"ما الذي ترمي إليه حقًّا؟"
كنتُ قد أمرته أن يُنهي الأمر سريعًا لئلّا يتدخّل الخصم، غير أنّه تأنّى عمدًا. كان ذلك مقصودًا بلا ريب. والنتيجة... كما خُيّل إليّ.
– " بيننا نحن البشر أنفسنا فرز وتفاضل قائم: حسبٌ ومالٌ ولون بشرة وميلُ طبائع! فكيف بعالم الشياطين، وهم أفتك وأقسى، لا يحكمهم غير قانون الغلبة؟!"
كان الرجل على الشاشة يقفز كالسمكة تُنتزع من الماء.
وفي الأثناء، كسبَ غايةً أخرى، بأن ضمَّ "نظام المكانة" إلى خانة "التمييز الجائر"، وكأنّه نصرٌ إضافي لجيش الثورة.
رمق "ديون" مؤخرة رأس "دان" بنظرة حادّة.
"لم يكتفِ بطرح لبّ القضية ثم طواها... فما هذا الموقف؟ أما يجرّ على نفسه الخسارة دون مكسب؟"
لو ظنّ أنّه فعل ذلك خوفًا من ردّ الخصم، لكان الوهم فادحًا. فـ"ديون" يقيس الأمور بحسابٍ دقيق.
لقد ظهرت الشاشة هذه ثالث مرّة. أي أنّ الرأي العام قد جرى توجيهه مرّتين قبلها.
"والناس يملّون في الثالثة."
كان يكفي لو طرح حقيقةً صادمة وأغلقها؛ لبلغ التأثير مداه. أمّا إذا أفرط في الكلام، فلن يبلغ السامعين أثرًا، وقد ينقلب عليهم قرفًا واشمئزازًا. لهذا قلتُ ما قلت.
...أمرٌ يثير الحنق.
وكأنّ مؤخرة رأسه أمامي تُغويني أن أهوي عليها بقبضة يدي.
لكن قبل أن أستسلم لذلك الخاطر، كان "دان" قد مدّ يده إلى الحجر السحري، فانبثقت شاشة أخرى في السماء.
– "أتقول إنّ الشياطين شريرة؟ فإذا ميّز البشر بينهم، فالشياطين أشدّ تمييزًا؟ أليست هذه رؤية ترفع البشر فوق منزلتهم، وتُنزِل الشياطين دونهم وكأنّ الأمر بديهي؟ وبأيّ حجّة؟"
أفيُمنح العدل للبشر وحدهم؟ حتى في جيش الثورة، يبدو أنّ التعصّب لا مهرب منه.
تصوّرٌ يرى أنّ الإنسان أعدل، وأعلم، وأفضل. فوبّخ "دان" خصمه على غطرسته التي جعلت الأمر مسلَّمًا به.
ارتبك الخصم، وتسارعت نبراته.
– "لدينا روايات وآثار من أسلافنا..."
– "ولأنّهم أعداء وُسِموا بالشرّ؟ أليست هذه عادة كُتب الممالك كلها، أن تُحسّن الحلفاء وتُشيطن الخصوم؟ ما أكثر ما ألفنا هذا المنطق الأسود والأبيض. أليس عسيرًا أن تنخدع بكلمات وآثار كهذه؟"
لكن "دان" لم يتوقف. وكأنّ في مؤخرة رأسه نداءً يحثّه على المضيّ قُدمًا.
– "لا تُعظّموا البشر فوق قدرهم. لا تحتقروا الأجناس الأخرى. اطرحوا الهوى جانبًا، واحكموا بما تبصره أعينكم."
– "...."
– "والآن، كيف يُعامَل "ديون هارت" الإنسان في عالم الشياطين؟"
التفتُ ببطء، فإذا بصورة رجل يطغى جماله على الأذواق تُشرق على الشاشة.
رغم أنّه صار عدوّ الشيطان الأكبر، ما زال يتقلّد منصب القائد العام وقائد الفيلق الصفري. حتى من جهل ذلك، شعر في داخله بأنّه يُعامل معاملةً ليست بالرديئة.
مدّ "دان" ذراعيه وقال:
– "فكيف تظنون أن يُعامل رجلٌ عاديٌّ مثلي؟"
وبدا على هيئته أنّه إنسانٌ مألوف، غير أنّ لباسه لا يُستَهان به، ووجهه نضر، وجلده يلمع.
كثيرون لا يعرفون صلة "دان" بـ"ديون هارت"، فأثّر هذا المشهد فيهم.
عندها جاء الردّ سريعًا، وفيه نبرة أزمة:
– "ديون هارت بشرٌ يوافق هوى الشياطين، وأنت من أتباعه، وهذا وحده يكفي لقبولك عندهم."
ابتسم "دان" بزاوية فمه.
– "تقولون هوى الشياطين؟ أتقصدون أنّه قتل أخاه، كما زعمتم من قبل؟"
– "لا ريب أنّ لذلك أثرًا بالغًا."
