– "...هذا يعني."

حين عدتُ إلى وعيي، وجدت نفسي وقد انكشفت.

للوهلة الأولى بدا أن الكلام ينصبّ على جرائم الدوق، غير أنّ الأمر لا يُؤخذ بخفة إذا استمعنا لما سيُقال بعد ذلك، حيث تُثبَّت الحقائق. العواقب لن تكون هيّنة.

فات الأوان على التراجع. وفي مثل هذه اللحظات، لا حيلة إلا تحويل مجرى الحديث... هنالك تكلّم "بول"، الذي كان صامتًا، مريدًا تلطيف الجو:

– "أيمكن أن نفهم من هذا أنّ (كرول هارت) كان يعرف موضع (ديون هارت) في عالم الشياطين؟"

– "لا. لا أعلم. ربما أرسلوا الأمر ثقةً بمهارة (ديون هارت)."

– "لا ريب أنّه المكان الأشدّ أمنًا..."

– "حتى لو كان خطرًا، أفأخطر من عالم البشر؟ أليس أجدى أن نواجه مخاطر بيّنة للعين، لا دسائس السياسة وخفاياها؟ ثم إنك لا تستطيع قتل دوق بغير روية، أمّا وحشًا أو شيطانًا فقتله ميسور. إمكان إزالة مكامن الخطر أمرٌ مهمّ."

كان "دان" يبتسم باسترخاء، كأنما يسخر.

أنا مالك دار الميسر... لا، مالك القمّة. فهل يُعقل أن تنجح حيلة كتلك؟

غير أنّي لم أرغب في إطالة جدلٍ عقيم، فسألت قبل أن يعودوا لمطاردة ذات الموضوع:

– "لِمَ لا تكتفون بالصدق، ثم تعضّون على سيرة ميّت؟"

– "...وأنت الآن تعضّ على الميّت، أليس كذلك؟"

– "لا يُقاس هذا بذاك. إنما جئتُ لأنزّه بريئًا بكشف الحقيقة، أمّا أنتم فتطعنون في ميتٍ باتهامٍ لم يُثبت."

كلماته تزداد وهنًا.

ولمّا صمت "بول"، انتفخ "دان" فخورًا، وخاطب الجمع على الشاشة بلهجة قاطعة:

– "خلاصة القول: قاتِل (كرول هارت) هو الدوق. وإن أوغلنا في التأويل، كان السبب في ذهاب (ديون هارت) إلى عالم الشياطين هو الدوق أيضًا."

لا أعلم مَن أراد تمجيد صورة الدوق، لكنهم هم من نبشوا ذكر الموتى أولًا، فإذا بالدوق ينقلب عارًا جديدًا، بأيديهم.

ارتسمت ابتسامة على شفتي "دان".

"أما سمعتم أنّ نبش قبر من ظهرت خطاياه بعد موته وقطع جسده يُسمّى (محاكمة الليفتنانت)؟" {م.م: "محاكمة الملازم" أو "محاكمة الليفتنانت" أصلُها تقليد عسكري/أوروبي قديم، إذ كانت بعض الجيوش أو السلطات الدينية في العصور الوسطى تُحاكم الموتى (خصوصًا الجنود أو القادة الذين خانوا أو ارتكبوا جرائم). فإذا كان الضابط برتبة "ليفتنانت" (ملازم) قد خان أو ظهرت فضائحه بعد وفاته، تُقام محاكمة رمزية له، فيُخرج جسده ويُنفَّذ عليه الحكم حتى وهو ميت.}

وها هي الأسماء تُمزّق، فيُعاد المشهد بمعنى آخر من تلك المحاكمة.

"لكن الدوق مجرم."

وما كنت لأدافع عن آثم، خاصةً إن كان المظلوم ممّن أعرف.

فكّر "دان" في (ديون) الجالس خلفه، ثم تابع بهدوء:

– "بكلمة أخرى، دعواهم أنّ (ديون هارت) قتل أخاه إرضاءً للشياطين، محض باطل."

"لكنتُ قلت: قولوا الحقيقة فقط."

قال "ديون" مترددًا.

"لقد قلتَ الحقيقة."

ضحك "دان".

رمق "ديون" وجهه صامتًا، ثم أطلق تنهيدة ثقيلة. أراد توبيخه حقًّا، أو على الأقل أن يهوّي بقبضته على رأسه... لكن كلّ ما خرج همس متعب:

"...لقد أضعت جهدي سدى."

كان هذا ما أدهشني. فالقضية تستحق معركة طويلة.

لكن بدل الغضب الحادّ، خرج صوت مبلّل بالكلل:

"أتظن أني صمتّ لأني لا أعرف كيف أشرح لأحد؟"

لم يكن صمتي لعجزي عن تبرئة نفسي.

لو أراد "ديون" لالتقط الأدلة يوم شاع الخبر في عالم البشر إبّان جداله مع جيش الثورة، ولكان حلّ الأمر. ثم إن أمامه فسحة زمن بعدها. ومع ذلك بقي ساكنًا.

