهي خطاب؟ ليست ورقة ولا اثنتين، بل حزمة. مضحك أن يُعِدّ خطبةً طويلة لما لن يتجاوز دقيقتين. تُرى ما الأمر؟

رفعتُ حاجبيّ مستفسرًا، فإذا به يرفع رأسه ببطء. السماء السوداء الممتدة، الخالية من كلّ واقعية، ملأت عيني.

لكن التجرّد من الواقع والبقاء أسيرًا لها عسير. أغمضتُ عيني ثم فتحتهما أرتّب مشاعري.

...والآن.

"فلنبدأ."

آن أوان السير مع السيّد إلى الهاوية.

مدّ "دان" يده إلى الحجر السحري المعدّ، وإذا بنورٍ ضئيل يلوح بعيدًا.

تهاوت الإمبراطورية، وبدأ غزو البشر على يد الشياطين على الحقيقة.

لقد انهار أعتى جدارٍ دفاعي في عالم الناس. ورغم أن التوقّع كان انكسارهم سريعًا أمام جيش ملك الشياطين، واندثارهم كما يذرو الريح سنابل الخريف، إلا أن صمودهم أثار فيّ الدهشة.

قال "بول"، نائب قائد جيش الثورة الثاني، في نفسه: "في مثل هذه الملمات، الشعب هو أول من يدفع الثمن."

الأمراء منشغلون بالحرب عن الناس. ونحن من يتكفّل بهم.

وإلا، فقد تهاوى صرح "كنيسة الخلاص"، وبرزت ديانة مريبة تُدعى "الديمونية" تنتشر كالنار في هشيم. ينبغي صدّها، بل والتعريف بجيش الثورة أيضًا.

لا بد من كسب العامة، فالطبقات الدنيا – وإن هُمّشت – هي الأكثر عددًا، وستغدو يومًا سلاحًا فتاكًا.

''ولأجل ذلك، عليّ أن أُسكت ذلك الصوت أولًا.''

تأمّل "بول" الشاشة العائمة أمامه.

رجلٌ رآه في صورة مرفقة بالتقرير، وجه غريب مألوف، ظهر على الشاشة. كان يعرفه. سيّد أكبر شركة تجارة في عالم البشر، وله صلة بديون هارت. اسمه... "دان".

"ومن ذاك الجالس خلفه..."

وبلا وعي، جمدت عيناه.

...فما إن وقعت عيناي عليه، حتى لم أستطع صرفها. وسامة يفوق التصوّر، كأن هالة سحرٍ خاطف قد صاغته.

ورغم أن حسنه جاوز ميولي، فإن رعشة مشؤومة غشيتني. انفلت الاسم من فمي كأنّه أنين: "...ديون هارت."

وفي اللحظة عينها، ابتسم رجل الشعر الأبيض والعينين الحمراوين للشاشة. وكنت مأخوذًا بوجهه، إذ فغَر "دان" فاه مرحّبًا، افتتاحيته تحمل نذيرًا شرّيرًا:

– "الجميع يعلم أنّ الأبطال يخرجون من صلب البشر."

وكيف يجهلون؟ فالإنسانية في محنتها، والأمل معقود على أبطالها.

لكن لِمَ يثير صاحب الخطاب ذلك؟ في أعينهم، ذِكره ليس محمودًا.

– "لا شك أن الكثيرين يبحثون عن بطل. الناس جميعًا، أصحاب السلطة وأرباب النفوذ، كلّهم يكدّون في طلبه. ولكن..."

وانفجر الرجل في الشاشة ضاحكًا.

ارتفعت زوايا فمه، فانبسطت ابتسامة مائلة على محيّاه، كأنّها سخرية مكشوفة. حينها تجمّد وجه "بول" وقد بان الغضب في ملامحه.

قال ممدّداً ذراعيه في مبالغة: – "أليس الأمر غريباً؟"

كان المشهد أشبه بمسرحية، غير أنّ الأبصار انجذبت إليه من جديد، ثم تخلّت عن "ديون هارت" حتى انطفأ بريق الشاشة.

– "لقد حُشد هذا الكمّ من الرجال بحثاً عنه، فلماذا لم نعثر على البطل بعد؟"

آه... لقد أدركت الآن سرّ هذا النذير، عرفتُ لِمَ تفوّه "دان" بتلك الكلمات.

ارتجفت أطراف أصابعي، وتسلّل اليأس رافعاً رأسه.

جلس "ديون هارت" في جانب الشاشة، يفيض جماله على نحو لم يكن من قبل، بينما "دان" يحدّث الناس عن حكاية البطل.

– "لا تقلقوا... ليسوا عاجزين، لكن من الطبيعي ألّا يجدوه... فالأبطال لا وُجود لهم في عالم البشر."

أفحقّاً السماء عازمة على أن تترك البشريّة فريسة مهجورة؟ وإلّا فكيف...

– "ديون هارت صار هو البطل."

أيّ قرار هذا؟ أيّ مصير هذا؟

غرقت القارّة في صمت ثقيل، بينما جلس "ديون" متربّعاً، ساق على ساق، مرفقاه على ركبتيه، ذقنه بين كفّيه، يبتسم بعينين مطويتين كأنّما يستعرض المشهد.

أخفى "بول" وجهه بين يديه، والصدمة قد سلبته أنفاسه.