كان الردّ مبهمًا، لكنّ معناه واضح. ضحك "دان" بخفوت.
"كنتُ أنوي إنهاء الأمر سريعًا، فإذا بالحصيلة أكثر مما توقّعت... حسنًا، أوشكت على بلوغ غايتي."
محا ابتسامته، ورفع رأسه.
– "أفهم سعيكم لتصوير "ديون هارت" شريرًا، لكن التزيّد يفسد الأمر. فماذا لو قلت إنكم تكذبون؟"
– "...ماذا؟"
– "من قتل مَن؟ الحقيقة أنّ "ديون هارت" هو الضحية."
جاءتني شهقة من خلفي. ومع أنّه شعر بنظرات تخترقه، لم يلتفت "دان"، بل ظلّ يحدّق في النور أمامه.
تفتّحت الأفواه، وتجلّت حقيقة طُمست طويلًا بصراع المصالح.
– "إنّ "كرول هارت" لم يقتله "ديون هارت"."
ثم واصل "دان"، وهو يسحب من القمّة من يشاء ويوجّه الفرسان نحو عالم البشر:
– "إنّما قتله الدوق "ستايف إلّوستر"."
كلّ ما كان، كان تمهيدًا لهذه اللحظة.
مدَّ المعلومات لجيش الثورة ليتهيّأوا ويتدخّلوا في أوانهم. ثم...
تكلّم قائد جيش الثورة، وقد غشيه الصمت لحظة:
– "هذا محال. أسأتَ الاختيار. أتدري كيف يُذكَر في عالم البشر؟"
– "أدري. رجلٌ وفيّ، ظلّ في القصر الإمبراطوري حتى سقوطه، وقضى يقاتل "ديون هارت". أليس هذا عبثًا؟"
– "...."
– "القمامة تبقى قمامة، ولو غُلِّفت بالحرير. وأنت أدرى الناس بسجاياه الرديئة، وأنت من الثورة."
– "...ألم تلاحظ أنّ آخر خروجات "كرول هارت" كان برفقة "ديون هارت"؟ فإذا كانت الملابسات هكذا، أكنتَ ستقول إنّها كذبة؟"
هنا بدّل "دان" لهجته، والتقط ورقةً من على الطاولة بابتسامة ساخرة:
– "أعتذر إن بدا وكأنّي أصرّ. كان عليّ أن أُظهر لكم الدليل أوّلًا."
"ما... ذاك؟"
"وثيقةٌ تثبت أنّ الدوق قد طلب اغتيال كرول هارت وديون هارت."
"...!"
"ولأكون أدقّ، فقد كُتب فيها: 'راقب إن كان كرول هارت سيقتل ديون هارت، فإن لم يفعل فاقتلهما معاً.' أفلا يُفهم من هذا وحده ما جرى؟ أليس في الأمر فظاعة؟ إجبارُ أخٍ على سفك دم أخيه؟"
أيّ شرفٍ يليق برجلٍ كهذا؟
كان دان يسخر، لكنّه سرعان ما شعر بجوٍّ ثقيل يسود المكان، فالتفت سريعاً، فإذا قادة الفيالق يحدّقون بصمت.
''نعم... إنّ كرول هارت نفسه مثار حذرٍ حتى عند القادة.''
ولأنّ أحداً لا يعلم ما ملامح وجه ديون هارت الآن، فقد عَمَّ الصمت. لا شكّ أنّ الحال كذلك أيضاً في عالم البشر. لوّح دان بالورقة أمام الضوء كأنّه يستعرضها.
"وما بقي في الوثائق يثبت أنّ الدوق ظلّ يطلب مراراً قتل ديون هارت منذ زمن بعيد. فهذه المرّة ليست الأولى."
"هذا..."
"ولعلّك تسأل الآن: كيف أُصدّق ذلك؟ أهي وثيقة مزيّفة؟ لكنّكم سمعتم أنّ منظماتٍ عُرفت بتنفيذ الاغتيالات قد أُبيدت مؤخّراً على يد مجهولين حتى لم يبقَ لها أثر يُصلح. أليس كذلك؟"
"مستحيل..."
"بلى. كان ذلك كلّه لأجل هذا الدليل. أما ترى اسم المنظمة وخاتمها هنا؟ كلّ من يعرف، يعلم أنّها ليست مزوّرة."
وهذا أحد أسباب إرسال فرسان "العُلا" إلى عالم البشر، للحصول على البيّنة. قد يتساءل بعضهم: لماذا العُلا بالذات؟ والحقّ أنّه لم يكن ثمّة خيارٌ آخر.
فالخصم منظمة اغتيالات، ولا يمكن أن أبعث إليها رجالاً عاديين، بل مقاتلين ذوي بأس، ولم يكن عندي مثلهم. ولذا اتجهت أنظاري إلى فرسان العُلا الذين كانوا يلهون بصخب. ولأنّهم بسطاء، لم يكن استدراجهم عسيراً.