لأنه كان يعتقد أنّ السبب في موت (كرول) هو هو نفسه.

"لو لم أكن أنا... لنجا (كرول)."

لو لم أقتل أهلي، لو لم أُخطئ في ظنّي، لو حاولت أن أحدّثه ولو متأخرًا... لما مات.

بكلمة، أنا قاتله. لهذا لزمت الصمت. لعلّه بعض التكفير.

"آسف."

"...لا عليك."

أفسد "دان" كلّ شيء، ومع ذلك غلّف شعورٌ خفيّ لا يُسمّى غضبًا ولا ضيقًا. وهناك أدرك "ديون":

''...ربما كنتُ أوهَن ممّا حسبت.''

فلعلّي كنت أنتظر من يلتفت إليّ، ويفكّ عنّي هذا العبء.

لكن وعيي بذلك لن يغيّر شيئًا.

عدلتُ عن توبيخه، وقلت بلا أن أنظر إليه:

"أما كان تعمّدُك الإطالة في المقدمة لاستدراج جيش الثورة إلى الغزو؟"

"نعم."

"لم أصدّق أنّك خطّطت لذلك..."

"آسف."

"قلتُ انتهى الأمر. لا تُعدها. المهم أننا تجاوزنا بسلام، فلنمضِ."

فلو زلّت قليلًا، لما سارت بسلاسة.

ومع ذلك، وجب عليّ التأكد. كنتُ قد رتّبت مشاعري بعض الشيء، فرفعت بصري عن ذقنه، والتقت عيني بعينه.

"لم تكن لتحصل على الوثائق وحدك. لقد قلتَ بوضوح قبل قليل: 'أشخاص مجهولون'."

[لعلّك سمعت أنّ التنظيمات المسؤولة عن الاغتيالات قد أُبيدت كليّاً بهجمات شنّها مجهولون، حتى بات إحياؤها مستحيلاً.]

أومأ "دان".

"نعم، لقد ساعد فرسان العُلا."

''وأيضاً...''

في ذلك الحين بدا الأمر مريباً. قال إنّ رأسه يؤلمه وإنّه مرهق... حاولت أن أغيّر رأيه لاحقاً، لكن شكوكه كانت صارخة لدرجة لم أستطع التغاضي عنها. ومع ذلك ظننت أنّها لن تضرّني، فتركتها تمضي.

تذكّر "ديون" تلك النظرة المشبوهة يوم زار سكن الكلاب الهوجاء حاملاً لهم الخمر، فضحك وأبعد قدمه.

"إلى أين تذهب؟"

"إلى ما تأوي إليه الكلاب الوحشية."

"الأغلب أنّهم في ساحة التدريب."

لمّا أدرك "دان" أنّه يقصد فرسان العُلا، أجاب سريعاً وتبعه. ومع النسيم المتهادي تخلّت نفسي عن توترها، فانطلقت في هواجس فارغة.

"لقد رُقّي اللقب من 'الكلاب الهوجاء' إلى 'الكلاب الوحشية'، أفلا يستحق هذا احتفالاً؟"

لكن أليسوا مُروَّضين أكثر من أن يُدعوا وحشيين؟ لا، بالنسبة لغير سيّدهم، فهم كلاب وحشية حقاً...

"الأعلى هو..."

"هاه؟ كلاب وحشية؟"

"ماذا؟"

"نعم؟"

"...."

توقّف "ديون" فجأة، طوى إصبعه الوسطى وإبهامه ووضعهما على جبين "دان"، ثم دوّى "بَه!" وصوت تكسّر خفيف.

"استفق."

"...أشعر أنّ روحي ستغادر قبل أن يحضر عقلي..."

"لا بأس عليك. لن تموت."

ثم مضى بخطاه من جديد.

ومع وقع الأقدام خلفه أعاد ما قاله قبل قليل:

"هل سقط الرأس الأعلى في أوانه؟"

"لم أتأكّد بعد، لكن إن سارت الخطة كما ينبغي، فقد وقع في موضعه."

"الحياة لا تمضي دائماً على هوى الخطط، فتفقّد الأمر سريعاً."

"نعم."

"وعن نائب قائد جيش الثورة الثاني..."

كان في البدء مربكاً، لكني الآن أدركت.

قطّب "ديون" حاجبيه وهو يستعيد وجه الفتى على الشاشة، وقد تخلّى عن ملامح الصبا وأطلّ كشاب يافع.

"أظنّه ذاك الذي لمحته في كنيسة الخلاص."

"أتقصد كنيسة الخلاص؟"

"أجل. لستَ تعلم لأنك لم تكن برفقتي، كان ثمّة فتى يعتني بتلك الفتاة."

في حينها لم أرَه إلا عرضاً، وكان قد شبّ كثيراً فلم ألحظه سريعاً. لكن حين وقعت عليه ثانيةً بعين المراقب، تيقّنت أنّه هو.