كان في عالم الشياطين بطلٌ وحيد، خصمُ الشيطان الأعظم. فإذا به الآن يجلس في صفّ الملك الجهنّمي، في عرش قائد الفيلق صفر، آمر الجيش، موجّهاً سيفه نحو البشر! وهل من حقيقة أشدّ قسوة من هذه؟

ولم يفق "بول" من صدمته حتى تردّدت كلمات "دان":

– "أتعلمون ما معنى هذا؟ إنّها مسألة وقت لا غير، قبل أن يبتلع جيش الشيطان عالم البشر."

نعم... الآن فهمت. إنّ هذا اليأس هو الغاية، وما هو إلّا تمهيدٌ لكلمة أشدّ وقعاً ستأتي لاحقاً. فلا ينبغي أن نترك لهم زمام السيطرة، بل علينا أن نستفيق سريعاً. ألم نُعِدّ العدّة لهذا الموقف من قبل؟

– "أكرّر للمرة الأخيرة..."

"ستظلّ حالة الاستعداد كما هي."

"نعم، إنّها كاملة."

"صِلوا الإشارة متى أعطيتكم."

أيعلمون حقاً أنّنا على أهبة الاستعداد؟

– "عالم الشياطين يفتح صدره للبشر، سوى ديون هارت. ونضمن سلامكم."

"...الآن."

إنّ الفتات الصغيرة من الرجاء وسط عتمة اليأس، ستخدع الكثيرين. وما أصعب أن نحذر من رفاقنا في حين أنّ تماسكنا لا يكفي أصلاً.

بإشارة من "بول" انتقلت السيطرة على الشاشة إلينا.

ومن هذه اللحظة صرتُ الناطق باسم البشر. موقفي هو صورة العالم البشري كلّه، وصوتي يؤثّر في الرأي العام. فعليّ أن أضبط ملامحي: إن خفتُ فلا أظهر خوفي، وإن يئستُ فلا يلوح يأسي.

تلاشى الغلام، ووقف الشاب كامل الرجولة، مرفوع الرأس، يواجه الشاشة بعينين جريئتين.

انتُزِعَت السيطرة من أيدينا.

ومن خلفي سُمِع "ديون هارت" ينهض، وسمعتُ همسات قادة الفيالق.

كان في نظرته وخز يطلب منّي أن أطوي المقدّمات وألج في صلب الحديث، غير أنّ "دان" ظلّ شاخصاً نحو الشاشة ببرود.

– "إلى متى سنظل نكرّر هذا العبث العقيم؟"

إنّه ذات الرجل، الذي سمّى "ديون هارت" خائناً للملأ قاتلاً لأخيه.

وفي المرة الثالثة جُهّز حجر سحري آخر كما لو كان مُعدّاً مسبقاً. غير أنّ "دان" لم يبادر، بل ألقى ببصره إلى الرجل على الشاشة لحظة.

– "دعني أسألك صراحة: على أي شيء نُسلّم رقابنا لعالم الشياطين؟ أهو عدوّنا! بل سلالة أخرى! والحرب بيننا لم تُختم بصلح منذ الأزل. فشتّان ما بين حروب الممالك على القارّة التي حفلت سجلات التاريخ بأحكامها وأسفارها، وبين صراعنا نحن والشياطين."

فأي قلب يطيق أن يرى بطلاً يصطفّ مع عدوّه الأزلي؟

ربّما لذلك قرّر أن يهاجم. فما إن تستيقظ وحشة المجهول حتى تنكمش احتمالات الانجراف نحو عالم الشياطين.

– "إنّها ليست حرباً بين بني الإنسان. بل هي معركة وجود بين جنسٍ وجنس. مصيرنا رهين خيار واحد، حياتنا ومستقبل البشريّة على كفّ شيطان. إن نحن أخطأنا الطريق، فلا رجعة لنا البتّة."

ارتفع صوته شيئاً فشيئاً، حتى غدا كالرعد يخترق السماء.

– "ويقولون: عالم الشياطين يقبل بالبشر؟ لعلّه ممكن. لكن، من يضمن ألّا ينالنا التمييز؟"

تأمّل "دان" الحجر السحري الجديد الموضوع إلى جانب سابقه.

ليس الآن... فلننتظر قليلاً. تلك العبارة لا بدّ أن ترد ولو مرة.

– "إن قلتم نعم، فإني أضحك منكم! أيمكن أن يخلو عالم من التمييز؟! إن كان بيننا نحن البشر أنفسنا فرز وتفاضل قائم: حسبٌ ومالٌ ولون بشرة وميلُ طبائع! فكيف بعالم الشياطين، وهم أفتك وأقسى، لا يحكمهم غير قانون الغلبة؟! بل إنّ الفارق في الخِلقة بيننا وبينهم بيّن واضح!"

كلّ كلماته تصبّ في غير صالحنا.

عند هذا الحدّ، كان لزاماً أن يتدخّل "دان". رفع يده إلى الحجر السحري، فيما العيون كلها تطعنه بلوم صامت يحثّه أن يُسرع ويشعل الشاشة.

ظهر وجه "دان" بجانب وجه "بول".

– "سؤالي لكم: إلى متى تظلون أسرى هذه الرؤى الضيّقة؟"

– ....

– "تقول أن الشياطين أشرار؟ وأنّهم إن ميّز البشر بينهم فسيكونون أكثر تمييزاً؟ أليست هذه رؤية ترفع البشر فوق منزلتهم، وتُنزِل الشياطين دونهم وكأنّ الأمر بديهي؟! وبأي حجة؟"

...حسناً. يكفي الآن.

ابتسم "دان" وهو يواجه نظرة "ديون" القاسية.

فلنُمسك بزمام اللحظة أولاً... لقد قيل ما يكفي وزيادة.

2025/09/30 · 30 مشاهدة · 1389 كلمة
نادي الروايات - 2026