[ماذا؟! ما زال القائد متَّهماً بقتل أخيه؟ كم مرّ من الزمن!]
[هاه! أكنتَ تكتفي بالمشاهدة أيّها اللئيم؟]
[...والآن ألتمس عونكم في رفع التهمة.]
[آه.]
[أفلِت هذا الياقة.]
[المعذرة.]
كان الجوّ حينها هيناً، لكن دان علم أنّ الغضب كان صادقاً.
[أما تتناول مخدراً؟ أعلم أنّك تستعمله مع أمثال هؤلاء.]
[لا حاجة.]
[صدقت، لا ضرورة.]
ورغم أنّه لم يتعاطَ شيئاً، فقد تفرّعت عروق الدم في بياض عينيه. لقد بلغنا ما يُسمّى حالة "لا شيء يُرى".
وبالفعل، فتّشوا كلّ منظمة اغتيال، ونهبوا ما فيها، فعثروا على المعلومات، ورجعوا أسرع مما ظُنّ.
وبهذا أمكن رفع الوزر عن ديون هارت، ووضعه على كاهل المجرمين الحقيقيين. وجاءه صوتٌ في داخله يعاتبه: "لِمَ تجشّمت هذا العناء وأنت آمن؟" لكن دان اكتفى بابتسامة:
''كنتُ أظنّ ذلك أنا أيضاً.''
انتقامٌ لا جدوى منه، ومع ذلك، أخذ ديون هارت بثأره بيده.
لكن أيجوز السكوت حين يسعى أحدهم لتزيين موت الدوق وتقديمه نبيلاً؟ ذلك تجاوز للحدود.
وبعد التحقيق، بان أنّ تحرّكاته تشبه ما كان في كنيسة الخلاص، فلا أدري، لعلّ الفاعل واحد. كأنّه أحبّ إنساناً حتى اهتمّ بصورة ميّت!
لكنّ للحبّ قيوداً لا تُحصى. بل أسرع أن نعدّد ما لا تُكبّله القيود. ومن ثَمّ، صار عمله هذا خاضعاً لها.
''لقد تمادى.''
فما العمل؟ ليس لنا إلا أن نُثقل عليه الكفّارة، حتى لا يجرؤ على تكرارها. فمن زيّف موتَ مجرم، فخيرٌ أن نفضح آثامه على الملأ، ونُغرق سمعته في وحل العار.
"في ذلك الحين، لم يكن ديون هارت ينوي قتل كرول هارت، بل كان كرول هارت حارساً له من رجال الدوق."
"...."
"وما جرى بعد ذلك واضح. رجال الدوق أرادوا القضاء عليهما معاً، لكن كرول هارت ضحّى بنفسه لينقذ ديون هارت ويُمكّنه من الفرار. والمكان... أما تعرفونه؟"
"عالم الشياطين."
تكلّم بول أخيراً، ببطءٍ لكنه بوضوح لا يزلزل:
"ولِمَ عالم الشياطين؟ أليس ديون هارت في ذمّة الإمبراطور الراحل؟ كان يكفيه قصر الإمبراطور لحمايته."
وكان بول يوشك أن يكتفي بذلك، لكنّ عيني دان الهازئتين دفعاه لإضافة قوله متأخّراً:
"وإن خشيت أن الدوق مدّ يده في طريقك، ألم يكن من الممكن إرساله إلى مملكة أخرى ردحاً من الزمن؟"
"كلا. إنّك تنظر من زاوية خاطئة. لمَ لا تنظر من مقام كرول هارت نفسه؟"
قطّب بول جبينه قليلاً. لكن دان مضى في بيانه:
"إذ علم أنّ موته آتٍ لا محالة، أراد أن يُرسل من أحبّ إلى أكثر الأمكنة أماناً. فما ذكرتَه ليس سوى حلٍّ مؤقّت. لكن كرول هارت، وقد استشرف أنّه لن يقدر على حمايته بنفسه، تطلّع أبعد ما يكون."
"في ذلك المعنى، لا يُمكن عدّ القصر الإمبراطوري إلا امتداداً للإمبراطورية، وسحر الدوق سينفذ إليه بسهولة. ومملكة أخرى؟ نعم، لا بأس، ولكن... وقد خرجت الإمبراطورية تواً من حرب، فهل يقبلون بديون هارت، وهو قوام قوّتها، من غير ريبة؟ أما يحتمل أن يأخذوه أسيراً ويستجوبوه؟ بل قد يتّخذون ذلك ذريعةً للاحتجاج على الإمبراطورية. وحتى لو قبلوا، فلن يلبثوا أن يردّوه إلى موطنه، إذ لا يمكنهم الإبقاء على قوّة الإمبراطورية العظمى بينهم وهم يقاتلون عالم الشياطين."
"...."
"فأين الملجأ إذاً؟ لا يبقى إلا عالم الشياطين."