"اسم قائد جيش الثورة الحالي هو..."

"إنه بول."

"نعم، كان بول."

ذاك الفتى الذي تسلّل إلى كنيسة الخلاص، ينادي الفتاة ويحادثها، كان اسمه أيضاً بول.

[شيا! ماذا تفعلين! علينا أن نغادر!]

[آه، بول! أعتذر، لكن عليّ أن أذهب.]

ابتسم "ديون" ساخراً، مستحضرًا ذكرى قديمة.

"هو اسم شائع، لكن الملامح ذاتها، فلا شكّ في الأمر."

قد يُستغرب كيف بلغ ذلك المقام، لكن لا فضول عندي في سؤاله. فما يهمّني لم يكن سوى أنّ تدخّلي مرّتين وضرب الشمعة لم يكن عبثاً.

استعاد "ديون" نظرة الفتى القاسية حين انتزع فتاة تدعى "شيا". وما دام قد صانها بتلك الصورة، فلا ريب أنّها نقطة ضعفه. وإن أحسنت استغلالها، فسيمّحي أثره تماماً.

جمعت شتات أفكاري وناديت "دان":

"ابحث عن فتاة اسمها شيا. كانت طفلة فقيرة في كنيسة الخلاص. اسمها نادر بالنسبة لفقرها، فلن يصعب العثور عليها."

"شيا... حقاً اسم فريد. حاضر."

وبينما بلغ "ديون" مشارف غايته، توقّف.

لِمَ يقف هنا؟ لمَ لا يتقدّم قليلاً بعد؟

ظلّ "دان" سارحاً في الاسم حتى كاد يصطدم به، ثم مال برأسه متسائلاً:

"سيّدي؟"

"...."

انتظرتُ جواباً فلم يأتِ. دنوت جانباً، فإذا بوجه "ديون" يشوبه العجب، وهو يحدّق بساحة التدريب.

"...؟"

ارتسمت الحيرة على ملامح "دان" كذلك.

لِمَ هذا؟ أهناك أحد في الساحة؟ ما كان ليتّخذ هذه الملامح لو لم يكن ثَمّ جديد.

سرت بنظري مع نظره، فإذا بمعظم فرسان العُلا متواجدين كعادتهم، بل أكثر من المعتاد. أكثر من عددهم الذي أعرفه.

تمتم "ديون" متحسّراً: "أهي ساحة يتردّد عليها قادة الفيالق؟..."

قهقه "دان" خافتاً من ورائه، بينما عيني "ديون" تستبرقان المشهد ببرود.

هناك كان "تروفر" قائد الفيلق التاسع يستعرض قوّة بدنيّة يزعم أنّها سحر، أمام الكلاب الوحشية.

"هذا سحر تقوية الجسد!"

"واااه! رائع!!"

"كما توقّعت! أعجبني!"

"كم من التدريب نحتاج لنبلغ مثل هذه القوة؟!"

"سحر تقوية الجسد سحر رفيع المستوى. وإن بدا متعثّراً فهو موهوب، إذ ينجز الكثير. بالمواظبة سيُتقنه."

أتذكّر تماماً، فقد كنتُ حكَماً في نزال بين "درنيفان" مساعد قائدة الفيلق الخامس، وبين قائد الفيلق التاسع. وما عرضه آنذاك لم يكن غير تمرين بدني لا غير.

أي سحر رفيع هذا؟! ما بالكم مولعين بأوهام؟

"وهل من سحر أدنى؟ علّمني واحداً بسيطاً!"

"فلأعلّمك تعويذة الصمت إذن."

"أوه! نعم!"

"بوصفها سحراً منخفضاً، فهي يسيرة. يكفي أن تضرب بلَوح كفّك لسان المزمار عند خصمك."

"مفهوم!"

"والأهم هنا ضبط القوّة! إن اكتفيت بالسرعة وزدت شدّة الضربة، تحوّلت إلى تعويذة قتل لا تعويذة صمت، فخذ حذرك!"

أما ضبط القوّة... فليس هذا بسحر أصلاً!

كان "دان" يرتجف قابضاً فمه من الضحك، بينما "ديون" ينظر إليهم بشفقة وهم يطرقون أعناق بعضهم بتعويذة "الصمت". ثم خطا نحوهم.

وحين أدركوا حضوره، تهافتت الأنظار إليه.

"قائدنا!"

"أأنت هنا؟!"

"استمتعنا بالمشهد! كان رائعاً!"

"سعدنا إذ مُسحت عنك التهم!"

فتوقّفت خطى "ديون" التي لا تُردّ.

ولم يبالوا، بل تهلّلت وجوه فرسان العُلا وصاحوا:

"ها نحن نتعلّم سحرنا! سنصوغه جيّداً ونريك ما يدهشك لاحقاً!"

تنفّس "ديون" ضاحكاً بخفوت.

"...حسناً."

2025/09/30 · 23 مشاهدة · 1394 كلمة
نادي الروايات - 2026